موسم الزيتون تحت النار.. اعتداءات المستوطنين تحاصر الفلسطينيين بالضفة

موسم الزيتون تحت النار.. اعتداءات المستوطنين تحاصر الفلسطينيين بالضفة

المركز الفلسطيني للإعلام/ خاص

تتواصل اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين على الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، مستهدفة المزارعين وأراضيهم وممتلكاتهم، في تصعيد يتزامن مع موسم قطف الزيتون الذي يشكّل مصدر دخل رئيسيًا لآلاف العائلات الفلسطينية.

ولم تعد الاعتداءات تقتصر على تخريب الأشجار وإحراق الممتلكات، بل امتدت إلى الاعتداء الجسدي على السكان والصحفيين، ووصلت إلى استهداف وفود دبلوماسية أوروبية، وسط انتقادات دولية بشأن غياب المحاسبة الفعلية للمعتدين.

وتسلط تقارير ميدانية نشرتها صحف ووكالات أنباء دولية، بينها «واشنطن بوست» و«أسوشيتد برس» و«الجزيرة»، الضوء على تصاعد هذه الاعتداءات، التي طالت قرى عدة في الضفة خلال الأيام الأخيرة، وأعاقت وصول المزارعين إلى أراضيهم وجني محاصيلهم.

هجمات متزامنة تستهدف المزارعين وأراضيهم

وفي واحدة من أبرز الاعتداءات الأخيرة، هاجم مستوطنون ملثمون، يوم الجمعة 16 أكتوبر/تشرين الأول، فلسطينيين كانوا يقطفون الزيتون في قرية أبو فلاح شمال شرقي رام الله، وأحرقوا أشجارًا وألقوا الحجارة، فيما تعرض مزارعون وصحفيون للاعتداء.

وذكرت «واشنطن بوست» أن عشرات المستوطنين هاجموا الفلسطينيين أثناء وجودهم في بساتين الزيتون، وأن الاعتداء شمل إحراق أشجار وملاحقة صحفيين، في واقعة وثقتها شهادات شهود ومقاطع مصورة.

وأفادت الوكالة بأن مصورة الصحيفة هايدي ليفين تعرّضت للضرب المتكرر بعدما أسقطها المعتدون أرضًا، رغم ارتدائها سترة وخوذة تحملان إشارات واضحة إلى هويتها الصحفية، كما استولوا على كاميراتها وهاتفها.

وأصيبت ليفين بكسور في أربع فقرات من العمود الفقري وكسر في أحد الأضلاع وجروح متعددة، إضافة إلى إصابة في يدها استدعت تدخلًا جراحيًا.

ولم يكن الاعتداء حادثًا منفردًا؛ إذ أفادت «أسوشيتد برس» بأن هجمات المستوطنين طالت، في اليوم نفسه، ثماني قرى على الأقل في شمال الضفة الغربية، وأسفرت عن إصابة 14 شخصًا، بينهم الصحفية الأمريكية.

وتكشف هذه الوقائع عن اتساع دائرة الاعتداءات التي تحاصر موسم الزيتون، من استهداف المزارعين ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم، إلى إحراق الأشجار وتخريب الممتلكات والاعتداء على من يحاولون توثيق ما يجري.

موسم الزيتون يتحول إلى ساحة مواجهة

وفي قرية ترمسعيا شمال رام الله، اضطرت الفلسطينية أمل أبو عواد، البالغة من العمر 62 عامًا، إلى التوقف مرارًا عن قطف الزيتون في 19 أكتوبر، بسبب التحذيرات من وجود مستوطنين بالقرب من المزارعين.

ووفق تقرير مصور نشرته «أسوشيتد برس»، تعكس حالة أبو عواد ما يواجهه المزارعون الفلسطينيون خلال الموسم الحالي، إذ بات الوصول إلى الأراضي الزراعية والعمل فيها محفوفًا بالمخاطر، في ظل تكرار الاعتداءات والمضايقات.

ويكتسب هذا التصعيد خطورة خاصة لأن موسم الزيتون لا يمثل تقليدًا اجتماعيًا متوارثًا فحسب، بل يشكل ركيزة اقتصادية للأسر الفلسطينية، ولا سيما في القرى التي تعتمد على المحاصيل الزراعية مصدرًا للدخل.

ويؤدي منع المزارعين من الوصول إلى أشجارهم أو إجبارهم على مغادرتها إلى خسائر مباشرة في المحصول، فضلًا عن الأضرار التي تلحق بالأشجار والممتلكات، وما يترتب عليها من تهديد لاستمرار النشاط الزراعي في الأراضي المستهدفة.

ووفق ما نقلته «الجزيرة» عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، وثقت الأمم المتحدة أكثر من 200 هجوم إسرائيلي على المزارعين الفلسطينيين منذ الأول من سبتمبر/أيلول، متجاوزة بذلك 185 هجومًا سجلتها خلال موسم قطف الزيتون بأكمله في عام 2025.

ويشير هذا الرقم إلى أن الاعتداءات المسجلة خلال الأسابيع الأولى من الموسم الحالي تجاوزت حصيلة الموسم السابق، رغم أن الموسم لا يزال مستمرًا.

الاعتداءات تمتد إلى الدبلوماسيين

ولم تتوقف الاعتداءات عند المزارعين والصحفيين؛ إذ تعرّض وفد دبلوماسي أوروبي لاعتداء في بلدة الطيبة شرق رام الله، يوم السبت 17 أكتوبر، بعد يوم واحد من الهجوم على مصورة «واشنطن بوست».

وذكرت الصحيفة أن الوفد ضم دبلوماسيين من فرنسا وبلجيكا وبولندا، إلى جانب ممثلين عن جهات كنسية، وأن الاعتداء شمل تحطيم نافذة سيارة تابعة للقنصلية البلجيكية، والاعتداء على رئيس بلدية فرنسي مشارك في الزيارة.

وأثارت الحادثة إدانات دولية، فيما أعلنت الشرطة الإسرائيلية والجيش فتح تحقيق بشأن الاعتداء.

كما أثار الهجوم على ليفين انتقادات أمريكية، إذ دعا مسؤولون أمريكيون إلى التحقيق ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداء، في وقت أعادت فيه الحادثتان تسليط الضوء على المخاطر التي يواجهها الفلسطينيون والصحفيون والمتضامنون الأجانب في الضفة الغربية.

وتكتسب هذه الوقائع أهمية إضافية لأنها تُظهر أن الاعتداءات لم تعد تقتصر على الفلسطينيين وحدهم، بل طالت أيضًا صحفيين أجانب ودبلوماسيين، ما دفع جهات دولية إلى المطالبة بإجراءات واضحة لوقف العنف ومحاسبة مرتكبيه.

تصاعد موثق ومحاسبة محدودة

وتأتي هذه الاعتداءات ضمن سياق أوسع من العنف الذي تشهده الضفة الغربية المحتلة. فقد نقلت «واشنطن بوست» عن بيانات أممية أن أكثر من 1600 اعتداء للمستوطنين، تسببت في إصابات أو أضرار بالممتلكات، سُجلت بين يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب 2026.

وفي المقابل، تشير تقارير حقوقية إلى محدودية المساءلة في هذا الملف. ونقلت «الغارديان» عن منظمة «يش دين» الإسرائيلية الحقوقية أن 94% من التحقيقات المتعلقة بعنف المستوطنين تنتهي من دون توجيه لوائح اتهام، وفق البيانات التي أوردها التقرير.

ويثير هذا الواقع تساؤلات بشأن قدرة الإجراءات القانونية القائمة على ردع الاعتداءات، خصوصًا عندما تتكرر الهجمات في المناطق نفسها، ويواجه المزارعون صعوبات في الوصول إلى أراضيهم وحماية محاصيلهم.

كما أن تزامن الاعتداءات مع موسم الزيتون يزيد من آثارها الاقتصادية والاجتماعية، إذ لا تقتصر الخسائر على محصول عام واحد، بل قد تمتد إلى الأشجار التي تحتاج إلى سنوات من الرعاية، وإلى قدرة العائلات على الاستمرار في استغلال أراضيها.

وتتجاوز الاعتداءات خلال موسم الزيتون الخسائر المباشرة التي تلحق بالمزارعين، لتطال قدرة الفلسطينيين على الوصول إلى أراضيهم والانتفاع بها والحفاظ على ارتباطهم الزراعي بها.

فإحراق الأشجار، وإتلاف المحاصيل، وتهديد المزارعين، وخلق ظروف أمنية تمنعهم من الوصول إلى بساتينهم، كلها عوامل تضعف النشاط الزراعي وتزيد الأعباء الاقتصادية على الأسر الفلسطينية، خصوصًا في المناطق القريبة من المستوطنات والبؤر الاستيطانية.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest