
المركز الفلسطيني للإعلام
من بين أنقاض منزلهم في مخيم جباليا، لم تخرج عائلة الأشقر بما يكفي لاستعادة حياتها، لكنها عثرت على ما هو أبعد من مجرد خلية نحل؛ عثرت على آخر خيط يربطها بالرزق، وعلى فرصة صغيرة للبقاء في مكان أنهكت فيه الحرب كل مصادر العيش.
لم تكن نيفين الأشقر وزوجها حسين يتوقعان أن يجدَا شيئًا حيًا عندما عادا إلى منزلهما بعد النزوح، فالبيت لم يعد بيتًا، والمكان الذي كان يحتضن حياتهما ومناحلهما تحول إلى ركام بفعل القصف والدمار.
لكن من بين الحجارة، خرجت حشرة صغيرة تحمل معها خبرًا يشبه المعجزة: خلية النحل التي تركاها خلفهما ما تزال حية.
تقول نيفين إنهما نزحا في بداية الحرب وتركا منزلهما والخلية، ولم يكن لديهما “واحد بالمئة” من الأمل في العثور عليها عند العودة؛ لكنهما، عندما عادا، شاهدا النحل يخرج من بين الركام، فأدركا أن الخلية نجت.
وتروي أن المنزل كان في حالة سيئة جدًا، ولم يكن سوى “كومة ردم”، إلا أن ظهور النحل من بين الأنقاض دفعها وزوجها إلى إزالة الركام ومحاولة إخراج الخلية، ليجداها بحالة جيدة، وبداخلها عسل وأقراص نحل سليمة.
ومن تلك الخلية الصغيرة بدأت عائلة الأشقر رحلة جديدة لاستعادة مصدر رزقها، بعدما فقدت معظم ما تملك من معدات ومناحل خلال الحرب.

ثروة ثمينة أنقذت عائلة بأكملها
تقول نيفين إن الحرب أفقدتها كل معدات تربية النحل، وإنها باتت تواجه صعوبة في تأمين مستلزمات تغذية الخلايا وعلاجها وحمايتها، ما يضطرها إلى اللجوء إلى طرق بدائية لإنقاذ النحل والحفاظ عليه حيًا.
ولا تقف المشكلة عند نقص المعدات؛ فالحرب دمرت البيئة والمزارع والمناحل التي كانت تشكل المجال الطبيعي لعمل الأسرة، بينما أصبح الحصول على أبسط مستلزمات الإنتاج مهمة شاقة في قطاع أنهكته الحرب والحصار.
وتقول نيفين إن لديها اليوم خمس خلايا فقط، لكنها ترى فيها “ثروة ثمينة” تريد إنقاذها، مؤكدة أن حصولها على الدعم يمكن أن يرفع العدد إلى نحو عشرين خلية، ويعيد إليها القدرة على إنتاج العسل وتوسيع تجارتها.
وتضيف أن إنتاجها الحالي محدود جدًا، ولا يمكنها تلبية طلبات الزبائن، رغم قدرتها على إنتاج العسل وتوفير منتج تستخدمه العائلات لأغراض غذائية وعلاجية.
لكن خلف هذه الخلايا الخمس قصة عائلة بأكملها، وأم تحمل وحدها عبء إطعام تسعة أبناء.
تقول نيفين إن زوجها مصاب في العمود الفقري، وإن أحد أبنائها يعاني إصابة في يده وتلفًا في أحد الأعصاب، ولذلك أصبحت هي المعيلة والمسؤولة عن الأسرة، وأصبح النحل مصدر الدخل الوحيد لأطفالها.
وتختصر مأساة عائلتها بجملة تختزل قسوة البحث عن لقمة العيش في غزة: “لو فقدت العسل وفقدت النحل، ما عنديش أي مصدر رزق.. من وين بدي أطعم أولادي؟”

الحرب بددت كل شيء.. وبقيت خلية واحدة
ويستعيد حسين الأشقر، زوج نيفين، سنوات عملهما في تربية النحل، حين كانت الأسرة تمتلك مناحل في مناطق عدة شمال قطاع غزة، بينها إيرز وزكيم وبيت حانون ومناطق أخرى.
يقول حسين إن كل ذلك لم يعد موجودًا بفعل الحرب، ولم يبق للعائلة سوى خلية واحدة كانت موجودة في المنزل.
ويصف لحظة العثور عليها بين الركام بأنها كانت واحدة من أكثر اللحظات التي منحتهما الأمل، موضحًا أنهما وجداها حية، وبدأ النحل يتعافى وينشط تدريجيًا، قبل أن تتكاثر الخلية وتصبح أربع خلايا، ثم تصل اليوم إلى خمس.
ويعمل حسين في تربية النحل وبيع الخلايا، وهو العمل الذي عرفته الأسرة لسنوات، لكن الحرب لم تترك له سوى عدد محدود من الصناديق التي يحاول من خلالها إعادة بناء مهنته وحياته.
ويقول إن الحرب لم تدمّر المناحل فقط، بل بددت أحلام الأسرة أيضًا، فقد كان أحد أبنائه في الثالثة والعشرين من عمره، وكانت العائلة تخطط لزواجه، قبل أن تأتي الحرب وتبعثر تلك الخطط كما بعثرت البيت والمنحل ومصادر الرزق.
ويصف حسين بقاء خلية النحل بأنه كان فرحة تفوق فرحة العثور على البيت نفسه، قائلًا إن رؤية الخلية حية وسط الركام كانت “أحسن أمنية” منحها الله للعائلة.

لقمة العيش تبدأ من خلية
لا تبحث عائلة الأشقر عن مشروع كبير ولا عن حياة مترفة؛ كل ما تريده هو أن تكبر هذه الخلايا القليلة بما يكفي لتوفر لها دخلًا ثابتًا، وأن تتمكن نيفين من إعالة أبنائها، وأن يستعيد حسين عمله الذي فقده تحت ركام الحرب.
ففي غزة، لم تعد المهنة وحدها كافية لكسب الرزق، بعدما دُمرت الأسواق والمزارع والمصانع والمناحل، وأصبح الحصول على المعدات والمواد الأولية تحديًا آخر يضاف إلى قائمة طويلة من الأزمات.
وهكذا، تقف خمس خلايا نحل فوق سطح منزل مدمر في جباليا، لا تبدو في حجمها قادرة على مواجهة كل هذا الخراب، لكنها بالنسبة لعائلة الأشقر أكبر من مجرد صناديق خشبية؛ إنها رزق تسعة أبناء، ومهنة أب وأم، وذاكرة حياة، ومحاولة عنيدة للبدء من جديد.
وبينما أفقدت الحرب معظم ما كان لدى الأسرة، بقي النحل يواصل عمله بصمت؛ يجمع ما تبقى من أزهار الحياة، ويصنع العسل فوق مدينة مثقلة بركام الإبادة الإسرائيلية، وكأنه يقول لعائلة الأشقر إن الرزق قد يخرج أحيانًا من أكثر الأماكن التي لا يُنتظر أن يخرج منها شيء بتوفيق الله ورعايته.

