نائل أبو عبيد.. سر القائد المتواضع والوجه البشوش!

نائل أبو عبيد

خاص – المركز الفلسطيني للإعلام

في بعض الوجوه شيء لا تستطيع الكلمات أن تشرحه؛ ابتسامة متواضعة، ونظرات مودة لا تحتاج إلى كثير من الكلام، وطريقة في السلام تشعرك بأن الذي أمامك لا يراك رقمًا أو تابعًا أو خصمًا، وإنما إنسانًا، مهما اختلفت معه أو اختلف معك.. ولعل هذا النوع من الوجوه هو الذي يبقى في الذاكرة طويلًا، ويترك أثره في الحياة والناس.

هكذا بقي نائل أبو عبيد، المعروف بـ “أبي عطية”، في ذاكرة من عرفوه، وفي شهادات لم تأتِ كلها من أحبابه ورفاقه فحسب، بل من أشخاص يصنفون سياسيًا خصومًا للتنظيم الذي انتمى إليه الشهيد.

لم تكن صورة أبي عطية عند من عرفوه عن قرب محصورة في كونه قائدًا عسكريًا في حركة حماس، وإنما بقيت صورة الرجل الذي كان يراهم في الشارع، فيتوقف بسيارته، وينزل منها، ويتجه نحوهم ليسلم عليهم بحرارة ويرحب بهم.

تفاصيل ربما يراها البعض صغيرة في حياة رجل قضى أكثر من ثلاثة عقود في العمل المقاوم، لكنها تفصح عن شخصيته أكثر مما تقوله البيانات العسكرية.

فقد يعرف الناس القائد من مواقفه وخطبه وقراراته، لكن من عاشروه يعرفون الإنسان من تقاسيم وجهه ونظرات عينيه، ومن ابتسامته وطريقته في السلام، ومن تواضعه ومعاملته للناس، خصوصًا أولئك الذين لا يملكون له نفوذًا أو مصلحة.

في مخيم يبنا للاجئين في رفح، وُلد نائل أبو عبيد عام 1973، وكبر بين أزقة المكان الذي تحمل جدرانه ذاكرة اللجوء وتفاصيل حياة قاسية تحت الاحتلال. وفي العشرين من عمره التحق بالمقاومة، ومضت السنوات ليصبح قائدًا عسكريًا، ويتزوج وينجب ستة أبناء، ويقضي أكثر من ثلاثة عقود في طريق مقارعة الاحتلال.

وفي غارة إسرائيلية استهدفته غربي خان يونس، استشهد أبو عبيد، في 15/9/2026، واستشهدت معه الطفلة أمل ياسر عمر، البالغة من العمر ثمانية أعوام.

وفي بيان له نعت كتائب القسام أبو عطية، مشيرة إلى محطات في سيرته الجهادية منذ التحاقه بالكتائب عام 1993م ودوره في “طوفان الأقصى” وصولا إلى اختتام مسيرته الجهادية المشرفة قائداً للواء رفح خلفاً للشهيد القائد الكبير محمد شبانة.

هذه هي السيرة التي يمكن أن تُروى في الأخبار: رجل في قيادة المقاومة، وقائد عسكري، وأب لستة أبناء، استشهد في غارة إسرائيلية. لكن خلف هذه العناوين صورة أخرى بقيت في ذاكرة أشخاص عرفوه عن قرب.

واللافت في شهادتهم أنه لم تكن من رفاق له في الحركة، بل ممن انتقدوا حركة حماس، ومع ذلك، كتبوا بألم عن رحيله، مستحضرين الإنسان الذي عرفوه في حياته وحيالتهم اليومية. يقول بعض هؤلاء الشهود عنه: «أشهد أنه كان إنسانًا طيبًا ودودًا. لم أسمع أنه آذى أحدًا». ويتذكر أنه كلما رآه في الشارع، كان أبو عبيد يوقف سيارته، وينزل منها ليسلم عليه بحرارة ويرحب به.

قد يبدو هذا موقفًا عابرًا في حياة رجل عاش سنوات طويلة في ظروف استثنائية، لكنه يكشف جانبًا مهمًا من الطريقة التي يترك بها الإنسان أثره في الآخرين. فالعلاقات لا تُبنى فقط في المواقف الكبيرة، وإنما تتشكل أيضًا من تفاصيل صغيرة: طريقة السلام، ونبرة الحديث، والابتسامة، والقدرة على التعامل مع الآخر باعتباره إنسانًا قبل أن يكون مختلفًا في الرأي أو الموقف.

وتابع شهادته: “رآني في عزاء قبيل الحرب في مخيم يبنا. وكان قد حصل على الماجستير حديثا. جاء وجلس بجانبي. تحدثنا طويلا عن نيته التفرغ والعمل في التدريس الجامعي. كانت في داخله رغبة شديدة نحو العلم. ونصحته الا يتوقف. لم يشعرني انه مسؤول. ولم نجد ما نختلف عليه طوال حديثنا. ثم جاءت حرب الإبادة. ولم اسمع عن اسمه إلا هذه الليلة”.

وكان أكثر ما أثر في قلبي وأنا أكتب هذه السطور، قول صاحب الشهادة: «لم يشعرني أنه مسؤول. ولم نجد ما نختلف عليه طوال حديثنا”.

ثم جاءت حرب الإبادة، ولم يكتمل ذلك المستقبل. الرجل الذي كان يتحدث عن الجامعة والتدريس، والأب الذي كان له ستة أبناء، أنهت غارة إسرائيلية حياته، لتنقطع معه حياة كان يحلم أن تكون في وطن حر، ويسير فيها باتجاه آخر: دراسة وعمل وأسرة وأبناء وأحلام شخصية.

وهنا تصبح قصة الرحيل أكثر من خبر عن استشهاد قائد؛ إذ تكشف عن إنسان كانت له حياة تتجاوز العنوان الذي حمله في ساحات النضال المستمر ومقارعة الاحتلال من الحرية والحياة الكريمة.

الشهادات التي قليت عن أبي عطية من كل الدوائر على اختلاف مشاربها تكشف أسرار حياته وطبيعة شخصيته.
فالإنسان لا يترك أثره في الذين يشبهونه فقط؛ فالأثر يمتد إلى أسرته وإخوانه وأصدقائه وجيرانه ورفاقه، وقد يصل إلى من اختلف معهم في أروقة السياسة.

قد تُنسى كلمات كثيرة قيلت في حياة الإنسان، لكن يصعب أن تُنسى طريقته في معاملة الآخرين. يتذكر الناس من حفظ كرامتهم، ومن أحسن إليهم، ومن كان قريبًا منهم، ومن لم يجعل موقعه أو قوته سببًا للتعالي عليهم.

وهنا تصبح الأخلاق في حياة أصحاب الأدوار العامة أكثر من صفة شخصية؛ فهي جزء من صورتهم في الناس. فالقيادة لا تظهر فقط في المنابر ومواقع القرار، وإنما تظهر أيضًا في التعامل اليومي، وفي مقدار التواضع الذي يبقى لدى الإنسان حين تتسع مكانته.

وربما كانت حكاية نائل أبي عبيد واحدة من حكايات كثيرة لم تُروَ بعد؛ حكايات رجال عاشوا بعيدًا عن الأضواء، ومضوا في طرقهم دون أن ينتظروا أن يعرف الناس قصصهم، لكنهم تركوا أثرًا في بيت، وبين أهل ورفاق وجيران، وربما في قلب إنسان اختلف معهم يومًا. فليس كل ما يبقى من الإنسان منصبًا أو صورة أو سيرة تُكتب؛ قد تكون ابتسامة، أو سلامًا حارًا، أو كلمة طيبة، أو حديثًا عابرًا عن العلم والحياة، تفاصيل لا تلتقطها الكاميرات، لكنها تصبح بعد الرحيل أثمن ما يتذكره الناس.

وربما كانت هذه أجمل الحكايات التي بقيت من أبي عطية: أن خصمًا سياسيًا عرفه رجلًا طيبًا ودودًا، لم يسمع أنه آذى أحدًا، وكان يتوقف من سيارته ليسلم عليه بحرارة. وأن رجلًا قضى أكثر من ثلاثة عقود في طريق ذات الشوكة، بقي في ذاكرة من عرفوه بوجهه البشوش، وتواضعه، وحسن خلقه. تلك أشياء صغيرة في ظاهرها، لكنها حين يرحل الإنسان تصبح من أثمن ما يتركه وراءه؛ فبعض الحكايات قد لا تصل إلى الناس، وبعض الأسماء قد لا تحفظها المنصات، لكن الأثر الطيب لا يحتاج دائمًا إلى منصة كي يبقى.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest