
غزة – المركز الفلسطيني للإعلام
لم تكن المقاعد التي أخلتها دول العالم مع صعود رئيس حكومة الاحتلال مجرم الحرب بنيامين نتنياهو إلى منصة الأمم المتحدة مجرد تفصيل في صورة الخطاب.
فقد اختصرت المشهد الذي التقطته تغطيات إعلامية دولية وغربية، رئيس حكومة يحاول استعادة زمام الرواية، فيما تتسع المسافة بين ما يقوله وما تستطيع حكومته الدفاع عنه أمام العالم.
وفي تغطيتها لكلمته، وضعت رويترز العزلة الدولية المتزايدة في صلب الحدث، وربطت ظهوره بمعركة انتخابية قريبة في الداخل الصهيوني.
وقابلت “أسوشيتد برس” ادعاءات نتنياهو بمشهد خروج أعداد كبيرة من وفود الدول وبقاء معظم المقاعد الظاهرة فارغة، ثم أدرجت في تغطيتها عنوانا فرعيا عن تزايد عزلة دولة الاحتلال عالميا.
وهكذا، دخلت صورة الرفض الدبلوماسي إلى صلب الخبر، إلى جانب ما أراد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو تسويقه من رسائل.
أما صحيفة “الغارديان” البريطانية فوصفت الكلمة بالاستفزازية، وربطتها بالعزلة الدولية ومحاولة تعبئة قاعدته اليمينية قبل الانتخابات.
وتكشف مقارنة هذه المعالجات أن نتنياهو لم ينجح في احتكار تعريف الحدث، فمنصة أراد استخدامها لتبرئة سياساته تحولت في التغطيات إلى مناسبة لفحصها، وخطاب قدّمه بوصفه دفاعا عن الحقيقة عاد محاطا بأسئلة عن صدقية ادعاءاته، وحجم مسؤوليته عن تراجع مكانة دولة الاحتلال، وحدود قدرته على تحويل التفوق العسكري إلى قبول سياسي.
منصة دولية لحملة انتخابية
ولم يكن النقد على مستوى واحد، إذ ركزت الوكالات الغربية على السياق السياسي والتناقضات، فيما نشر موقع “ذا نيو عرب”، الموقع العربي الناطق بالإنجليزية ومقره لندن، تدقيقا تناول ثمانية ادعاءات في الكلمة تحت عنوان “التحقق من أكاذيب نتنياهو في الجمعية العامة”.
وفي قراءة منفصلة للزيارة، ربطت “أسوشيتد برس” غياب لقاء مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومحدودية برنامج اللقاءات بانكشاف عزلة نتنياهو.
ونقلت عن أستاذ العلاقات الأميركية الإسرائيلية إيتان غلبواع تقديره أن الزيارة تكشف نقاط ضعفه، وأن تعذر ترتيب لقاء مع ترامب يبرز سوء إدارته العلاقة مع أقوى حلفاء دولته، ورأت أن الخطاب استهدف الناخب الإسرائيلي، مستفيدا من البث في وقت الذروة وهتافات مؤيديه داخل القاعة.
ومن هنا يمكن قراءة التناقض المركزي في الظهور، يحتاج نتنياهو إلى المنصة الدولية لإثبات أنه ما زال قادرا على مخاطبة العالم، لكنه يستخدمها بخطاب تعبوي قد يفيد في استنفار أنصاره، من دون أن يجيب عن أسباب اعتراض الآخرين عليه.
عنف المستوطنين.. الأرقام تفضح التهوين
ويتضح هذا المأزق في تناوله عنف المستوطنين، فقد سجلت “أسوشيتد برس” تقليله من الاعتداءات، ثم قابلته ببيانات أممية عن أكثر من 1600 هجوم خلال العام الجاري الذي لم ينته بعد، وبنفوذ المستوطنين وحلفائهم في حكومته ومحدودية الاعتقالات في صفوفهم رغم جرائمهم المثبتة والمتكررة، وهذه المقابلة تضرب محاولة تقديم العنف باعتباره انحرافا هامشيا محدودا يمكن فصله عن السلطة الرسمية القائمة.
وتكشف العودة إلى التوثيق الأممي حجم ما يحذفه هذا الاختزال، ففي تقرير “أوتشا” عن الفترة المنتهية في 20 يوليو 2026، بلغ عدد الفلسطينيين الذين استشهدوا في حوادث مرتبطة باعتداءات المستوطنين 18 شهيدا، متجاوزا حصيلة عام 2025 كاملة، البالغة 17 شهيدا، ومن شهداء 2026، قتل المستوطنون 12، وقتلت القوات الصهيونية ثلاثة، وبقيت المسؤولية عن مقتل ثلاثة آخرين محل خلاف.
ووثّق المكتب، حتى تلك الفترة، أكثر من 1330 اعتداء تسبب بخسائر بشرية أو أضرار بالممتلكات وطال 250 تجمعا فلسطينيا، وسجل تعرض 123 تجمعا للتهجير الكلي أو الجزئي بين يناير 2023 ويوليو 2026، أُفرغ 47 منها بالكامل، في سياق الاعتداءات والقيود المرتبطة بها.
بهذا المعنى، لا يقتصر التضليل على التقليل من عدد الاعتداءات، بل يشمل حذف نتائجها السياسية والجغرافية، فالحديث عن تجاوزات أفراد يتجاهل ما تفعله الاعتداءات بالأرض والسكان، من إضعاف القدرة على البقاء، وتعطيل مصادر الرزق، ودفع تجمعات كاملة إلى الرحيل، وهذه هي الوقائع التي تختفي حين يستبدل الخطاب وصف الظاهرة بتصغير مرتكبيها.
اتهامات سرقة المساعدات تصطدم بتحقيق أميركي
وفي غزة، أعاد نتنياهو اتهام حماس بسرقة معظم المساعدات، وفق التدقيق الذي نشره موقع “ذا نيو عرب”، غير أن سجل الصحافة الغربية يتضمن تحقيقا يضع هذا التعميم أمام اختبار صعب، فقد كشفت رويترز، في 25 يوليو 2025، أن مراجعة حكومية أميركية لم تجد دليلا على سرقة ممنهجة نفذتها حماس للمساعدات الممولة أميركيا.
وشملت المراجعة 156 واقعة فقدان أو سرقة أبلغت عنها المنظمات الشريكة بين أكتوبر 2023 ومايو 2025 ولا تنفي النتيجة احتمال وقوع تحويل للمساعدات خارج نطاق المراجعة، لكنها لا تسند الاتهام الشامل الذي يُعاد استخدامه لتفسير أزمة الإغاثة.
وهنا تظهر قيمة استعادة التحقيق السابق عند قراءة الخطاب الجديد، فتكرار الاتهام لا يضيف إليه دليلا، كما أن تحميل جهة واحدة مسؤولية انهيار الإغاثة يعفي الرواية الصهيونية من مواجهة الأسئلة المتعلقة بقيود الدخول والتوزيع ووصول السكان إلى الغذاء.
أطنان مزعومة لا تمحو المجاعة
وسبق لـ”أسوشيتد برس” أن اختبرت إنكار نتنياهو التجويع بمقارنته ببيانات سوء التغذية وشهادات العاملين في المجال الإنساني، وأبرزت في تقريرها عراقيل حركة الشاحنات وعدم كفاية التدفق الإغاثي للاحتياجات، وتلك معايير تختلف جذريا عن الاكتفاء بإعلان السماح بدخول شحنات، لأنها تقيس ما يصل إلى الناس وما يحتاجونه فعليا.
وفي الكلمة الأممية، استند نتنياهو إلى رقم مليوني طن من الطعام للدفاع عن سلوك دولته الإجرامي، لكن موقع “ذا نيو عرب” نبّه إلى أن الرقم صادر عن سلطات الاحتلال ولم يُتحقق منه بصورة مستقلة، وأنه لا يثبت مقدار ما وصل إلى المدنيين أو كفايته.
والواقعة التي لا يمحوها جمع الأطنان هي أن التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أعلن، في 22 أغسطس 2025، تأكيد المجاعة في محافظة غزة، وتكتسب هذه الواقعة أهميتها بوصفها نتيجة موثقة خلال الحرب، لا توصيفا تلقائيا للوضع الراهن في جميع أنحاء القطاع، وهي تجعل استخدام الكميات الإجمالية لنفي وقوع التجويع حجة تتجاهل توقيت وصول الغذاء وتوزيعه والفترات التي حُرم فيها السكان منه.
اللقاحات.. توظيف الإغاثة لتبرئة السياسات
وبالمثل، استحضر نتنياهو لقاحات شلل الأطفال ضمن دفاعه، فيما لفت موقع “ذا نيو عرب” إلى إغفال دور الجهات الصحية الدولية والفلسطينية التي نظمت الحملة.
وتوضح بيانات منظمة الصحة العالمية أن وزارة الصحة الفلسطينية نفذت حملة سبتمبر 2024 بالتعاون مع المنظمة و”يونيسف” و”أونروا” وشركاء آخرين، وبلغ عدد الأطفال الذين تلقوا التطعيم في جولتها الأولى نحو 560 ألفا.
وكان الوصول إليهم مرتبطا بهدن إنسانية وترتيبات لحماية الفرق والسكان، لذلك فإن تحويل الحملة إلى شهادة براءة سياسية يحجب طبيعتها التي هي عبارة عن تدخل صحي طارئ بذلته مؤسسات وطواقم لمنع انتشار مرض في ظروف الحرب.
إنكار الإبادة لا يسقط نتائج التحقيق والحقيقة
أما رفض اتهامات الإبادة، فيصطدم بدوره بوجود تحقيقات لا يمكن إسقاطها بمجرد مهاجمة أصحابها، فقد نقلت رويترز في سبتمبر 2025 استنتاج لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة أن السلطات الصهيونية ارتكبت أفعال إبادة في غزة، وأن مسؤولين كبارا، بينهم نتنياهو، حرّضوا عليها، وهذه نتائج تكشف أن الاتهام يستند إلى توثيق وتحليل، ويتطلب ردا على الأدلة.
وفي خلفية هذه المواجهة، تبدو سياسة اتهام المنتقدين جزء من الأزمة الدبلوماسية نفسها، ففي مقال رأي نشرته صحيفة “لوموند” الفرنسية قبل الخطاب، حمّل المؤرخ جان بيير فيليو نتنياهو مسؤولية تقويض الدبلوماسية الإسرائيلية، عبر إضعاف وزارة الخارجية وتغليب التدخل الشخصي والخطاب التصادمي، وربط الكاتب ذلك بمهاجمة المؤسسات الدولية وملاحقة منتقدي السياسات الإسرائيلية باتهامات معاداة السامية.
وتمنح هذه القراءة تفسيرا لحدود الخطاب، فحين تصبح الاستجابة للاعتراض هي التشهير بالمعترض، تتراجع مساحة الإجابة عن السؤال الأصليـ فلا يفسر اتهام الصحافة كيف وقعت الانتهاكات، ولا يعالج مهاجمة الحكومات أسباب انتقال بعضها إلى إجراءات ضد السياسات الإسرائيلية.
عزلة تتجاوز المقاعد الخالية
وقد ذكرت “رويترز” أن بريطانيا وفرنسا وكندا أعلنت خلال سبتمبر عقوبات تستهدف المستوطنات، وهذه خطوة تضيف إلى الرفض الخطابي كلفة سياسية ملموسة، وإن بقيت محدودة قياسا بحجم العلاقات مع دولة الاحتلال.
ويمتد تراجع التعاطف إلى الجمهور الأميركي، ففي استطلاع نشرته “غالوب” في فبراير 2026، قال 41% إنهم يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين، مقابل 36% مع الإسرائيليين.
وأوضحت المؤسسة أن الفارق ليس ذا دلالة إحصائية، لكن النتيجة أنهت تقدما إسرائيليا مستمرا في قياساتها السنوية منذ 2001، وبين من تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاما، بلغ التعاطف مع الفلسطينيين 53%، مقابل 23% مع الإسرائيليين.
وقائع واضحة وعزلة تتسع ومحاسبة تتأخر
لكن ما تكشفه التغطيات الغربية هو تضاؤل قدرة الخطاب على محو السجل الذي يواجهه نتنياهو، فمقابل تصغير عنف المستوطنين توجد حصائل للقتل والتهجير، ومقابل اتهام المساعدات توجد تحقيقات، ومقابل نفي التجويع يوجد توثيق للمجاعة، يستطيع نتنياهو أن يرفع نبرة الاتهام، لكنه لا يستطيع بذلك إلغاء الأسئلة التي تلاحقه.
لقد غادر المندوبون القاعة، وبقيت الوقائع، وهي التي تجعل أزمة نتنياهو أعمق من سوء استقبال كلمة، فأزمة سياسات تحاول الاحتماء بالدعاية، فيما تتراكم الأدلة على كلفتها الفلسطينية وعلى اتساع الرفض الدولي لها.
لقد كشف مشهد الانسحاب اتساع الرفض لنتنياهو وسياسات حكومته، وحدود قدرة خطاب الإنكار على ترميم صورتها، لكنه وضع المجتمع الدولي أيضا أمام تناقضه، فما قيمة إخلاء المقاعد احتجاجا، إذا بقيت السياسات التي دفعت وفود الدول إلى المغادرة بمنأى عن ضغط يوقفها؟ وما جدوى تفنيد الادعاءات، إذا لم تترتب على الوقائع التي تحجبها مساءلة وعواقب؟
تتسع عزلة نتنياهو، لكن الفجوة بين الإدانة والفعل تمنح حكومته مساحة لمواصلة النهج نفسه، وهنا تصبح الأزمة أزمة إرادة دولية أيضا، فالمعرفة متاحة، والتوثيق قائم، والاعتراض معلن، بينما يدفع الفلسطينيون ثمن العجز عن تحويل ذلك إلى حماية.
غادر المندوبون القاعة رفضا لسماع نتنياهو، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ خارجها، هل يُترجم الرفض إلى محاسبة، أم يُترك للفلسطينيين أن يواجهوا سياسات حكومته وحدهم، فيما يكتفي العالم بإدارة ظهره للمنصة؟

