
المركز الفلسطيني للإعلام
يواجه آلاف المرضى والجرحى في قطاع غزة خطر الموت وتدهور أوضاعهم الصحية، في ظل استمرار القيود المفروضة على سفرهم لتلقي العلاج خارج القطاع، وعدم السماح إلا بأعداد محدودة منهم بالمغادرة، رغم حاجتهم الماسة إلى تدخلات طبية تخصصية لا تستطيع المستشفيات المحلية توفيرها، بفعل الدمار الواسع الذي أصاب المنظومة الصحية والنقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية.
وبعد مرور عام على سريان اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، لا يزال أكثر من 20 ألف مريض وجريح ينتظرون الإجلاء الطبي، فيما توفي أكثر من 1344 مريضًا وجريحًا أثناء انتظار العلاج.
وتكشف هذه الأرقام عن أزمة صحية متفاقمة، لم تنهِها التهدئة، إذ بقي آلاف المرضى رهائن الانتظار، في وقت تتراجع فيه قدرة المستشفيات على تقديم الخدمات العلاجية، وتزداد فيه مخاطر المضاعفات الصحية لدى أصحاب الأمراض المزمنة والحالات الحرجة والمصابين الذين يحتاجون إلى عمليات جراحية عاجلة.
أكثر من 20 ألف مريض على قوائم الانتظار
وبحسب بيانات وزارة الصحة في غزة، بلغ عدد المرضى والجرحى المدرجين على قوائم الانتظار للسفر بغرض العلاج 20 ألفًا و719 شخصًا، بينهم 6052 حالة مرشحة ضمن الأولويات الطبية، ونحو خمسة آلاف طفل، وما يقارب 1800 مسن.
ويحتاج هؤلاء إلى العلاج خارج القطاع نتيجة فقدان خدمات طبية تخصصية أساسية، في ظل تدمير المستشفيات ونقص الأجهزة والمعدات والأدوية والكوادر الطبية، الأمر الذي جعل استكمال العلاج أو إجراء العمليات اللازمة لبعض الحالات أمرًا بالغ الصعوبة داخل غزة.
وتشمل الاحتياجات الطبية تخصصات جراحة الأعصاب والقلب والأوعية الدموية والمسالك البولية والعظام والعيون، إلى جانب علاج الأورام وأمراض الكلى والأمراض التي تصيب الأطفال. كما يحتاج آلاف الجرحى إلى عمليات جراحية متتابعة وبرامج تأهيل طبي لا تتوفر إمكاناتها بالقدر المطلوب داخل القطاع.
ويعني استمرار تأخير الإجلاء الطبي أن المرضى يواجهون خطر تدهور حالاتهم، في وقت لا تملك فيه المستشفيات المنهكة القدرة الكافية على تعويض العلاج المفقود أو توفير البدائل المناسبة، خصوصًا للحالات التي تتطلب تدخلات عاجلة أو أجهزة طبية غير متوفرة.
معبر رفح.. مغادرة محدودة وانتظار طويل
ورغم أن تسهيل سفر المرضى والجرحى كان من الاستحقاقات الإنسانية المرتبطة باتفاق وقف إطلاق النار، فإن فتح معبر رفح تأخر عدة أشهر، قبل أن يُعاد تشغيله بصورة محدودة ومقيدة في 2 فبراير/شباط 2026، وفق التقرير.
ولم ينعكس هذا التشغيل على حركة الإجلاء الطبي بما يتناسب مع حجم الاحتياجات؛ إذ اقتصرت المغادرة على أعداد محدودة من المرضى والجرحى، فيما بقي عشرات الآلاف ينتظرون فرصتهم للوصول إلى المستشفيات خارج القطاع.
وأظهرت إحصائية لوزارة الصحة أن إجمالي المرضى والجرحى الذين تمكنوا من السفر عبر آلية الإجلاء خلال الفترة من 2 فبراير/شباط إلى 2 سبتمبر/أيلول 2026 بلغ 2480 شخصًا، بمتوسط حسابي يقارب 12 شخصًا يوميًا.
وتتراجع هذه الأعداد عن الترتيبات التي أشار إليها التقرير، والتي كانت تقضي بالسماح بمغادرة 50 مريضًا و50 مرافقًا يوميًا، فيما أشار مدير مجمع الشفاء الطبي، محمد أبو سلمية، إلى تقليص سفر المرضى والجرحى من 50 مريضًا ومرافقًا يوميًا إلى ثلاثة أيام أسبوعيًا، ما زاد من تعقيد إجراءات الإجلاء وأطال أمد الانتظار.
وأكد أبو سلمية -للأناضول- أن استمرار إغلاق المعابر والقيود المفروضة على سفر المرضى يضاعف المخاطر التي تهدد حياتهم، مطالبًا الدول العربية والوسطاء بالضغط من أجل فتح المعابر وإدخال المستلزمات الطبية اللازمة، مشددًا على ضرورة إعطاء الأولوية لإنقاذ حياة المرضى.
انهيار المنظومة الصحية يفاقم الأزمة
ولا تنفصل أزمة المرضى المنتظرين للسفر عن التدهور الواسع الذي أصاب القطاع الصحي في غزة جراء الحرب الإسرائيلية، إذ أخرج الدمار عددًا كبيرًا من المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة، فيما تعمل منشآت أخرى بصورة جزئية وفي ظروف بالغة الصعوبة.
ووفق بيانات وزارة الصحة التي أوردها التقرير، خرج 25 مستشفى من أصل 38 عن الخدمة حتى أكتوبر/تشرين الأول 2025، بينما بقيت 13 مستشفى تعمل بصورة جزئية. كما دُمّر 103 مراكز للرعاية الصحية الأولية من أصل 157 مركزًا، في حين عملت المراكز المتبقية بصورة جزئية.
ويحد هذا الواقع من قدرة الطواقم الطبية على التعامل مع الحالات المعقدة، ويجعل كثيرًا من المرضى معتمدين على الإجلاء الخارجي للحصول على العلاج الضروري، خصوصًا في ظل تعطل خدمات تخصصية تحتاج إلى تجهيزات متقدمة وأدوية لا تتوفر بكميات كافية.
كما أن نقص الإمكانات لا يهدد الحالات الحرجة وحدها، بل يطال مرضى الحالات المتوسطة والبسيطة، الذين قد تتفاقم أوضاعهم نتيجة تأخر العلاج أو عدم توافر الأدوية المناسبة، وصولًا إلى مضاعفات كان من الممكن تجنبها لو توفرت الرعاية اللازمة في الوقت المناسب.
نقص الأدوية يهدد حياة المرضى
وفي موازاة أزمة الإجلاء، تواجه المستشفيات والصيدليات في القطاع نقصًا حادًا في الأدوية والمستهلكات الطبية، ما يضع المرضى أمام مسارين قاسيين: انتظار السفر إلى الخارج أو محاولة تلقي العلاج بإمكانات محدودة لا تلبي احتياجاتهم الصحية.
وكانت وزارة الصحة في غزة قد حذرت، في بيان صدر في 3 أغسطس/آب 2026، من استمرار الحرمان الدوائي، واصفة تداعياته بأنها «إبادة صامتة» تحصد أرواح المرضى.
وأشارت الوزارة إلى أن نسبة العجز في الأدوية بلغت 47%، فيما وصل العجز في المستهلكات الطبية إلى 58%، وفي مواد الفحص المخبري إلى 85%، وهو ما ينعكس مباشرة على قدرة الطواقم الطبية على التشخيص والعلاج وتقديم الرعاية الضرورية.
وتتصدر أدوية السرطان وأمراض الدم قائمة العجز بنسبة 61%، في حين بلغ العجز في أدوية الرعاية الصحية الأولية 55%، وأدوية الكلى والغسل الدموي نحو 46%، وأدوية الصحة النفسية والأعصاب قرابة 35%، وأدوية الطوارئ والعناية المركزة 33%، فيما وصل العجز في مستلزمات الجراحة إلى 39%.
وتكتسب هذه الأرقام خطورتها من طبيعة الفئات المتضررة، إذ يحتاج مرضى السرطان وأمراض الدم والكلى إلى علاجات منتظمة لا يمكن تأجيلها دون مخاطر، كما تتطلب حالات الطوارئ والعناية المركزة توافر الأدوية والمستلزمات بصورة مستمرة لضمان التدخل السريع وإنقاذ الأرواح.
وحذرت وزارة الصحة من أن انقطاع الأدوية وتعطل البروتوكولات العلاجية، لا سيما لدى مرضى الأورام وأمراض الدم، يرفع احتمالات تدهور الحالات الصحية ويعرض حياة المرضى لخطر جسيم.
انتظار يتحول إلى تهديد يومي للحياة
وتتجاوز الأزمة أعداد المرضى المسجلين على قوائم السفر، لتشمل آلاف الجرحى الذين يحتاجون إلى عمليات جراحية وترميمية وتأهيل طويل الأمد، في ظل محدودية الخدمات الطبية المتاحة داخل القطاع.
ومع استمرار القيود على الإجلاء والنقص الحاد في الأدوية والمستلزمات، تتحول الأيام التي يقضيها المرضى في الانتظار إلى عامل إضافي يفاقم معاناتهم، إذ قد يفقد بعضهم فرصة العلاج أو تتراجع إمكانية إنقاذهم كلما تأخر التدخل الطبي المطلوب.
وتضع هذه المعطيات مسؤولية توفير ممر آمن ومنتظم للإجلاء الطبي، وفتح المعابر أمام المرضى والجرحى، وضمان دخول الأدوية والمعدات والمستلزمات الطبية، في صدارة الاحتياجات الإنسانية العاجلة لقطاع غزة.
وفي ظل وجود أكثر من 20 ألف مريض وجريح ينتظرون العلاج خارج القطاع، فإن تقليص أعداد المغادرين وإطالة إجراءات السفر لا يعالجان الأزمة، بل يبقيان آلاف الحالات أمام خطر متصاعد، فيما تواصل المنظومة الصحية العمل بإمكانات محدودة لا تتيح تلبية الاحتياجات المتراكمة.
وبين قوائم الانتظار ونقص الدواء وتعطل الخدمات التخصصية، تبقى حياة آلاف المرضى معلقة بفرصة الوصول إلى العلاج، في أزمة لا تتعلق بتأخر المواعيد فحسب، بل بإمكانية النجاة نفسها.

