
المركز الفلسطيني للإعلام
تتجه الساحة السياسية الإسرائيلية إلى مرحلة من التعقيد والمفاوضات الشاقة، في أعقاب الانتخابات التشريعية التي أظهرت تقاربًا بين معسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت والائتلاف الذي يتزعمه بنيامين نتنياهو، دون أن يتمكن أي منهما من حسم الأغلبية البرلمانية اللازمة لتشكيل الحكومة المقبلة.
وأظهرت النتائج الأولية لانتخابات الكنيست الإسرائيلي، يوم الأربعاء، حصول معسكر رئيس حكومة الاحتلال “بنيامين نتنياهو” على 55 مقعدًا، مقابل 49 مقعدًا لـ”معسكر التغيير”، و16 مقعدًا للأحزاب العربية، بعد فرز 51.8% من الأصوات.
وذكرت القناة 12 العبرية، أن حزب “الليكود” بزعامة “نتنياهو”، تصدر توزيع المقاعد بحصوله على 27 مقعدًا، يليه حزب “يشار” بقيادة غادي آيزنكوت بـ21 مقعدًا.
وجاء توزيع المقاعد بحسب الأحزاب على النحو التالي: القائمة المشتركة 12 مقعدًا، وحزب “بيَحَد” معًا 11 مقعدًا، وحزب الديمقراطيين و”يهدوت هتوراة” 9 مقاعد لكل منهما، و”إسرائيل بيتنا” 8 مقاعد، وشاس 7 مقاعد، و”عوتسما يهوديت” 6 مقاعد، وتحالف الصهيونية الدينية وهوية 6 مقاعد، والقائمة العربية الموحدة (راعم) 4 مقاعد.
وتأتي هذه النتائج في ظل استمرار فرز الأصوات وتغير توزيع المقاعد مقارنة بالتقديرات الأولية التي أعقبت إغلاق صناديق الاقتراع مساء الثلاثاء، والتي أظهرت تقاربًا بين المعسكرين الرئيسيين، دون حصول أي منهما على أغلبية تتيح له تشكيل حكومة بمفرده.
وتحتاج أي حكومة إلى تأييد 61 عضوًا من أصل 120 في الكنيست، فيما تبقى النتائج الحالية أولية وقابلة للتغيير مع استمرار عملية الفرز.
وسيواجه “نتنياهو” صعوبة في تشكيل أي حكومة، حتى لو استمر حصوله في الساعات المقبلة على أعلى مقاعد، خاصة وأن الأحزاب المعارضة، ترفض الدخول معه في حكومة وحدة.
وكان “نتنياهو”، حذر في تعقيبه الأولي على النتائج من أن تحالف آيزنكوت مع الأحزاب العربية يعني تشكيل “حكومة إرهاب” على حد تعبيره.
وهذه هي السيناريوهات المتوقعة:
السيناريو الأول: تشكيل ائتلاف حكومي
يتمثل السيناريو الأول في نجاح أحد المعسكرين في بناء ائتلاف قادر على تأمين 61 مقعدًا، وهو ما يتطلب مفاوضات مع أحزاب أخرى وتقديم تنازلات بشأن الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية.
وفي هذا السياق، يُنتظر أن يجري الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ مشاورات مع ممثلي الأحزاب لتحديد المرشح الأوفر حظًا لتشكيل الحكومة، استنادًا إلى قدرته على حشد الدعم البرلماني، وليس بالضرورة إلى الحزب الذي يحصل على أكبر عدد من المقاعد.
وتواجه مهمة نتنياهو صعوبات في استقطاب شركاء جدد، خصوصًا مع إخفاق بعض الأحزاب اليمينية الصغيرة في تجاوز نسبة الحسم اللازمة لدخول الكنيست، وهو ما يحد من الخيارات المتاحة أمام معسكره.
في المقابل، تبدو فرص معسكر المعارضة مرتبطة بقدرته على جمع عدد كافٍ من المقاعد وتجاوز الخلافات بين مكوناته، فضلًا عن تحديد طبيعة العلاقة مع الأحزاب العربية.
وقد تؤدي المصالح الحزبية المتباينة إلى إطالة المفاوضات، أو إلى تشكيل ائتلاف هش يصعب عليه الاستمرار في ظل الانقسامات الداخلية.
السيناريو الثاني: تشكيل حكومة أقلية بدعم الأحزاب العربية
يتمثل السيناريو الثاني في تشكيل حكومة لا تمتلك أغلبية برلمانية ثابتة، لكنها تستطيع الاستمرار من خلال الحصول على دعم أحزاب أخرى في التصويت على القوانين والقرارات، أو ضمان امتناعها عن التصويت ضدها.
وفي هذه الحالة، قد تصبح الأحزاب العربية عاملًا حاسمًا في تحديد هوية الحكومة المقبلة، في ضوء النتائج الأولية التي تشير إلى حصول القائمتين العربيتين على ما بين 17 و18 مقعدًا.
وأبدت القائمة العربية الموحدة «راعم»، برئاسة منصور عباس، انفتاحًا على العمل مع معسكر آيزنكوت، فيما عرضت القائمة المشتركة توفير شبكة أمان برلمانية لأي تحالف ينجح في إقصاء نتنياهو عن السلطة.
ويستحضر هذا الاحتمال تجربة الحكومة الإسرائيلية التي تشكلت عام 2021، عندما شاركت القائمة العربية الموحدة في ائتلاف حكومي بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد، واستمر حتى عام 2022.
غير أن هذا السيناريو يواجه عقبات سياسية كبيرة، في ظل رفض قطاعات من المعسكرات الصهيونية الاعتماد على الأحزاب العربية في تشكيل الحكومة، فضلًا عن عدم إعلان آيزنكوت موقفًا واضحًا بشأن الاستناد إلى دعمها لتأمين الأغلبية أو ضمان استمرار حكومته.
كما حذر نتنياهو من تشكيل حكومة تعتمد على القوائم العربية، ما يعكس حجم الصراع السياسي بشأن دور المواطنين الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة عام 1948 في تحديد موازين القوى الحكومية.
السيناريو الثالث: تشكيل حكومة وحدة وطنية
يطرح السيناريو الثالث إمكانية تشكيل حكومة وحدة وطنية تجمع قوى من المعسكرين المتنافسين، في محاولة لتجاوز أزمة تشكيل الحكومة ومنع الذهاب إلى انتخابات جديدة.
ورغم أن هذا الخيار يبدو صعبًا في ظل الاستقطاب السياسي الحاد، فإنه يظل مطروحًا نظريًا، خصوصًا إذا أخفق نتنياهو وآيزنكوت في تأمين أغلبية برلمانية مستقرة.
وقد يقوم هذا التوجه على تخلي نتنياهو عن بعض حلفائه من الأحزاب اليمينية والدينية المتشددة، مقابل الدخول في شراكة مع قوى من معسكر المعارضة، لا سيما أن نتنياهو وآيزنكوت يتقاطعان في عدد من التصورات الأمنية، رغم اختلافهما بشأن إدارة الحكم ومستقبل القيادة السياسية.
وأظهر استطلاع نُشر في 16 أكتوبر/تشرين الأول أن 55% من الإسرائيليين يفضلون تشكيل حكومة وحدة وطنية على الذهاب إلى انتخابات جديدة، في حال تعذر الوصول إلى أغلبية واضحة.
وتوجد سابقة لهذا الخيار عام 2020، عندما توصل نتنياهو وبيني غانتس إلى اتفاق لتقاسم السلطة وتناوب رئاسة الحكومة، عقب ثلاث جولات انتخابية خلال أقل من عام. لكن تلك الشراكة انهارت بعد نحو عام، ما أدى إلى انتخابات جديدة.
ويواجه هذا السيناريو معارضة من قوى داخل معسكر آيزنكوت، التي خاضت الانتخابات على أساس إنهاء حكم نتنياهو، وشككت في أهليته لمواصلة القيادة، الأمر الذي يجعل التوصل إلى اتفاق من هذا النوع محفوفًا بالتحديات.
السيناريو الرابع: طريق مسدود وانتخابات جديدة
أما السيناريو الرابع، فيتمثل في فشل جميع المحاولات في تشكيل حكومة تحظى بدعم برلماني كافٍ، بما يضع إسرائيل أمام أزمة سياسية قد تنتهي بالدعوة إلى انتخابات جديدة.
ويبرز هذا الاحتمال إذا تعثرت المفاوضات بين الأحزاب، ولم يتمكن أي من المعسكرين من جمع 61 مقعدًا، أو إذا فشلت التفاهمات بشأن طبيعة الحكومة المقبلة ودور الأحزاب العربية فيها.
وبموجب الإجراءات القانونية، يحصل المرشح المكلف بتشكيل الحكومة على 28 يومًا لإنجاز المهمة، مع إمكانية تمديد المهلة 14 يومًا إضافيًا. وفي حال الإخفاق، يمكن أن تتبع ذلك إجراءات أخرى لتكليف مرشح جديد، قبل الوصول إلى خيار الانتخابات المبكرة.
ولا يمثل هذا الاحتمال سابقة في المشهد السياسي الإسرائيلي؛ إذ شهدت البلاد أربع جولات انتخابية بين أبريل/نيسان 2019 ومارس/آذار 2021، نتيجة العجز عن تشكيل ائتلاف حكومي مستقر.
وفي حال تكرر هذا المسار، ستدخل إسرائيل مرحلة جديدة من التجاذبات السياسية، وسط استمرار الانقسام بين معسكري نتنياهو والمعارضة، وصعود وزن الأحزاب العربية في الحسابات البرلمانية.
النتائج النهائية تحسم اتجاه المشهد
وتبقى السيناريوهات الأربعة مرتبطة بالنتائج النهائية للانتخابات، ومدى قدرة الأحزاب على تحويل المكاسب الانتخابية إلى تحالفات سياسية قابلة للاستمرار.
فالتقدم الأولي لمعسكر المعارضة لا يعني بالضرورة نجاحه في تشكيل الحكومة، كما أن حصول الليكود على أكبر عدد من المقاعد بين الأحزاب لا يضمن بقاء نتنياهو في السلطة.
وفي ظل غياب أغلبية واضحة، تتجه الأنظار إلى المفاوضات المقبلة، وإلى طبيعة العلاقة بين معسكر آيزنكوت والأحزاب العربية، باعتبارها من العوامل التي قد تحدد هوية الحكومة المقبلة، أو تدفع إسرائيل إلى أزمة سياسية جديدة.

