من “لم يوقظوني” إلى “تلقيت اتصالات”.. ماذا تكشف الدقائق الأولى من 7 أكتوبر عن رواية نتنياهو؟

نتنياهو وفشل السابع من أكتوبر

القدس المحتلة – المركز الفلسطيني للإعلام

تتلقى رواية رئيس حكومة الاحتلال المجرم بنيامين نتنياهو بشأن الساعات الأولى من عملية السابع من أكتوبر 2023 ضربة جديدة، بعدما كشفت معلومات أوردتها هيئة البث العبرية الرسمية “كان 11” أن نتنياهو تلقى مكالمتين هاتفيتين عند الساعة 6:29 و6:40 صباحا، لكنه لم يتحدث إلى رئيس أركان الجيش آنذاك هرتسي هاليفي إلا عند الساعة 9:45، خلال تقييم للوضع.

وتضع هذه المعطيات تسلسلًا زمنيا جديدا أمام واحدة من أكثر الروايات إثارة للجدل في دولة الاحتلال منذ وقوع الهجوم، إذ دأب نتنياهو خلال الفترة الأخيرة على التأكيد أن السؤال المركزي هو: لماذا لم يوقظه قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية، رغم وجود مؤشرات وتحذيرات سبقت الهجوم؟

وفي تسجيل مصور نشره الثلاثاء الماضي، اتهم نتنياهو بصورة مباشرة رئيس الأركان السابق هرتسي هاليفي، ورئيس جهاز الأمن العام “شاباك” السابق رونين بار، ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السابق أهارون حاليفا، بأنهم كانوا على علم بالمؤشرات التي سبقت الهجوم، ولم يوقظوه أو يطلبوا منه التدخل.

لكن المعلومات الجديدة تنقل مركز النقاش من “هل أُبلغ نتنياهو؟” إلى سؤال أكثر تحديدًا: ماذا كان يعرف نتنياهو بالفعل بعد بدء الهجوم، وماذا فعل بناء على ما عرفه؟

اتصالان في الدقائق الأولى

وفق المعلومات التي أوردتها “كان 11″، تلقى نتنياهو اتصالين بعد بدء الهجوم، الأول عند الساعة 6:29 والثاني عند الساعة 6:40 صباحًا، لكنه لم يتحدث إلى هاليفي إلا عند الساعة 9:45.

وتكتسب المكالمة الثانية، تحديدا، أهمية إضافية في ضوء معلومات كانت قد ظهرت سابقا حول اتصال نتنياهو بسكرتيره العسكري آفي جيل عند الساعة 6:40.

ووفق ما نقلته وسائل إعلام عبرية عن تحقيق تلفزيوني، سأل نتنياهو خلال المكالمة عما إذا كان الهجوم قد يتضمن عمليات خطف، وتلقى إجابة تفيد بأن هذا الاحتمال كان مطروحا.

وعليه، فإن الصورة التي تتشكل من هذه المعطيات لا تبدو ببساطة كصورة رئيس حكومة لم يكن يعلم شيئا حتى ساعات متقدمة من الصباح، وإنما تشير إلى وجود اتصالات ومعلومات وصلت إليه في مرحلة مبكرة، مع بقاء تفاصيل محتوى تلك الاتصالات وتسلسل القرارات التي أعقبتها موضع جدل.

وهنا تكمن أهمية الكشف الجديد، فهو لا يثبت بمفرده مسؤولية نتنياهو عن الإخفاق، لكنه يجعل التسلسل الدقيق للاتصالات والمعلومات التي تلقاها عنصرا أساسيا في تقييم روايته.

توزيع المسؤولية

منذ اندلاع الحرب، تمسك نتنياهو بموقف يحمّل المؤسسة الأمنية والعسكرية الجزء الأكبر من مسؤولية الإخفاق الذي سبق هجوم 7 أكتوبر.

وفي أحدث تصريحاته، قال إن أجهزة الأمن كانت تمتلك مؤشرات كثيرة على احتمال وقوع هجوم، وإن كبار القادة كانوا على علم بها، متسائلا عن سبب عدم إيقاظه، كما حاول تقديم عدم إبلاغه باعتباره إخفاقا منفصلا عن المسؤولية السياسية المباشرة.

وتنسجم هذه الرواية مع موقف سابق عبّر عنه نتنياهو أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، حين وصف ما حدث بأنه “فشل استخباراتي خطير”، مع رفضه تحمل مسؤولية شخصية عن منع الهجوم.

لكن المشكلة التي تطرحها المعلومات الجديدة لا تتعلق فقط بما إذا كان نتنياهو قد تلقى تحذيرا قبل الهجوم، وإنما بما جرى بعد الساعة 6:29 صباحا، أي بعد أن أصبح الهجوم واقعا بالفعل.

فإذا كان رئيس الحكومة قد تلقى اتصالين في تلك المرحلة، فإن السؤال المنطقي التالي يصبح: هل طلب عقد تقييم عاجل؟ هل طلب التحدث إلى رئيس الأركان؟ هل أصدر تعليمات؟ ومتى أصبح على اتصال مباشر بالقيادة العسكرية؟

ثلاث ساعات

الفارق الزمني بين الاتصالين المبكرين والاتصال المباشر مع “هاليفي” عند الساعة 9:45 يمثل نقطة محورية في هذا الجدل.

فالهجوم كان قد دخل، خلال تلك الفترة، مرحلة واسعة النطاق، بينما كانت قوات الاحتلال تواجه انهيارا في خطوط الدفاع على حدود قطاع غزة وتتعامل مع تطورات متسارعة.

ولهذا، فإن تحديد ما جرى خلال هذه الساعات لا يمكن أن يستند إلى رواية طرف واحد، بل يحتاج إلى جمع سجلات الاتصالات، ومحاضر الاجتماعات، وتسلسل التقارير الاستخبارية والعسكرية، وشهادات المسؤولين الذين شاركوا في إدارة الحدث.

ومن دون هذه الصورة الكاملة، يصعب الانتقال من وجود تناقضات في الروايات إلى استنتاج نهائي بشأن المسؤولية.

ولا يأتي الجدل الحالي من فراغ، إذ سبق أن ثارت أسئلة بشأن المعلومات التي كانت متوافرة لدى أجهزة الأمن الصهيونية قبل الهجوم، وفي مقدمتها وثائق وتقديرات استخبارية تناولت خططًا محتملة لحماس.

وفي فبراير/شباط الماضي، تمسك نتنياهو أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست بأن الإخفاق كان استخباراتيا، وقال إن وثيقة تحذيرية مهمة لم تصل إلى مكتبه إلا بعد أكثر من أربع ساعات من الهجوم، ونفى تلقيه إحاطة بشأن ما عُرف لاحقًا باسم “وثيقة جدار أريحا” قبل الحرب.

لكن الجدل حول هذه الوثائق لا يحسم وحده سؤال المسؤولية السياسية؛ فحتى لو ثبت أن أجهزة الاستخبارات أخفقت في تقدير نوايا حماس، تبقى مسؤولية المستوى السياسي مرتبطة بطبيعة الإشراف على المؤسسة الأمنية، وبكيفية التعامل مع التحذيرات التي تصل إلى القيادة، وبالقرارات التي اتخذت قبل الهجوم وبعده.

سارة نتنياهو تدخل على الخط

وفي خضم هذا السجال، توسعت المعركة السياسية لتشمل اتهامات طالت شخصيات سياسية وعسكرية أخرى.

فقد أثارت سارة نتنياهو جدلًا بعدما ألمحت إلى أن يائير غولان، زعيم حزب “الديمقراطيين” ونائب رئيس الأركان السابق، ربما كان يعلم مسبقا بالهجوم، مستندة إلى تحركه المبكر نحو غلاف غزة.

غير أن مجرد وصول غولان إلى الجنوب في الساعات الأولى لا يشكل، بحد ذاته، دليلا على معرفته المسبقة بالهجوم، ما يجعل هذه الإشارات جزء من السجال السياسي أكثر منها دليلا حاسما على وجود معلومات مسبقة لدى الرجل.

وهكذا، بدل أن يقتصر النقاش على إخفاق الأجهزة في اكتشاف الهجوم، اتسع ليصبح معركة على من كان يعلم، ومتى علم، ومن تحرك، ومن اتخذ القرار.

وفي ضوء المعطيات الجديدة، يبدو أن رواية “لم يوقظوني” لم تعد كافية وحدها لتفسير الساعات الأولى من 7 أكتوبر.

فالمعلومات التي تشير إلى تلقي نتنياهو مكالمتين في الساعة الأولى من الهجوم، إلى جانب المعلومات السابقة بشأن مكالمته عند 6:40، تعني أن تحديد ما جرى يتطلب النظر إلى ما بعد لحظة الاستيقاظ المفترضة، وصولًا إلى كيفية تعاطي رئيس الحكومة مع المعلومات التي وصلته.

ولا تعني هذه المعطيات أن نتنياهو كان قادرا حتما على منع الهجوم لو تحدث إلى “هاليفي” في وقت أبكر، كما أنها لا تعفي القيادات العسكرية والأمنية من مسؤوليتها المحتملة عن الإخفاقات التي سبقت الهجوم.

لكنها تعيد صياغة السؤال المركزي بصورة أكثر دقة: ليس فقط لماذا لم يُوقظ نتنياهو، بل ماذا عرف عندما تلقى الاتصالات الأولى، وماذا فعل بعد أن عرف؟

وهذا السؤال هو الذي قد يصبح، مع استمرار كشف محاضر الاتصالات والتقييمات الأمنية، أحد المفاتيح الأساسية لفهم المسؤولية عن الساعات الأكثر حساسية في 7 أكتوبر، بعيدا عن السجال السياسي ومحاولات كل طرف تثبيت روايته الخاصة عن ذلك الصباح.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest