
المركز الفلسطيني للإعلام
لم تبدأ الحكاية الفلسطينية في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لكن إسرائيل وحلفاءها حاولوا منذ الساعات الأولى للحرب تثبيت هذا التاريخ باعتباره نقطة الصفر التي ينبغي أن يبدأ منها العالم قراءة الصراع، في محاولة لعزل الحدث عن سياقه الممتد لعقود من النكبة والاحتلال والاستيطان والحصار.
وفي المقابل، برزت أصوات سياسية وأكاديمية وإعلامية، فلسطينية وعربية وغربية، تؤكد أن فهم ما جرى في 7 أكتوبر لا يمكن أن يتم عبر اقتطاعه من سياقه، وأن السؤال عن “بداية الحكاية” ليس تفصيلاً تاريخيًا، بل معركة على تفسير من المعتدي ومن الواقع تحت الاحتلال، ومن يملك حق صياغة الرواية.
التاريخ لم يبدأ في 7 أكتوبر
كان الأكاديمي والصحفي الأمريكي مارك لامونت هيل من أكثر الأصوات وضوحًا في هذه المسألة، إذ قال في خطاب له إن هناك من “يريدون أن يقنعوكم أن التاريخ بدأ في 7 أكتوبر”، مؤكدًا أن الشعب الفلسطيني “يعاني من الجحيم منذ أكثر من مائة عام”.
وأضاف هيل أن المشكلة، من وجهة نظره، لا تكمن في الفلسطينيين، وإنما في إسرائيل بوصفها دولة استعمارية استيطانية وفصل عنصري.
وتختصر تصريحات هيل جوهر المعركة على الرواية: فاختيار السابع من أكتوبر كنقطة بداية وحيدة يعني، عمليًا، إسقاط ما سبقه من تاريخ، وتحويل عقود من الاحتلال والاستيطان والتهجير والحصار إلى تفاصيل ثانوية لا تدخل في تفسير الانفجار.
من النكبة إلى الحصار.. سياق جرى دفعه إلى الخلف
وفي قراءة، يؤكد الكاتب إسماعيل الريماوي أن إسرائيل، مدعومة بحلفائها الغربيين، سعت إلى تكريس رواية تجعل الصراع يبدأ في 7 أكتوبر، بحيث تتحول كل الأحداث التي تلت ذلك إلى “حق مشروع في الدفاع عن النفس”.
ويرى الريماوي أن الوقائع السابقة تدحض هذه الصورة، مستعرضًا النكبة عام 1948، واحتلال عام 1967، والاستيطان ومصادرة الأراضي والتهجير والاقتحامات، وصولًا إلى حصار قطاع غزة منذ عام 2007 والحروب المتكررة عليه.
ويخلص إلى أن اختزال القضية الفلسطينية في السابع من أكتوبر لا يغيّر التاريخ فحسب، بل يعيد ترتيب مواقع الضحية والجلاد في الرواية السياسية والإعلامية.
غوتيريش: 7 أكتوبر لم يحدث من فراغ
حتى على المستوى الدولي، ظهرت مواقف ترفض فصل 7 أكتوبر عن سياقه التاريخي، فالأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قال، في موقف أثار غضب إسرائيل، إن هجمات 7 أكتوبر “لم تحدث من فراغ”، مشيرًا إلى عقود من الاحتلال، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن المظالم الفلسطينية لا تبرر الهجمات على المدنيين.
وفي المقابل، أكد غوتيريش أن هجمات 7 أكتوبر لا تبرر العقاب الجماعي للفلسطينيين.
وبذلك وضع غوتيريش المسألة في إطار مختلف: يمكن إدانة ما حدث في 7 أكتوبر، من دون إلغاء التاريخ الذي سبقه، كما يمكن رفض الهجوم على المدنيين من دون منح الاحتلال حصانة من المساءلة.
إسرائيل: “7 أكتوبر هو نقطة الصفر”
في الجهة المقابلة، سارت الرواية الإسرائيلية في الاتجاه المعاكس تمامًا، وتوضح قراءة أخرى أن إسرائيل تعاملت مع 7 أكتوبر باعتباره “نقطة الصفر”، وجعلت من الهجوم والرهائن والقتلى المدخل الأساسي لقراءة الحرب، بالتوازي مع استدعاء كثيف لذاكرة المحرقة وشعار “لن تتكرر”.
حتى داخل إسرائيل نفسها، لم تخلُ هذه المقارنة من نقاش؛ إذ رأت الباحثة تامي هوفمان في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية أن فشل الدولة والجيش في حماية المواطنين أعاد بقوة الربط بين 7 أكتوبر وذاكرة المحرقة، مع التأكيد على وجود فروق تاريخية وسياسية كبيرة بين الحدثين.
وهكذا تحولت ذاكرة 7 أكتوبر إلى أداة مركزية في تشكيل الرواية الإسرائيلية للحرب، فيما جرى دفع تاريخ الاحتلال إلى الصفوف الخلفية.
جون سيمبسون: مهمة الإعلام عرض الوقائع
وفي الإعلام الغربي، لم تكن الصورة موحدة تمامًا، جون سيمبسون، محرر الشؤون الدولية في هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، دافع عن امتناع المؤسسة عن استخدام وصف “الإرهابيين” في صوتها التحريري، مع تأكيده أن ما وقع في 7 أكتوبر تضمن فظائع بحق المدنيين.
وقال إن وظيفة المؤسسة الإعلامية هي عرض الوقائع، لا تبني توصيفات الأطراف المتصارعة.
ويكتسب هذا الموقف أهميته من كونه يكشف عن مساحة داخل الإعلام الغربي لم تقبل بالكامل أن تتحول اللغة الإسرائيلية إلى لغة إعلامية ملزمة للجميع.
من “حق الدفاع” إلى مساءلة إسرائيل
لكن التحول الأبرز لم يكن في اختفاء الإدانة الغربية لـ7 أكتوبر، وإنما في تغير الأسئلة التي بدأ الإعلام يطرحها على إسرائيل.
فبحسب القراءة ذاتها، انتقل النقاش تدريجيًا من سؤال: لماذا تملك إسرائيل “حق الدفاع عن نفسها”؟ إلى أسئلة أكثر إحراجًا: ماذا يفعل الجيش الإسرائيلي؟ كيف تُحسب الخسائر؟ وما الهدف السياسي من الحرب؟ وماذا سيحدث بعد انتهائها؟
ويبرز الإعلامي البريطاني بيرس مورغان مثالًا على هذا التحول؛ إذ ظل يؤكد إدانته لهجوم 7 أكتوبر، لكنه بدأ في الوقت نفسه بمساءلة المسؤولين الإسرائيليين بشأن التناقض بين الأرقام التي تعلن عن قتلى المقاومة والأرقام المتعلقة بالأطفال الفلسطينيين الذين قتلوا خلال الحرب.
أما الإعلامي البريطاني نيك فيراري، الذي يصف نفسه بأنه “صديق” لإسرائيل، فوصف قتل سبعة من موظفي منظمة “المطبخ المركزي العالمي” في غزة بأنه “لا يمكن الدفاع عنه”، ودعا إلى تعليق مؤقت لمبيعات السلاح البريطانية لإسرائيل.
حتى المؤيدون لإسرائيل بدأوا يسألون: إلى أين؟
ولم يعد النقد مقتصرًا على الأصوات المناهضة لإسرائيل، فالاعلامي الأمريكي فريد زكريا طرح سؤالًا يتعلق بجدوى الحرب نفسها، وقال في أكتوبر/تشرين الأول 2024 إنه لا يرى خطة سياسية لدى بنيامين نتنياهو لما بعد الحرب في غزة.
أما جو سكاربره، فانتقد مسار الحكومة الإسرائيلية، وربط استمرار دعمه لإسرائيل بضرورة وجود شريك إسرائيلي مسؤول.
وهنا تغير مركز النقاش: لم يعد السؤال محصورًا في “حق إسرائيل في الرد”، بل أصبح متعلقًا بما إذا كانت الحرب تحقق هدفًا سياسيًا، وما إذا كانت القيادة الإسرائيلية تملك أصلًا تصورًا لليوم التالي.
تاكر كارلسون: ماذا تكسب أمريكا؟
وفي اتجاه مختلف، ظهر نقد أمريكي من داخل اليمين نفسه.
الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون طرح سؤالًا مباشرًا حول طبيعة العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، متسائلًا: “ماذا تكسب الولايات المتحدة من دعم إسرائيل، ولماذا تتحمل كلفة حروب لا يرى أنها تخدم الأميركيين؟”
ولا يعني هذا الموقف تبني الرواية الفلسطينية، لكنه يكشف عن تصدع في واحدة من أكثر القواعد ثباتًا في النقاش الأمريكي حول إسرائيل، حيث بدأ بعض الأصوات يميز بين دعم إسرائيل وبين التسليم بكل ما تفعله حكومتها.
المعركة لم تعد على 7 أكتوبر فقط
وهنا تكمن أهمية حرب السرديات، فإسرائيل تريد أن يكون السؤال: ماذا فعل الفلسطينيون في 7 أكتوبر، بينما تعيد الرواية الفلسطينية السؤال إلى الوراء: ماذا كان يحدث قبل 7 أكتوبر؟
والحقيقة أن السؤالين لا يلغي أحدهما الآخر.
وقد أظهر استطلاع للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، شمل 8000 شخص في 16 مجتمعًا عربيًا، أن 67% وصفوا هجوم 7 أكتوبر بأنه “عملية مقاومة مشروعة”، فيما رأى 19% أنه مشروع مع أخطاء جسيمة، مقابل 5% اعتبروه غير مشروع. كما أظهر الاستطلاع تضامنًا عربيًا واسعًا مع الفلسطينيين حتى لدى قطاعات تعارض بشدة حركة حماس.
التاريخ الذي يريد الاحتلال محوه
من النكبة إلى الاحتلال والاستيطان، ومن تهويد القدس إلى حصار غزة، لم تبدأ القضية الفلسطينية في صباح السابع من أكتوبر.
لكن أهمية 7 أكتوبر بالنسبة لإسرائيل تكمن في أنه أتاح لها إعادة ترتيب الرواية: جعل الحدث بداية، وجعل ما سبقه خلفية، ثم استخدام هذه البداية لتفسير كل ما تلاها.
ولهذا أصبحت المعركة على التاريخ جزءًا من الحرب نفسها.
محطة ضمن سلسلة طويلة
بدوره قال الكاتب هلال نصار إن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لم يبدأ في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وإنما يمثل هذا التاريخ محطة ضمن سلسلة طويلة من الأحداث التي تعود جذورها إلى عقود سبقت ذلك اليوم.
وأضاف نصار في تصريح لمراسلنا أن جذور الصراع تمتد إلى وعد بلفور عام 1917، مرورًا بالانتداب البريطاني والهجرة اليهودية المتزايدة إلى فلسطين، وصولًا إلى حرب عام 1948 وما رافقها من نكبة الفلسطينيين وتهجير مئات الآلاف منهم، ثم حرب عام 1967 واحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس.
وأوضح أن الصراع شهد لاحقًا الانتفاضتين الأولى والثانية، والحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ عام 2007، إلى جانب التوسع الاستيطاني المستمر والعمليات العسكرية الإسرائيلية المتكررة على القطاع، ولا سيما حروب 2008-2009 و2012 و2014 و2021، وصولًا إلى الحرب التي اندلعت عقب 7 أكتوبر 2023.
وأضاف أن اختزال الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بأكمله في أحداث ذلك اليوم من شأنه أن يمحو التاريخ ويُسهّل تجاهل جذور القضية والأسباب التي راكمت الصراع على مدى عقود.
وأشار نصار إلى أن تاريخ الصراع حافل بحروب ومجازر وهجمات، موضحًا أن حرب عام 1948 شهدت نكبة الفلسطينيين وتهجير مئات الآلاف منهم، إلى جانب مجازر، من بينها دير ياسين.
وأضاف أن حرب عام 1967 أدت إلى احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، إلى جانب سيناء والجولان، وتسببت في موجة نزوح جديدة للفلسطينيين، فيما شهد عام 1982 مجازر صبرا وشاتيلا في لبنان، التي راح ضحيتها آلاف المدنيين الفلسطينيين.
وأوضح نصار أن الحروب الإسرائيلية المتكررة على قطاع غزة، ولا سيما أعوام 2008-2009 و2012 و2014 و2021، أوقعت آلاف الضحايا الفلسطينيين، بينهم نساء وأطفال.
وقال نصار إن هذه الحروب والمجازر والهجمات المتكررة تؤكد أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أعمق بكثير من يوم واحد، وأضاف أن اختزال تاريخ طويل ومليء بالأحداث في تاريخ واحد لا يؤدي إلا إلى إخفاء هذا الواقع المرير والمتكرر، ويحول دون فهم جذور الصراع وتعقيداته والمسار الذي أوصل المنطقة إلى ما هي عليه اليوم.

