
المركز الفلسطيني للإعلام
تتفاقم تداعيات الأزمة الغذائية في قطاع غزة، مع استمرار ارتفاع معدلات سوء التغذية وتزايد المخاطر الصحية التي تطال الأطفال والنساء الحوامل وكبار السن، في وقت حذّرت فيه وزارة الصحة من وصول مستويات سوء التغذية إلى معدلات كارثية، معلنة تسجيل 466 وفاة نتيجة التجويع وسوء التغذية منذ عام 2024، بينهم 157 طفلًا.
وقالت وزارة الصحة في غزة، في بيان بمناسبة يوم الأغذية العالمي الذي يصادف 16 أكتوبر/تشرين الأول، إن الأزمة الغذائية في القطاع تجاوزت حدود نقص الاحتياجات الأساسية، لتتحول إلى تهديد مباشر لحياة السكان، في ظل التداعيات الصحية والإنسانية للحرب والحصار وتراجع القدرة على توفير الغذاء والعلاج للفئات الأكثر هشاشة.
وبحسب البيانات التي أوردتها الوزارة، فإن أكثر من 1.4 مليون فلسطيني، بما يعادل نحو 67% من سكان القطاع، يواجهون مستويات من انعدام الأمن الغذائي الحاد أو أشد منها، وسط تحذيرات من استمرار تداعيات الأزمة خلال الفترة المقبلة. وكانت المجاعة قد أُعلنت رسميًا في محافظة غزة في أغسطس/آب 2025.
الأطفال في قلب الكارثة
وتكشف الأرقام الصحية عن حجم التأثير الذي خلّفته الأزمة الغذائية على الأطفال، إذ سجلت وزارة الصحة 158,001 حالة سوء تغذية حاد بين الأطفال دون سن الخامسة منذ عام 2024 وحتى أغسطس/آب 2026، من بينها 28,716 حالة شديدة الخطورة.
وتزداد المخاوف من اتساع دائرة الإصابات، مع تقديرات تشير إلى أن نحو 74,200 طفل سيحتاجون إلى العلاج من سوء التغذية الحاد حتى أبريل/نيسان 2027، الأمر الذي يضع المنظومة الصحية أمام احتياجات متزايدة، خصوصًا في ظل النقص الحاد في الإمكانات والمستلزمات الطبية.
ولا تقتصر مخاطر سوء التغذية على فقدان الوزن أو الضعف الجسدي، بل تمتد إلى التأثير في النمو والتطور الصحي للأطفال، ورفع احتمالات الإصابة بالأمراض والمضاعفات التي قد تهدد حياتهم، لا سيما في المراحل العمرية الأولى.
وفي مؤشر على التدهور الصحي، أشارت البيانات إلى ارتفاع معدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة من 13.6 وفاة لكل ألف مولود حي عام 2022 إلى 33.4 وفاة عام 2025، فيما بلغت نسبة التقزم بين الأطفال 12.2%، بما يعكس خطورة التداعيات الممتدة للأزمة الغذائية.
كبار السن والحوامل يدفعون الثمن
ولا تتوقف آثار التجويع عند الأطفال، إذ طالت كبار السن الذين يواجهون مخاطر مضاعفة بفعل الأمراض المزمنة والحاجة إلى التغذية المنتظمة والرعاية الطبية. ووفق بيانات الوزارة، سُجلت 189 وفاة بين كبار السن نتيجة التجويع وسوء التغذية، بما يمثل نحو 40.5% من إجمالي الوفيات المعلنة.
وتبرز هذه الأرقام حجم المخاطر التي تهدد الفئات الأكثر هشاشة، خصوصًا في ظل صعوبة الحصول على الغذاء الكافي والمتنوع، وما يرافق ذلك من تراجع القدرة على التعامل مع الأمراض والمضاعفات الصحية.
أما النساء الحوامل، فتواجهن بدورهن تداعيات خطيرة؛ إذ ارتفعت نسبة فقر الدم بينهن إلى 61% خلال عام 2026، مقارنة بنحو 41% قبل الحرب، فيما سُجلت قرابة أربعة آلاف حالة فقدان حمل خلال النصف الأول من العام الجاري، بحسب البيانات الواردة في التقرير الصحي.
كما صُنّفت حالة حمل واحدة من كل ثلاث ضمن حالات الحمل عالية الخطورة، وهو ما يسلط الضوء على الأعباء الصحية التي تتحملها النساء في ظل نقص الغذاء والرعاية الطبية، ويثير مخاوف بشأن سلامة الأمهات والأجنة والمواليد.
أزمة تتجاوز توفير الوجبات
وتشير هذه المؤشرات إلى أن الأزمة الغذائية في غزة لم تعد محصورة في نقص المواد الأساسية، بل باتت مرتبطة بتداعيات صحية متراكمة تشمل سوء التغذية الحاد، وارتفاع معدلات الوفيات، واضطرابات النمو لدى الأطفال، والمخاطر التي تواجه الحوامل وكبار السن.
وتتفاقم خطورة الوضع مع الحاجة إلى توفير أغذية علاجية ومكملات غذائية وأدوية، إلى جانب ضمان وصول المساعدات بصورة منتظمة، بما يسمح بمعالجة الحالات المصابة والحد من انتقال الأزمة إلى مزيد من الفئات السكانية.
وفي هذا السياق، دعت وزارة الصحة المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى التحرك العاجل لضمان إدخال الغذاء والمكملات الغذائية العلاجية والأدوية إلى القطاع بصورة آمنة ومستدامة ودون قيود، مع إعطاء الأولوية للأطفال والنساء الحوامل والمرضعات وكبار السن.
كما شددت على أهمية دعم الإنتاج الغذائي المحلي وإعادة إحيائه في غزة، مؤكدة أن الحق في الغذاء حق إنساني أصيل لا يجوز المساس به حتى في أوقات الحروب.
وبين أرقام الوفيات واتساع حالات سوء التغذية، تبدو الأزمة الغذائية في قطاع غزة أبعد من كونها حالة طوارئ مؤقتة؛ إذ تترك آثارًا صحية وإنسانية قد تمتد لسنوات، ما يجعل توفير الغذاء الكافي والعلاج والرعاية الصحية ضرورة عاجلة لحماية حياة السكان والحد من تداعيات الكارثة.

