
خاص المركز الفلسطيني للإعلام
لم تكن وثائق محكمة العدل الدولية المتعلقة بالقضايا المرتبطة بفلسطين أوراقاً قانونية معزولة عن واقع الميدان. فهي سجل دولي مكتوب يوثق، بلغة القضاء، ما يعيشه شعبنا من احتلال واستيطان وتهجير وحصار وعدوان. وبينما حاول الاحتلال وحلفاؤه حصر النقاش في روايته الأمنية، نقلت هذه الوثائق مركز السؤال إلى جوهره: ما مسؤولية دولة الاحتلال عن أفعالها؟ وما واجب الدول الأخرى حين تتعامل مع احتلال ثبتت عدم مشروعيته؟
تزداد أهمية هذه الوثائق لأن المعركة ليست عسكرية وسياسية فقط، بل هي أيضاً معركة على الوقائع والمصطلحات والمعنى. فالأمر القضائي، والرأي الاستشاري، ومحاضر الجلسات، والطلبات المكتوبة، ليست بدائل عن صمود الفلسطينيين ولا عن الفعل الشعبي والسياسي، لكنها أدوات تفضح محاولات طمس الجريمة وتضع الدول المتواطئة أمام التزامات لا تستطيع إنكارها إلى الأبد.
ما الذي تتضمنه وثائق محكمة العدل؟
تضم ملفات محكمة العدل الدولية مواداً متباينة في طبيعتها وقوتها القانونية. هناك طلبات افتتاح الدعوى التي تعرض الوقائع والأساس القانوني، ومذكرات مكتوبة تقدمها الدول، ومحاضر الجلسات العلنية التي تكشف حجج الأطراف، ثم الأوامر والقرارات الصادرة عن المحكمة. وفي القضايا التي تطلب فيها هيئات الأمم المتحدة رأياً استشارياً، تظهر أيضاً أسئلة الإحالة، وإفادات الدول والمنظمات الدولية، والرأي النهائي للمحكمة.
ولا ينبغي التعامل مع كل هذه المواد بالطريقة ذاتها. فمرافعة دولة ما تمثل موقفها وحجتها، وقد تتضمن إنكاراً أو انتقاءً للوقائع. أما أمر المحكمة أو حكمها أو رأيها الاستشاري فهو النص الذي يبين ما خلص إليه القضاة بعد فحص المواد المقدمة إليهم. لذلك فإن العنوان الإعلامي وحده لا يكفي، خصوصاً حين تسارع المنابر المنحازة للاحتلال إلى اقتطاع عبارة من سياقها وتقديمها كأنها تبرئة أو انتصار قانوني.
مسار القضية
وبدأت جنوب إفريقيا مسارها القضائي ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي في 29 ديسمبر/كانون الأول 2023، حين رفعت دعوى اتهمت فيها إسرائيل بانتهاك التزاماتها بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها في قطاع غزة، بالتزامن مع طلب اتخاذ تدابير مؤقتة لحماية الفلسطينيين من أضرار جسيمة لا يمكن جبرها.
وعقدت المحكمة جلسات الاستماع في 11 و12 يناير/كانون الثاني 2024، ثم أصدرت في 26 يناير/كانون الثاني أول أمر بتدابير مؤقتة، خلصت فيه إلى توافر أساس أولي لاختصاصها، وألزمت إسرائيل باتخاذ إجراءات لمنع أفعال الإبادة الجماعية والتحريض المباشر والعلني عليها، وضمان إيصال المساعدات الإنسانية، وحفظ الأدلة.
وتواصلت القضية مع طلبات جنوب إفريقيا لتشديد التدابير؛ ففي 28 مارس/آذار 2024 أصدرت المحكمة تدابير إضافية، خصوصًا في ظل تدهور الوضع الإنساني، ثم أصدرت في 24 مايو/أيار 2024 أمرًا جديدًا أعاد تأكيد التدابير السابقة وأضاف إجراءات مرتبطة بالهجوم الإسرائيلي على رفح، معتبرة أن الوضع الإنساني في غزة أصبح «كارثيًا».
وفي المسار الإجرائي، قدمت دول عدة طلبات أو إعلانات للتدخل في القضية، بينها نيكاراغوا (23 يناير 2024)، كولومبيا (5 أبريل)، ليبيا (10 مايو)، المكسيك (24 مايو)، فلسطين (31 مايو)، إسبانيا (28 يونيو)، تركيا (7 أغسطس) وتشيلي (12 سبتمبر 2024)، ثم انضمت دول أخرى لاحقًا.
وفي 28 أكتوبر/تشرين الأول 2024 قدمت جنوب إفريقيا مذكرتها الأساسية (Memorial) التي عرضت فيها حججها وأدلتها، بينما حددت المحكمة لإسرائيل مهلة لتقديم مذكرتها المضادة. وفي 14 أبريل/نيسان 2025 وافقت المحكمة على تمديد مهلة إسرائيل لتقديم المذكرة المضادة إلى 28 يناير/كانون الثاني 2026.
دعوى الإبادة الجماعية والتدابير المؤقتة
في الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد الاحتلال الإسرائيلي بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، برزت الأوامر المتعلقة بالتدابير المؤقتة بوصفها محطة فارقة. المحكمة لا تفصل في هذه المرحلة في الحكم النهائي حول وقوع الإبادة من عدمه، لكنها تنظر في مدى قابلية الحقوق التي تحميها الاتفاقية للخطر العاجل، وفي الحاجة إلى إجراءات تمنع ضرراً لا يمكن إصلاحه لاحقاً.
هذه الدقة القانونية مهمة. لم تقل المحكمة إن الملف الفلسطيني مجرد خلاف سياسي، ولم تقبل دفن الوقائع تحت ذريعة “الدفاع عن النفس”. بل اعتبرت أن الحقوق التي تتمسك بها جنوب أفريقيا نيابة عن الفلسطينيين في غزة قابلة للتصديق، وأصدرت تدابير تلزم الاحتلال بمنع الأفعال الواقعة في نطاق الاتفاقية، ومنع ومعاقبة التحريض العلني والمباشر على الإبادة، وإدخال المساعدات الإنسانية، وتقديم تقارير عن التنفيذ.
ثم جاءت أوامر لاحقة مع تفاقم الكارثة، لتشدد على إدخال المساعدات وعلى حماية السكان، ولتطالب بوقف الهجوم العسكري وأي عمل آخر في رفح بالقدر الذي قد يفرض على الفلسطينيين في غزة ظروف حياة يمكن أن تؤدي إلى تدميرهم المادي، كلياً أو جزئياً. الصياغة القضائية هنا محددة، لكنها لا تقل خطورة: إنها تربط العملية العسكرية في رفح بخطر تدمير جماعة محمية بموجب اتفاقية الإبادة.
الرأي الاستشاري حول الاحتلال
وفي الرأي الاستشاري الصادر في يوليو/تموز 2024 بشأن الآثار القانونية الناشئة عن سياسات الاحتلال وممارساته في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، قدمت المحكمة توصيفاً بالغ الوضوح. خلصت إلى أن استمرار وجود الاحتلال في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وأن عليه إنهاء وجوده غير المشروع بأسرع ما يمكن، ووقف الاستيطان وإخلاء المستوطنين، وجبر الأضرار الناجمة عن أفعاله.
هذه الوثيقة لا تختزل القضية في حدود مؤقتة أو مفاوضات مؤجلة. إنها تعيد تثبيت حقيقة أن الاستيطان والضم الفعلي والسيطرة الدائمة ليست تفاصيل جانبية، بل منظومة تتعارض مع حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير. كما تضع على عاتق الدول واجب عدم الاعتراف بالوضع غير القانوني وعدم تقديم العون أو المساعدة في استمراره.
لماذا تحاول إسرائيل الالتفاف على مضمون الوثائق؟
لأن الوثيقة القضائية الدقيقة تزعج الرواية التي يصدرها الاحتلال إلى العالم. فإسرائيل اعتادت تقديم احتلالها باعتباره “نزاعاً” بين طرفين متكافئين، وتقديم عدوانها على غزة كإجراء أمني معزول عن تاريخ الحصار والاستعمار الاستيطاني. لكن وثائق المحكمة تربط الوقائع بسلسلة من الالتزامات القانونية: حماية المدنيين، منع الإبادة، رفض التمييز العنصري، احترام تقرير المصير، وعدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة.
الالتفاف يأخذ أشكالاً متعددة. قد يجري الادعاء بأن المحكمة لم تستخدم لفظاً بعينه في مرحلة إجرائية، فيُصوّر ذلك كأنه نفي للجريمة. وقد يجري التركيز على هامش في الأمر القضائي وتجاهل منطوقه الملزم. وفي أحيان أخرى، يخلط الخطاب الإسرائيلي عمداً بين محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية، مع أن لكل منهما اختصاصاً ومساراً مختلفين.
محكمة العدل الدولية تنظر، في الأصل، في مسؤولية الدول وتفسر التزاماتها القانونية. أما المحكمة الجنائية الدولية فتختص بالمسؤولية الجنائية الفردية عن جرائم مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة. هذا الفرق لا يعني أن أحد المسارين يلغي الآخر، بل إنهما يكشفان مستويين من المساءلة: مسؤولية منظومة الاحتلال كدولة، ومسؤولية الأفراد الذين يصدرون الأوامر أو ينفذون الجرائم.
كيف تُقرأ وثائق محكمة العدل بعيداً عن التضليل؟
القراءة الواعية تبدأ بتحديد نوع النص وتاريخه. هل هو طلب مقدم من دولة؟ هل هو محضر جلسة؟ أم أنه أمر صادر عن المحكمة؟ بعد ذلك ينبغي العودة إلى منطوق القرار، وهو الجزء الذي يحدد التدابير أو النتائج بصورة مباشرة، لا الاكتفاء بالبيانات السياسية التي تصدر عقب الجلسات.
ومن المفيد الانتباه إلى أربعة أسئلة عند قراءة أي وثيقة: ما الوقائع التي اعتدّت بها المحكمة؟ ما الالتزام الذي نسبته إلى الاحتلال أو إلى الدول الأخرى؟ هل النص ملزم أم استشاري؟ وما الخطوة التي يفتحها لاحقاً؟ هذا المنهج يمنع الانجراف وراء قراءات متسرعة، سواء بالغت في تصوير القرار كحل فوري، أو قللت من أثره حتى يصبح بلا قيمة.
فالأوامر القضائية لا توقف آلة العدوان تلقائياً إذا امتلكت دولة الاحتلال غطاءً أميركياً وغربياً داخل مجلس الأمن وخارجه. هذه حقيقة يجب قولها بلا تجميل. لكن عدم التنفيذ لا يلغي الجريمة ولا يسقط القرار، بل يضيف دليلاً على تحدي القانون الدولي وعلى مسؤولية الدول التي تواصل التسليح والتغطية السياسية والتبادل الاقتصادي مع الاحتلال.
من الوثيقة إلى الفعل السياسي
القيمة الحقيقية للوثائق تتوقف على ما يفعله الناس والمؤسسات والدول بها. يستطيع الصحفي استخدام منطوق القرار لتفنيد كذبة متداولة، ويستطيع الباحث توثيق علاقة الاستيطان بالضم غير القانوني، كما تستطيع منظمات المجتمع المدني مساءلة الشركات والجامعات والنقابات التي تربطها علاقات بمؤسسات الاحتلال. وتستطيع الدول، إن امتلكت الإرادة، أن تترجم واجب عدم الإعانة إلى وقف السلاح والعقود والتعاون الذي يغذي العدوان.
لكن ينبغي الحذر من تحويل القانون إلى بديل عن السياسة أو المقاومة الشعبية. القانون الدولي نفسه ظل لعقود عرضة لانتقائية القوى الكبرى، ويُطبّق على الضعفاء بسرعة أكبر مما يطبق على حلفاء واشنطن. لهذا فإن التمسك بوثائق المحكمة لا يعني انتظار عدالة تأتي من تلقاء نفسها، بل يعني استخدام ما أقرته أعلى هيئة قضائية دولية في مواجهة الإنكار والتواطؤ، وفي تعزيز المطالبة بالعقوبات والمقاطعة والحماية الفعلية للشعب الفلسطيني.
وثائق المحكمة تترك أمام كل قارئ مسؤولية واضحة: لا تردد عناوين الآخرين قبل قراءة النص، ولا تسمح بأن تتحول اللغة القانونية إلى ستار بارد فوق دماء غزة وآلام الضفة والقدس. احتفظ بالوقائع، انقلها بدقة، وذكّر من يدّعي احترام القانون بأن فلسطين ليست استثناءً من العدالة، وأن ما كُتب في سجلات المحكمة يجب أن يتحول إلى موقف وعمل.

