هندسة تجارة غزة.. 8 تجار و4 شركات إسرائيلية يتحكمون في بوابة الاستيراد

هندسة تجارة غزة.. 8 تجار و4 شركات إسرائيلية يتحكمون في بوابة الاستيراد

المركز الفلسطيني للإعلام

تتجه تجارة قطاع غزة نحو مزيد من الانكماش في ظل القيود الإسرائيلية المفروضة على إدخال البضائع، وتقليص عدد التجار المسموح لهم بالاستيراد، وحصر قنوات التوريد في شركات محدودة، بالتزامن مع منع المنتجات الفلسطينية المصنعة في الضفة الغربية من الوصول إلى أسواق القطاع، في وقت تواجه فيه الأسواق نقصًا حادًا في تنوع السلع، وسط مخاوف من ارتفاع الأسعار وتفاقم الأعباء المعيشية على السكان.

وتكشف معطيات اقتصادية عن تراجع عدد التجار المسموح لهم بإدخال البضائع إلى غزة من 13 تاجرًا إلى ثمانية، بالتوازي مع اقتصار توريد البضائع، وفق ما أورده الاتحاد العام للصناعات الفلسطينية في تحركه القضائي، على أربع شركات إسرائيلية.

ويثير هذا الواقع تساؤلات بشأن آليات إدارة حركة التجارة، ومعايير اختيار المستوردين، وانعكاسات حصر قنوات التوريد على المنافسة والأسعار وقدرة الاقتصاد الفلسطيني على تلبية احتياجات القطاع.

8 تجار يتحكمون في بوابة الاستيراد

وقالت مصادر اقتصادية إن عدد التجار الذين كان يُسمح لهم بإدخال البضائع إلى قطاع غزة بلغ 13 تاجرًا، قبل استبعاد خمسة منهم، ليقتصر العدد حاليًا على ثمانية، دون وضوح المعايير التي استندت إليها سلطات الاحتلال في اختيار التجار والإبقاء عليهم، أو أسباب استبعاد الآخرين.

وأضافت المصادر أن آلية منح الموافقات لا تزال تفتقر إلى الشفافية بالنسبة إلى الفاعلين الاقتصاديين، في ظل غياب معلومات كافية بشأن الجهة التي تحدد أسماء المستوردين، والمعايير المعتمدة للموافقة على طلباتهم، والآليات المتاحة أمام التجار الآخرين للحصول على تصاريح إدخال البضائع أو الاعتراض على قرارات استبعادهم.

ويثير تقليص عدد المستوردين مخاوف من تراجع المنافسة في السوق، وزيادة اعتماد التجار الصغار على عدد محدود من الموردين، خصوصًا في ظل سيطرة الاحتلال على المعابر ومسارات إدخال البضائع، وما يفرضه ذلك من قيود على قدرة القطاع الخاص الفلسطيني على تنظيم حركة الاستيراد بصورة مستقلة.

ولا تتوقف تداعيات هذا الواقع عند عدد التجار المسموح لهم بالعمل، بل تمتد إلى طبيعة السلع المتاحة ومصادرها، ومدى قدرة السوق على الاستجابة لاحتياجات السكان والأنشطة الاقتصادية المختلفة.

200 سلعة من أصل 10 آلاف

وفي مؤشر على حجم التراجع في تنوع البضائع، أفادت المصادر الاقتصادية بأن نحو 200 صنف فقط يدخل إلى قطاع غزة، مقارنة بنحو 10 آلاف صنف كانت تدخل إليه قبل الحرب.

وبحسب هذه الأرقام، لا تتجاوز الأصناف المتاحة حاليًا نحو 2% من عدد الأصناف التي كانت تدخل إلى القطاع قبل الحرب، وهو ما يعكس اتساع الفجوة في تنوع المعروض التجاري، وإن كانت هذه المقارنة تتعلق بعدد الأصناف ولا تعني بالضرورة أن إجمالي كميات البضائع انخفض بالنسبة نفسها.

وأوضحت المصادر أن محدودية السلع لا تقتصر آثارها على الاحتياجات الاستهلاكية اليومية، بل تمتد إلى مستلزمات الإنتاج والتشغيل وقطع الغيار والمواد اللازمة لاستمرار الأنشطة التجارية والصناعية، بما يزيد صعوبة إعادة تشغيل المنشآت المتضررة واستعادة الحد الأدنى من النشاط الاقتصادي.

كما يؤدي تقلص الخيارات المتاحة إلى إضعاف قدرة المستهلكين على الاختيار بين المنتجات والبدائل المختلفة، في وقت تراجعت فيه القدرة الشرائية للسكان، وتضررت فيه قطاعات واسعة من الاقتصاد، وسط استمرار الاحتياجات المعيشية المتزايدة.

ومع محدودية الأصناف وتراجع مصادر التوريد، تصبح السوق أكثر عرضة للتأثر بأي انقطاع في الشحنات أو اضطراب في حركة الاستيراد، لا سيما في ظل اعتمادها على قنوات محدودة لإدخال السلع.

منع المنتجات الفلسطينية من دخول غزة

وفي موازاة القيود المفروضة على الاستيراد، قالت المصادر الاقتصادية إن المنتجات الفلسطينية المصنعة في الضفة الغربية ممنوعة من الوصول إلى أسواق قطاع غزة بفعل الإجراءات الإسرائيلية، مشيرة إلى أن البضائع التي تدخل القطاع حاليًا أجنبية أو إسرائيلية.

ويحرم هذا المنع المصانع الفلسطينية في الضفة الغربية من الوصول إلى سوق واسعة داخل الاقتصاد الفلسطيني، ويحد من قدرتها على تسويق إنتاجها وتوسيع نشاطها، في وقت يحتاج فيه قطاع غزة إلى تنويع مصادر التوريد وزيادة توافر السلع الأساسية والاستهلاكية.

ولا يقتصر أثر هذه القيود على المنتجين، بل يمتد إلى المستهلكين والتجار والعمال، إذ يؤدي إقصاء المنتجات المحلية إلى تقليص الخيارات المتاحة أمام السكان، وإضعاف فرص التكامل الاقتصادي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، والحد من إمكانية بناء سلاسل توريد فلسطينية داخلية تدعم المصانع وفرص العمل.

كما يضع هذا الواقع المنتجين الفلسطينيين أمام معادلة صعبة؛ فهم يواجهون قيودًا تحول دون وصول بضائعهم إلى المستهلكين في غزة، بينما يستمر دخول منتجات أجنبية وإسرائيلية عبر المسارات التي تسمح بها سلطات الاحتلال.

وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ظل تراجع النشاط الاقتصادي في القطاع، إذ كان من شأن إتاحة المنتجات الفلسطينية توفير بدائل للسوق، وفتح منافذ تسويقية أمام المصانع، وتعزيز حركة التجارة بين شطري الوطن.

اتحاد الصناعات الفلسطينية يلجأ إلى القضاء

وفي مواجهة هذه القيود، رفع الاتحاد العام للصناعات الفلسطينية، ومقره رام الله، قضية أمام المحكمة العليا الإسرائيلية ضد منسق أعمال حكومة الاحتلال وسلطة الضرائب الإسرائيلية، على خلفية السماح لأربع شركات إسرائيلية فقط بإدخال البضائع إلى قطاع غزة وحصر عملية التوريد من خلالها.

ويطالب الاتحاد برفع القيود المفروضة على إدخال المنتجات الفلسطينية المصنعة في الضفة الغربية إلى القطاع، بما يتيح للمصانع الفلسطينية الوصول إلى السوق المحلية، ويحد من إقصاء المنتج الوطني لمصلحة البضائع التي تدخل عبر قنوات توريد محدودة.

ويأتي التحرك القضائي في ظل تراجع عدد التجار المسموح لهم بالاستيراد ومحدودية أصناف السلع التي تدخل غزة، ليضع القيود التجارية أمام اختبار قانوني يتعلق بحق المنتجين الفلسطينيين في الوصول إلى أسواقهم، ومدى تأثير الإجراءات المفروضة على المنافسة والقطاع الصناعي الفلسطيني.

كما يثير حصر التوريد، وفق ما أورده الاتحاد في قضيته، عبر أربع شركات إسرائيلية تساؤلات بشأن الأسس التي تحدد الشركات المسموح لها بإدخال البضائع، وأسباب منع المنتجات الفلسطينية من الوصول إلى القطاع، وانعكاسات هذه الإجراءات على الأسعار وتوافر السلع وقدرة المصانع على الاستمرار.

ويستهدف التحرك فتح قنوات التوريد أمام المنتجات الفلسطينية، وإنهاء القيود التي تحول دون وصولها إلى المستهلكين في غزة، بما يعزز فرص المنافسة ويتيح للسوق الاستفادة من الإنتاج المحلي بدلًا من الاعتماد على مصادر توريد محدودة.

توقف دخول البضائع منذ نحو عشرة أيام

وفي تطور يزيد الضغوط على الأسواق، قالت المصادر الاقتصادية إن قطاع غزة لم يشهد، وفق المعلومات المتوافرة لديها، دخول أي سلعة تجارية منذ نحو عشرة أيام، محذرة من أن استمرار التوقف قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، خصوصًا مع محدودية المخزون لدى التجار واعتماد السوق على الإمدادات الخارجية.

ويضع توقف الشحنات التجارية، إلى جانب محدودية أصناف البضائع المسموح بإدخالها، الأنشطة التجارية أمام تحديات متزايدة، إذ ينعكس انقطاع الإمدادات على توافر السلع وقدرة التجار على تلبية احتياجات المستهلكين، وقد يدفع الأسعار إلى الارتفاع كلما تراجعت الكميات المتاحة في الأسواق.

ويجب التمييز هنا بين حركة البضائع التجارية ومسارات المساعدات الإنسانية، إذ إن توقف الشحنات التجارية لا يعني بالضرورة توقف دخول المساعدات، كما أن دخول شحنات عبر مسارات أخرى لا يثبت استئناف حركة الاستيراد التجاري المعتادة.

وفي ظل هذه الظروف، تتزايد المخاوف من اتساع الفجوة بين احتياجات السوق وما يتوافر فيها فعليًا، خصوصًا مع تراجع القدرة الشرائية للسكان وصعوبة تعويض النقص في الأصناف من خلال مصادر توريد بديلة.

تكاليف التنسيق تزيد أعباء الاستيراد

ولا تقتصر التحديات التي تواجه حركة التجارة على عدد المستوردين وأصناف السلع، بل تمتد إلى التكاليف المرتبطة بتنسيق إدخال الشحنات، والتي تثير تساؤلات بشأن حجم الأعباء المالية التي يتحملها التجار وانعكاساتها على الأسعار النهائية للمستهلكين.

وتشير تقديرات متداولة في الأوساط الاقتصادية إلى ارتفاع تكاليف التنسيق المرتبطة بإدخال البضائع، بما يزيد كلفة وصولها إلى الأسواق، خصوصًا في ظل محدودية المستوردين وقنوات التوريد المتاحة.

غير أن غياب البيانات التفصيلية بشأن قيمة هذه التكاليف، والجهات التي تتقاضاها، وآليات تحديدها، يجعل من الضروري التحقق من قيمتها الفعلية ومدى انعكاسها على أسعار السلع، بدلًا من التعامل مع التقديرات المتداولة باعتبارها أرقامًا نهائية.

وتزداد أهمية الشفافية في هذا الملف مع تقلص المنافسة ومنع المنتجات الفلسطينية من دخول القطاع، إذ إن ارتفاع كلفة الاستيراد، بالتزامن مع محدودية البدائل، قد يضيف أعباء جديدة على التجار والمستهلكين في سوق تعاني أصلًا من اضطراب الإمدادات وتراجع النشاط الاقتصادي.

إعادة تشكيل السوق الفلسطينية

وتشير مجمل هذه المعطيات إلى تحولات تتجاوز النقص في البضائع، لتطال بنية السوق في قطاع غزة، من خلال تقليص عدد التجار القادرين على الاستيراد، وحصر قنوات التوريد في شركات محدودة، وتقليص تنوع السلع، ومنع المنتجات الفلسطينية المصنعة في الضفة الغربية من الوصول إلى المستهلكين.

فالقضية لا تتعلق فقط بحجم البضائع التي تدخل إلى القطاع، بل أيضًا بهوية الجهات القادرة على الاستيراد، ومصادر المنتجات المتاحة، وشروط وصولها إلى الأسواق، ومدى قدرة التجار والمصنعين الفلسطينيين على المنافسة.

ومن شأن حصر الاستيراد في عدد محدود من التجار والشركات أن يزيد اعتماد السوق عليهم، ويضعف قدرة التجار الصغار على المنافسة، في ظل غياب معلومات معلنة عن معايير منح الموافقات وآليات الاعتراض على قرارات الاستبعاد.

وفي المقابل، يؤدي منع المنتجات الفلسطينية إلى إضعاف الروابط الاقتصادية بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وحرمان المصانع من فرص تسويقية مهمة، وتقليص الخيارات أمام المستهلكين، بما ينعكس على العمالة والإنتاج والاستدامة الاقتصادية.

وتطرح هذه التطورات أسئلة جوهرية بشأن الجهة التي تحدد قوائم المستوردين، والأسس التي يجري وفقها السماح بإدخال بعض السلع ومنع أخرى، ومدى وجود رقابة على الأسعار وتكاليف التنسيق، والآليات المتاحة أمام التجار المستبعدين للاعتراض على القرارات.

وفي ظل استمرار القيود، تبرز الحاجة إلى نشر بيانات واضحة بشأن التجار والشركات المسموح لهم بالاستيراد، وأصناف البضائع وكمياتها، وأسباب منع المنتجات الفلسطينية من دخول غزة، والتكاليف المرتبطة بإدخال الشحنات، وآليات الرقابة على المنافسة والأسعار.

وبينما تواجه الأسواق نقصًا في السلع وتحديات متزايدة في تأمين احتياجاتها، يبقى فتح قنوات التوريد أمام المنتجات الفلسطينية وتوسيع قاعدة المستوردين وتنويع مصادر البضائع من أبرز الملفات المرتبطة بقدرة الاقتصاد الفلسطيني على استعادة الروابط التجارية الداخلية، والحد من الأعباء التي يتحملها التجار والمستهلكون في قطاع غزة.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest