
خاص المركز الفلسطيني للإعلام
يدخل رئيس حكومة الاحتلال مجرم الحرب بنيامين نتنياهو الأسابيع الأخيرة قبل الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر المقبل، محاصرا بمعادلة يصعب تجاوزها بالدعاية وحدها، فهو يريد خوض الاقتراع بصفته صاحب اليد العليا في مواجهة خصوم دولته، بينما يواجه إرث الإخفاق الأمني في السابع من أكتوبر 2023، وكلفة الحروب الممتدة، والتنافس داخل معسكر اليمين، والأسئلة المتجددة حول مسؤوليته عن القرارات التي سبقت الحرب ورافقتها.
وفي هذا السياق، يبرز احتمال توظيف التصعيد العسكري والأمني لإعادة تشكيل البيئة الانتخابية، سواء عبر إنتاج إنجاز سريع يرفع رصيد نتنياهو، أو فرض أجواء خوف واستنفار تضيق فيها مساحة مساءلته، أو الدفع، في السيناريو الأشد، نحو ظروف يُطرح معها تأجيل الانتخابات.
لكن هذه الاحتمالات ليست متساوية في قابليتها للتحقق، فإشعال مواجهة لا يضمن مكسبا انتخابيا، وإعلان الطوارئ لا يمنح رئيس الحكومة صلاحية إلغاء الاقتراع، كما أن الأطراف المستهدفة ليست أدوات يمكن ضبط ردودها وفق احتياجات حملته.
وينطلق هذا التقدير الذي أعده المركز الفلسطيني للإعلام من أن التصعيد المحدود، المترافق مع تعبئة أمنية وسياسية، أقرب إلى حسابات نتنياهو من حرب واسعة غايتها المباشرة تأجيل الانتخابات، أما التأجيل، فيبقى احتمالا مشروطا بتطورات ميدانية ومؤسساتية استثنائية وهذا ترجيح تحليلي يستند إلى المعطيات المتاحة، وليس كشفا لخطة مقررة أو إثباتا لدوافع خفية.
تآكل صورة “حارس الأمن”
تكتسب الانتخابات المقبلة أهميتها من كونها اختبارا لقدرة نتنياهو على تحويل سنوات الحرب إلى تفويض جديد، بدلا من أن تتحول إلى محاكمة سياسية لأدائه، ويمكن للمتابع الانتباه لعودته إلى خطاب الحماية من الأخطار الخارجية، في وقت تشير فيه استطلاعات إلى تراجع الليكود مقارنة بتمثيله السابق، وصعود منافسين يمتلكون خلفيات أمنية، أبرزهم غادي آيزنكوت.
ولا تقتصر مشكلته على المنافسة مع المعارضة، فتعدد القوائم اليمينية وتنافسها على الجمهور نفسه يهددان ببعثرة الأصوات، خصوصا عندما تقترب أحزاب صغيرة من نسبة الحسم البالغة 3.25%، وقد أظهرت تقارير سبتمبر محاولاته توحيد قوى اليمين وتقليل خسائرها المحتملة.
وتعني هذه المعادلة أن رفع شعبية الليكود وحده لا يكفي، إذ يحتاج نتنياهو إلى أغلبية ائتلافية قابلة للتشكيل، وقد يكسب حزبه مقاعد على حساب حلفائه من دون أن يتحسن مجموع معسكره، بل قد يخسر المعسكر إذا سقطت إحدى قوائمه تحت نسبة الحسم.
هنا يمكن أن يؤدي التهديد الأمني وظيفة مزدوجة، حشد الناخب اليميني خلف القيادة القائمة، والضغط على المنافسين داخل المعسكر لخفض خلافاتهم، لكن نجاح هذه الوظيفة يتوقف على اقتناع الجمهور بأن نتنياهو يدير الخطر، لا أنه يعيد إنتاجه.
ويعيد تداول تقارير عن تحذيرات سبقت هجوم السابع من أكتوبر، ونفي نتنياهو تلقيها، ملف المسؤولية إلى واجهة الحملة، وبصرف النظر عن حسم تلك الروايات، فإن حضورها يضعف قدرته على تقديم الخبرة وطول البقاء في الحكم بوصفهما ضمانة أمنية بحد ذاتهما.
ما وراء التصعيد المحتمل
من الضروري التمييز بين ثلاثة أهداف يمكن أن تتداخل، لكنها لا تعني الشيء نفسه، الأول، تحقيق مكسب انتخابي عبر عملية تُقدَّم باعتبارها إنجازا أمنيا، اغتيال شخصية قيادية، أو ضرب قدرات عسكرية، أو فرض ترتيبات ميدانية جديدة، وفي هذا المسار، يحتاج نتنياهو إلى نتيجة واضحة وسريعة، مع كلفة داخلية محدودة.
الثاني، تغيير موضوع الانتخابات، فإذا تعذر تحسين صورته جذريا، قد يسعى إلى نقل النقاش من مسؤوليته عن الإخفاقات إلى سؤال: من يستطيع إدارة المواجهة المقبلة؟ ويتيح استمرار الخطر إزاحة ملفات المعيشة والتحقيقات والمساءلة عن مركز الاهتمام.
الثالث، إرجاء الاستحقاق نفسه، وهذا هدف أكثر تعقيدا، لأنه يتطلب الانتقال من التأثير في مزاج الناخبين إلى تغيير موعد ممارسة حقهم الانتخابي، بما يستدعي إجراءات قانونية وتوافقات لا يملكها رئيس الحكومة منفردا.
والخلط بين هذه الأهداف يقود إلى قراءة مبالغ فيها تعتبر كل ضربة مقدمة حتمية لتأجيل الانتخابات، الأدق هو فحص حجم العملية، وتوقيتها، والخطاب المصاحب لها، وما إذا كانت تتبعها تحركات تشريعية أو ترتيبات انتخابية استثنائية.
السيناريو الأول: استنفار انتخابي وعمليات محدودة
يتمثل السيناريو الأكثر قابلية للتحقق في الجمع بين التحذير المتكرر من تهديد وشيك، ورفع الجاهزية، وتنفيذ عمليات محدودة، مع تكثيف ظهور نتنياهو في المواقع العسكرية.
وقد برزت مقدمات هذا المناخ عندما حذّر، في 29 سبتمبر، من احتمال هجوم قبيل الانتخابات، فيما اتهمه يائير لبيد بتوظيف الخوف انتخابيا، وشدد على ضرورة التعامل المهني مع التهديدات، ولا يثبت هذا السجال أن التحذير مختلق، لكنه يكشف انتقال المعلومات الأمنية إلى صلب التنافس السياسي.
تنبع جاذبية هذا المسار من أنه يمنح نتنياهو بعض فوائد المواجهة من دون تحمل كلفة حرب شاملة، فبوسعه تقديم نفسه بوصفه منشغلا بحماية الإسرائيليين، وإحراج خصومه إذا انتقدوا قرارات تُعرض تحت عنوان الضرورة الأمنية.
ومع ذلك، فإن أثره الانتخابي قد يبقى محدودا في مجتمع شديد الاستقطاب، فالناخب الذي فقد الثقة بنتنياهو قد يرى في كثافة التحذيرات دليلا إضافيا على استغلال الأمن، بينما قد لا يحتاج مؤيدوه أصلا إلى مزيد من التعبئة.
يرتفع احتمال هذا السيناريو إذا تكررت التحذيرات العامة، وتكثفت الزيارات العسكرية والتسريبات، من دون استدعاء واسع للاحتياط أو إجراءات مدنية تعكس توقع حرب طويلة، أما انتقال الاستنفار إلى تغييرات كبيرة في انتشار القوات وتعليمات الجبهة الداخلية، فيشير إلى مستوى آخر من المخاطر.
السيناريو الثاني: توسيع العدوان في غزة
تمثل غزة ساحة يستطيع نتنياهو فيها تصعيد القوة تحت عناوين مألوفة، مثل منع إعادة بناء القدرات العسكرية أو مواجهة تهديدات للقوات، وتظل الهدنة القائمة منذ أكتوبر 2025 هشة، مع استمرار الضربات، وتعثر الإعمار، وبقاء السكان في ظروف إنسانية شديدة القسوة.
وقد يأخذ التصعيد شكل توسيع العمليات الموضعية، أو تشديد القيود، أو محاولة فرض ترتيبات ميدانية إضافية، أو تنفيذ ضربة كبيرة يجري تسويقها بوصفها حسما لتهديد نوعي.
انتخابيا، يمنح هذا المسار نتنياهو فرصة مخاطبة اليمين الذي يعتبر وقف العمليات تنازلا، وإظهار نفسه قادرا على فرض شروطه، كما قد يستخدمه للرد على منافسين يتهمونه بعدم استكمال أهداف الحرب.
لكن غزة تحمل أيضا خطر استعادة السؤال الذي يحاول تجنبه، إذا كانت الإنجازات المعلنة حاسمة، فلماذا تتجدد الحاجة إلى عمليات أوسع؟ وكلما اتسعت الفجوة بين خطاب الانتصار واستمرار القتال، تراجعت قابلية تحويل القوة العسكرية إلى رصيد سياسي.
وتشمل كلفة هذا السيناريو احتمال وقوع خسائر في صفوف القوات، واتساع الإدانة الدولية، وإرباك الترتيبات التي يرعاها الوسطاء، أما فلسطينيا، فإن وصف العملية بأنها محدودة من منظور الحسابات الإسرائيلية لا يقلل من خطرها على المدنيين، في قطاع استُنزفت فيه مقومات النجاة أصلا.
وعليه، يبدو التصعيد الموضعي أرجح من العودة المتعمدة إلى حرب شاملة، لكن ضربة واسعة أو حادثا كبيرا قد يدفع الطرفين إلى تفاعلات تتجاوز السقف الذي بدأت عنده العملية.
السيناريو الثالث: تفجير الضفة والقدس
قد تكون الضفة الغربية والقدس أكثر الساحات قابلية لتصعيد لا يحتاج إلى إعلان حرب جديدة، فالاقتحامات والاعتقالات والتوسع الاستيطاني واعتداءات المستوطنين والقيود على الحركة توفر مسارات متعددة لرفع التوتر تدريجيا.
ومن منظور حسابات الائتلاف اليميني، يمكن لهذه الإجراءات أن تجمع بين استرضاء الجمهور الاستيطاني وتثبيت وقائع ميدانية وإجبار المعارضة على التعامل مع أجندة أمنية يحددها معسكر الحكومة.
لكن ليس من الدقة اختزال الاستيطان واستهداف الفلسطينيين في موسم الانتخابات، فهما سياسات ممتدة، الذي قد يتغير قبيل الاقتراع هو سرعة التنفيذ، ودرجة الحماية السياسية للممارسات، ومستوى الاستعداد لتحمل تداعياتها.
وتزداد خطورة هذا السيناريو إذا اتصل بالمسجد الأقصى، فأي تغيير عملي في أنماط الاقتحام أو أداء الطقوس أو دخول المصلين قد يوسّع دائرة الاحتجاج والاشتباك، ويمنح الحكومة مبررات إضافية لتشديد الإجراءات تحت عنوان استعادة الأمن.
غير أن هذه الساحة ليست قابلة للضبط الكامل، فالقرارات الحكومية وتحركات المستوطنين ومبادرات الوزراء وردود الفعل الفلسطينية قد تتراكم من دون قيادة مركزية لكل تفصيل، ثم تنتج انفجارا أوسع من حسابات أي طرف.
لهذا يقدّر احتمال التصعيد المتدرج في الضفة والقدس بأنه مرتفع نسبيا، بينما يبقى تحوله إلى مواجهة شاملة مشروطا بحجم الاعتداءات والردود عليها، وتتمثل أبرز مؤشراته في تزامن خطوات استفزازية مع تشديد أمني واسع، وخطاب حكومي يبررها بدل احتوائها.
السيناريو الرابع: مواجهة أوسع في لبنان
تتيح الجبهة اللبنانية لنتنياهو إمكانية تقديم عملية عسكرية باعتبارها استكمالا لحماية الشمال ومنع استعادة حزب الله قدراته، وتُظهر تقارير سبتمبر استمرار الضربات والوجود العسكري الإسرائيلي في مناطق جنوبية رغم ترتيبات وقف إطلاق النار التي أُعلنت في يونيو.
وقد يتدرج التصعيد من تكثيف الغارات إلى استهداف قيادي بارز، أو توسيع العمليات البرية، أو محاولة فرض نطاق أمني أعمق، وفي كل حالة، سيكون معيار المكسب الانتخابي هو قدرة نتنياهو على إظهار نتيجة ملموسة قبل الاقتراع.
إلا أن هذه الجبهة تنطوي على مفارقة، العملية التي يراد استخدامها لإقناع سكان الشمال باستعادة الأمن قد تعيدهم إلى الملاجئ أو تعطل عودتهم واستقرارهم، وعندئذ يصبح التصعيد دليلا على هشاشة الإنجازات السابقة.
كما أن استمرار المواجهة يستنزف الاحتياط والاقتصاد ويزيد الضغط على المؤسسة العسكرية، وإذا غابت نهاية واضحة، فقد يستفيد خصوم نتنياهو من الحجة نفسها التي يستخدمها، الأمن يتطلب تغيير القيادة المسؤولة عن دورة الحروب المتكررة.
لذلك يبدو احتمال الضربات المكثفة أو العملية المحدودة أعلى من احتمال اختيار حرب برية واسعة لأسباب انتخابية وحدها، ويرتفع خطر التوسع إذا وقع هجوم كبير أو اغتيال يفرض على الطرف المقابل ردا يتجاوز قواعد الاشتباك القائمة.
السيناريو الخامس: تصعيد ضد إيران أو مصالحها الإقليمية
يمتلك الملف الإيراني قدرة أكبر من غيره على إنتاج صورة “رجل الدولة” الذي يتعامل مع تهديد استراتيجي، لكنه، في المقابل، الأقل خضوعا لحسابات الحملة الانتخابية الإسرائيلية وحدها، بالنظر إلى الدور الأمريكي والتداعيات الإقليمية والاقتصادية.
وتشير المعطيات المنشورة في نهاية سبتمبر إلى استمرار الوساطة القطرية بين واشنطن وطهران بشأن ترتيبات لخفض التصعيد، وسط خلافات على الخطوات وتسلسل تنفيذها، وهذا يجعل أي تحرك إسرائيلي كبير متداخلا مع مسار تفاوضي لا يتحكم فيه نتنياهو منفردا.
يمكن تصور عملية محدودة أو ضربة تُقدَّم باعتبارها منعا لخطر وشيك، لكن الانتقال إلى مواجهة واسعة يحمل احتمال ردود مباشرة، واضطراب الجبهة الداخلية، وخلاف مع واشنطن إذا رأت أن التحرك يضر بأولوياتها.
ومن ثم، فإن افتراض قدرة نتنياهو على إشعال هذه الجبهة ثم إيقافها عند اللحظة الانتخابية المناسبة يتجاهل استقلال قرارات الأطراف الأخرى، وقد ينتج التصعيد التفافا أوليا حول الحكومة، لكنه قد يتحول سريعا إلى مساءلة عن المغامرة وكلفتها.
يبقى هذا السيناريو أقل ترجيحا بوصفه خيارا انتخابيا مستقلا، وأشد خطورة إذا تحقق، ويرتفع احتماله مع تعثر الدبلوماسية، وتغير الموقف الأمريكي، وظهور استعدادات عسكرية ومدنية تتجاوز الرسائل الإعلامية.
هل تتيح الحرب تأجيل الانتخابات؟
هذه هي النقطة التي تتطلب أكبر قدر من الدقة، فنتنياهو لا يستطيع تأجيل الانتخابات بمجرد إعلان حالة الطوارئ أو إصدار قرار حكومي.
تنص المادة التاسعة «أ» من القانون الأساسي للكنيست على أن تمديد ولايته يحتاج إلى قانون تؤيده أغلبية ثمانين عضوا، وإلى ظروف خاصة تمنع إجراء الانتخابات في موعدها. ويجب ألا يتجاوز التمديد المدة التي تقتضيها تلك الظروف، وأن يحدد القانون موعدا جديدا للاقتراع، وهذه شروط مجتمعة، وليست خيارات بديلة.
وبالتالي، فإن وجود حرب لا يؤدي تلقائيا إلى التأجيل، السؤال المؤسسي سيكون، هل تمنع الظروف إجراء اقتراع فعلي وآمن، أم يمكن توفير ترتيبات تسمح باستمراره؟ كما أن الحصول على ثمانين صوتا يستلزم دعما يتجاوز معسكر نتنياهو المعتاد.
ويؤكد شرح قانوني نشرته “غلوبس” في يوليو المنصرم، أن المادة المنظمة للتمديد نفسها محصنة بأغلبية ثمانين نائبا، ما يحد من إمكان الالتفاف عليها بتعديل عادي.
سياسيا، قد يحاول نتنياهو استخدام مواجهة واسعة للضغط باتجاه تأجيل محدود، أو تصوير المعترضين عليه بوصفهم متجاهلين للظروف الأمنية، لكن نجاح ذلك يتطلب أزمة فعلية يصعب معها إجراء الانتخابات، وتقديرات مؤسساتية مقنعة، وقبولا من جزء معتبر من خصومه.
ولهذا يبقى التأجيل القانوني أقل ترجيحا من التصعيد الانتخابي، أما محاولة تعطيل الاقتراع خارج هذا المسار فستكون أزمة دستورية وسياسية مختلفة، لا امتدادا تلقائيا لصلاحيات الطوارئ.
البقاء من دون تأجيل.. تعثر تشكيل البديل
ثمة مسار آخر ينبغي إدخاله في التقدير، فقد تجرى الانتخابات في موعدها، ولا يحصل نتنياهو على أغلبية، لكنه يستفيد من عجز خصومه عن تشكيل حكومة بديلة.
وقد رصدت تقارير سبتمبر خلافات بين قوى المعارضة حول القيادة والتحالفات والعلاقة بالأحزاب العربية، وهي خلافات تؤثر في إمكان بناء أكثرية متماسكة بعد الاقتراع.
وفي هذه الحالة، قد تكون فائدة الخطاب الأمني إغلاق الطريق على ائتلاف منافس، عبر رفع الكلفة السياسية لأي تفاهم مع القوى العربية، أو دفع بعض الخصوم نحو صيغة وحدة بحجة مواجهة الأخطار.
هذا المسار يختلف عن تأجيل الانتخابات، لكنه قد يحقق غاية البقاء السياسي فترة أطول، ولذلك يجب ألا تُقاس فرص نتنياهو فقط بعدد مقاعد الليكود، بل أيضا بقدرة الآخرين على تجاوز خلافاتهم وتشكيل بديل.
حدود الرهان على التصعيد
تواجه هذه السيناريوهات خمسة قيود رئيسية، موقف الولايات المتحدة، وقدرة الجيش على تحمل التزامات إضافية، واستعداد المجتمع لمزيد من الاستنزاف، وردود الأطراف المستهدفة، والضوابط القانونية والمؤسساتية.
كما أن توظيف الأمن انتخابيا لا يضمن احتكار نتنياهو لمكاسبه، فبعض منافسيه يمتلكون خبرة عسكرية تسمح لهم بتأييد عملية محددة مع الطعن في إدارته السياسية للحرب، وقد يتحول نجاح تكتيكي إلى مكسب للمؤسسة العسكرية أكثر مما يتحول إلى أصوات لليكود.
وتظل مفارقة الوقت حاسمة، فما يحتاجه نتنياهو انتخابيا هو أثر سريع، بينما تحتاج الحروب إلى إدارة مفتوحة على مفاجآت، وكلما اقترب الاقتراع، ضاقت قدرته على استيعاب نتائج معاكسة، كخسائر بشرية كبيرة أو شلل اقتصادي أو خلاف علني مع واشنطن.
ولا ينبغي، في المقابل، افتراض أن ارتفاع الكلفة يمنع التصعيد، فقد تدفع قراءة خاطئة للردع، أو اعتقاد بإمكان حصر المواجهة، إلى قرارات تتجاوز الحدود التي بدت عقلانية قبل اتخاذها.
التقدير المرجّح وما ينبغي مراقبته
المسار الأرجح حتى الآن هو مزيج من التعبئة الأمنية والعمليات المحدودة والتصعيد المتدرج في الساحات الفلسطينية، مع إبقاء خيارات أوسع مفتوحة إذا وقع تطور كبير، أما الحرب الإقليمية المتعمدة لتأجيل الانتخابات فتبقى أقل ترجيحا وأعلى كلفة، ولا توجد في المعطيات المعروضة أدلة كافية للجزم بأنها قرار متخذ.
وتتطلب متابعة الأسابيع المقبلة مراقبة الفارق بين الخطاب والاستعداد، حجم استدعاء الاحتياط، وتغير تعليمات الجبهة الداخلية، واتساع الإجلاء، وطبيعة التنسيق الأمريكي، وظهور مقترحات فعلية لتغيير موعد الاقتراع، كذلك ينبغي رصد ما إذا كانت جهات انتخابية ومهنية تتحدث عن تعذر التنفيذ، أم أن الأمر يظل مطلبا سياسيا.
ويرتفع احتمال التأجيل إذا اجتمعت مواجهة واسعة تعطل الحياة المدنية مع تحرك تشريعي ودعم من خارج معسكر نتنياهو، وينخفض إذا استمرت التحضيرات الانتخابية، وبقيت الإجراءات الأمنية موضعية، وتمسكت المعارضة والمؤسسات بالموعد.
أما فلسطينيا وعربيا، فإن الخطر الأقرب لا يتوقف على نجاح نتنياهو في تأجيل الانتخابات، فقد تُجرى في موعدها، بعد أسابيع يدفع خلالها الفلسطينيون واللبنانيون كلفة السعي إلى تحسين شروطها الإسرائيلية، ولهذا فإن قراءة الدافع الانتخابي يجب أن تساعد على استباق المخاطر، لا أن تختزل العدوان فيه أو تفترض نهايته بانتهاء التصويت.
يقف نتنياهو أمام حاجة إلى تغيير شروط مساءلته، لكنه لا يملك ضمانة بأن توسيع النار سيعيد بناء الثقة به، والأرجح أنه سيحاول الاقتراب من حافة التصعيد مع الاحتفاظ بإمكان التراجع، غير أن الخطر الأكبر يكمن في أن هذه الحافة تتحرك، قرار يُتخذ لإنتاج صورة انتخابية قد يفتح مواجهة لا يستطيع صاحب القرار تحديد نهايتها.

