
المركز الفلسطيني للإعلام
لم تكن قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، أمس، المكان الذي أراده رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لتقديم روايته عن الحرب على غزة؛ فبينما اعتلى المنصة للدفاع عن دولة الاحتلال وتبرير جرائمها، غادرت وفود عشرات الدول القاعة، تاركة خلفها مشهدًا اختزل حجم الرفض الذي واجه خطابه.
وفي الوقت نفسه، كان نتنياهو يتحدث بوصفه رئيس حكومة دولة خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إلى مسؤوليتها عن ارتكاب جريمة إبادة جماعية في قطاع غزة، فيما يواجه شخصيًا مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ولم يتوقف المشهد عند مغادرة الوفود؛ إذ بدا خطاب نتنياهو محاولة لإعادة صياغة صورة الحرب أمام العالم، عبر نفي الإبادة الجماعية والدفاع عن جيش الاحتلال وتصوير ما يجري في غزة باعتباره حربًا للدفاع عن إسرائيل، في الوقت الذي تواصل فيه المؤسسات الدولية توثيق حجم القتل والدمار والانتهاكات بحق الفلسطينيين.
وفي خطاب اتسم بالهجوم على خصومه ومنتقديه، وصف نتنياهو الاتهامات الموجهة إلى إسرائيل بأنها أكاذيب، ودافع عن جيش الاحتلال، ورد على الانتقادات المتعلقة بسلوك إسرائيل في غزة والضفة الغربية.
كما هاجم عمدة نيويورك زهران ممداني، ووجّه انتقادات إلى قطر وتركيا وفرنسا وبريطانيا، في محاولة واضحة لتحويل مسار الحديث من الجرائم المرتكبة في غزة إلى مهاجمة الجهات التي تنتقد سياسات حكومته.
الإبادة التي تحاول رواية نتنياهو إنكارها
غير أن نفي نتنياهو لا يلغي ما خلصت إليه لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، التي أعلنت في سبتمبر/أيلول 2025 أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، وحددت أربعة أفعال من الأفعال المندرجة ضمن جريمة الإبادة الجماعية، بينها قتل أفراد الجماعة، وإلحاق أذى جسدي ونفسي جسيم بهم، وفرض ظروف معيشية تهدف إلى تدميرهم كليًا أو جزئيًا، وفرض تدابير تستهدف منع الولادات.
وفي تقرير لاحق صدر في يونيو/حزيران 2026، قالت اللجنة إن إسرائيل تواصل ارتكاب الإبادة وجرائم فظيعة أخرى في غزة، مشيرة إلى أن استهداف الأطفال بصورة متعمدة يمثل أحد العناصر التي استندت إليها في تقييم نية الإبادة.
ولم تكتف اللجنة بتحديد مسؤولية دولة الاحتلال، بل خلصت في تقريرها إلى أن أفعال السلطات والقوات الإسرائيلية تُنسب إلى دولة إسرائيل، كما قالت إن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت والرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ ارتكبوا تحريضًا على ارتكاب الإبادة الجماعية وفق تحليل اللجنة وأحكام اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.
وفي المقابل، لا تزال إسرائيل ترفض اتهامات الإبادة الجماعية عبر ترويج أكاذيب ومزاعم لا أساس لها من الصحة تقوم على أنّ عملياتها تستهدف حركة حماس، بينما يواصل نتنياهو تقديم هذه الرواية المزعومة أمام المحافل الدولية، في محاولة لنفي المسؤولية عن حجم القتل والدمار الذي خلفته الحرب في القطاع.
مجرم حرب مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية
يحمل حضور نتنياهو في الجمعية العامة دلالة أخرى أكثر ثقلًا؛ فهو لم يأتِ إلى نيويورك بوصفه مجرد رئيس حكومة يواجه انتقادات سياسية، بل بصفته شخصًا أصدرت المحكمة الجنائية الدولية بحقه مذكرة توقيف لارتكابه جرائم حرب ضد الإنسانية.
ففي 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق نتنياهو، إلى جانب وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، بعدما خلصت الدائرة التمهيدية إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بمسؤوليتهما عن جرائم شملت تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب، والقتل والاضطهاد وأفعالًا لا إنسانية، إضافة إلى المسؤولية عن توجيه هجمات ضد السكان المدنيين.
وتكتسب هذه المذكرة أهمية خاصة في سياق خطاب نتنياهو أمام الأمم المتحدة؛ إذ وقف على منصة دولية للدفاع عن جرائم دولة الاحتلال، بينما تلاحقه اتهامات جنائية أمام محكمة دولية، في وقت تواصل فيه المؤسسات الأممية توثيق الانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون في قطاع غزة.
وحاول نتنياهو خلال خطابه قلب صورة المشهد، فبدل أن يكون السؤال عن مسؤولية حكومته عن الكارثة الإنسانية والقتل والدمار في غزة، جعل من خصومه وناقديه محورًا لخطابه، مهاجمًا من وصفهم بأنهم يروّجون لما سماه الأكاذيب ضد إسرائيل وجيشها.
قاعة فارغة ورسالة احتجاج
مع بدء كلمة نتنياهو، غادرت وفود دبلوماسية من دول عدة قاعة الجمعية العامة، في مشهد كان من أبرز مظاهر الجلسة. وبينما انسحب ممثلو دول، واصل نتنياهو خطابه وهاجم المغادرين، واصفًا من بقي منهم ثم غادر بأنهم جبناء أخلاقيًا.
وتحولت القاعة شبه الفارغة إلى صورة موازية لمضمون الخطاب؛ فمجرم الحرب الذي حاول تقديم إسرائيل باعتبارها دولة تدافع عن نفسها، وجد نفسه أمام مشهد دبلوماسي يصعب فصله عن الحرب على غزة وما أثارته من إدانات وتحركات دولية.
ولم يقتصر الاحتجاج على داخل الأمم المتحدة، إذ شهدت نيويورك تظاهرات شارك فيها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين وجماعات يهودية ومنظمات حقوقية، رافعة شعارات تندد بسياسات حكومة الاحتلال وبالحرب على غزة.
نتنياهو بين غزة والداخل الإسرائيلي
وبدا خطاب نتنياهو موجهًا في جزء كبير منه إلى جمهوره داخل إسرائيل، بالتزامن مع الاستعداد للانتخابات الإسرائيلية المقبلة، أكثر من كونه خطابًا مخصصًا لمخاطبة المجتمع الدولي وحده. وقد رأى محللون نقلت عنهم وسائل إعلام أن أجزاء من الخطاب حملت رسائل انتخابية موجهة إلى الداخل الإسرائيلي.
كما اختصر نتنياهو زيارته إلى نيويورك، إذ وصل صباح الخميس وألقى خطابه قبل أن يغادر في اليوم نفسه، فيما لم يكن مقررًا أن يعقد لقاءً مع كبار المسؤولين الأميركيين خلال الزيارة، ليلوذ بالهرب قبل أن يتعرض للاعتقال.
وفي قلب هذه الصورة، يظهر نتنياهو وكيانه معزولين من كل الجوانب: حرب طويلة في غزة، اتهامات دولية بالإبادة وجرائم الحرب، مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية، احتجاجات داخل الأمم المتحدة وخارجها، وانتقادات متزايدة لسلوك حكومته في غزة والضفة الغربية.
أما محاولته تقديم نفسه باعتباره المدافع عن الحقيقة في مواجهة العالم، فتأتي في وقت وثقت فيه لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة استنتاجاتها بشأن مسؤولية إسرائيل عن الإبادة في غزة، بينما تبقى مذكرة التوقيف الصادرة بحقه من المحكمة الجنائية الدولية قائمة.
وبين خطاب الإنكار ومشهد الوفود المنسحبة، ظهر نتنياهو أمام العالم وهو يحاول الدفاع عن دولة الاحتلال من منصة دولية، في وقت أصبحت فيه جرائم غزة والاتهامات الموجهة إلى قيادتها جزءًا ثابتًا من المشهد الدولي الذي سيبقى يطارد الكيان وقياداته الإرهابية.

