7 قوانين تعيد هندسة الاستيطان بالضفة.. من السيطرة العسكرية إلى الضم القانوني

7 قوانين تعيد هندسة الاستيطان بالضفة.. من السيطرة العسكرية إلى الضم القانوني

المركز الفلسطيني للإعلام

لم تعد السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية تقتصر على الحواجز العسكرية والمستوطنات وأوامر مصادرة الأراضي، بل تتجه بصورة متسارعة نحو إعادة صياغة المنظومة القانونية والإدارية التي تحكم الأرض والسكان، بما يرسّخ حضور المؤسسات الإسرائيلية ويفتح المجال أمام توسيع الاستيطان وتغيير الواقع على الأرض.

وخلال السنوات الأخيرة، دفعت الحكومة الإسرائيلية الحالية بسلسلة من القوانين والقرارات والإجراءات التي مست بصورة مباشرة العلاقة بين الفلسطينيين وأراضيهم، في مسار تصفه جهات فلسطينية ومنظمات حقوقية بأنه يتجاوز الاستيطان التقليدي إلى ترسيخ ضم فعلي للضفة الغربية، عبر تحويل السيطرة العسكرية إلى منظومة مدنية وقانونية إسرائيلية أكثر رسوخًا.

ولا تعمل هذه الإجراءات بصورة منفصلة؛ إذ يكمل بعضها بعضًا ضمن منظومة متشابكة: قانون يفتح الطريق أمام عودة المستوطنين إلى مناطق أخليت سابقًا، وآخر يسهل شراء الأراضي، وإجراء يكشف بيانات مالكيها، وآخر يعيد تسجيل الأراضي، فيما تُنقل صلاحيات التخطيط والإدارة تدريجيًا إلى مؤسسات إسرائيلية.

1. إلغاء قيود “فك الارتباط”.. بوابة العودة إلى شمال الضفة

كانت إحدى أبرز الخطوات تعديل قانون “فك الارتباط” الذي أقره الكنيست عام 2023، وألغى قيودًا كانت تمنع الإسرائيليين من الدخول والإقامة في أجزاء من شمال الضفة الغربية ومستوطنات أُخليت عام 2005.

وبحسب الكنيست، ألغى التعديل أحكامًا كانت تمنع الدخول والإقامة وإدخال الممتلكات إلى المناطق التي أُخليت في شمال الضفة، كما أتاح إمكانية نشوء حقوق عقارية إسرائيلية جديدة فيها.

وبذلك تحول القانون من أداة مرتبطة بإخلاء المستوطنات إلى بوابة لإعادة الوجود الاستيطاني إلى المناطق نفسها، ولا سيما حومش وسانور وغانيم وكاديم، بما يعيد رسم الخريطة الاستيطانية شمال الضفة.

2. إلغاء الحظر الأردني على بيع الأراضي.. تسهيل التملك المباشر

في فبراير/شباط 2026، اتجهت الحكومة الإسرائيلية إلى إلغاء القيود المرتبطة بالقانون الأردني الذي كان يحظر بيع الأراضي والعقارات في الضفة الغربية لليهود.

وتسمح هذه الخطوة، وفق المادة، للمستوطنين الإسرائيليين بشراء الأراضي والعقارات بصورة شخصية ومباشرة، بعدما كانت عمليات الشراء تحتاج إلى أطر ووساطات قانونية مختلفة.

ويفتح ذلك الباب أمام تسهيل عمليات الاستحواذ على الأراضي الفلسطينية، خصوصًا في المناطق التي تشهد توسعًا استيطانيًا، ويمنح ملف الملكية العقارية بعدًا جديدًا في الصراع على الأرض.

3. رفع السرية عن سجلات الأراضي.. فتح بيانات الملكية أمام الاستيطان

في مارس/آذار 2026، أُقر إجراء يقضي برفع السرية عن سجلات الأراضي “الطابو” في الضفة الغربية، بما يتيح للجهات الإسرائيلية والمستوطنين الوصول إلى بيانات تتعلق بمالكي الأراضي الفلسطينيين.

وتكمن خطورة الخطوة، وفق التقرير، في أنها لا تقتصر على إتاحة المعلومات، بل يمكن أن تسهّل الوصول المباشر إلى أصحاب الأراضي ومحاولة إبرام صفقات شراء أو ممارسة ضغوط عليهم، بالتزامن مع إزالة قيود أخرى أمام عمليات التملك.

كما يرتبط الإجراء بملف الأراضي غير المسجلة، ولا سيما في المنطقة “ج”، بما قد يفتح الباب أمام استغلال الثغرات القانونية في تسجيل الملكيات.

وحذرت الحملة الأكاديمية الدولية لمناهضة الاحتلال والأبارتهايد الإسرائيلي من أن رفع السرية عن السجلات العقارية أو نقل صلاحيات تسجيل الأراضي إلى جهات إسرائيلية يمثل تحولًا بنيويًا يمس جوهر الصراع على الأرض، ويهدد منظومة الحماية القانونية للملكية الخاصة الفلسطينية.

وأشارت إلى أن السجل العقاري يمثل خط دفاع قانونيًا أساسيًا عن الملكيات العامة والخاصة، محذرة من تحويل البيانات العقارية إلى أداة لإعادة تشكيل السيطرة على الأرض.

كما لفتت إلى أن نقل صلاحيات تسجيل الأراضي في مناطق “ج” يغيّر الوضع القائم منذ اتفاقية المرحلة الانتقالية عام 1995 ويقوض ولاية السلطة الفلسطينية، فيما تتعارض هذه الإجراءات، بحسب الحملة، مع أحكام القانون الدولي المتعلقة بواجبات القوة القائمة بالاحتلال.

4. تسوية الأراضي.. عندما تتحول الأرض غير المسجلة إلى مدخل للضم

تأتي إعادة فتح ملف تسوية الأراضي لتشكل حلقة محورية في هذه المنظومة.

ففي فبراير/شباط 2026، أقرت الحكومة الإسرائيلية إجراءات لإطلاق عملية واسعة لتسجيل وتسوية الأراضي في الضفة الغربية، خصوصًا في المنطقة “ج”.

وتقول إسرائيل إن الهدف هو تنظيم الملكية وتسجيل الحقوق العقارية، إلا أن المخاوف الفلسطينية تتركز على الأراضي التي لا يستطيع أصحابها تقديم الوثائق التي تطلبها السلطات الإسرائيلية لإثبات ملكيتهم.

وفي هذه الحالة، يمكن أن تنتقل الأرض من وضعية “أرض فلسطينية غير مسجلة” إلى أرض تُعامل باعتبارها “أراضي دولة”، بما يفتح المجال أمام استخدامها في التوسع الاستيطاني أو مشاريع البنية التحتية.

وهكذا يتحول السجل العقاري من مجرد أداة لتنظيم الملكية إلى أحد ميادين الصراع الأساسية على الأرض، خصوصًا في المناطق التي يسعى الاحتلال إلى تثبيت سيطرته عليها.

5. سحب صلاحيات التخطيط والبناء في الخليل.. السيطرة على شكل المدينة

في الخليل، انتقلت المواجهة من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على القرار العمراني.

ففي يونيو/حزيران 2026، سحبت إسرائيل صلاحيات التخطيط والبناء في منطقة حساسة من الخليل كانت تخضع لترتيبات فلسطينية ضمن اتفاق الخليل الموقع عام 1997.

وأعلن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش أن الخطوة تأتي في إطار تعزيز ما وصفه بالسيادة الإسرائيلية في الضفة الغربية.

وتكتسب الخطوة أهمية خاصة بسبب طبيعة الترتيبات التي أبقت جانبًا من الصلاحيات المدنية الفلسطينية في المناطق التي تخضع أمنيًا للسيطرة الإسرائيلية.

وبالتالي، فإن سحب صلاحيات التخطيط لا يتعلق فقط بمن يسيطر أمنيًا على الشارع، بل بمن يملك القدرة على تحديد أين يُبنى البيت الفلسطيني، وأين يقام المشروع الاستيطاني، وكيف يتغير الشكل العمراني للمدينة.

6. توسيع السيطرة على المواقع الأثرية والبيئية.. تجاوز حدود “أوسلو”

في مايو/أيار 2026، وافق الكنيست بالقراءة الأولى على مشروع قانون لإنشاء ما يسمى “هيئة تراث يهودا والسامرة”، بما يمنح السلطات الإسرائيلية صلاحيات أوسع لفرض القانون الإسرائيلي على الحدائق والمحميات الطبيعية والمواقع الأثرية في الضفة الغربية.

وتثير الخطوة إشكالية خاصة لأنها توسع نطاق الصلاحيات الإسرائيلية إلى مناطق “أ” و”ب” التي تخضع، وفق ترتيبات أوسلو، لصلاحيات مدنية فلسطينية بدرجات مختلفة.

وتحت عنوان حماية الآثار والبيئة، يمنح مشروع القانون سلطات الاحتلال صلاحيات إضافية في الرقابة والهدم، فيما أعلنت إسرائيل مشروعًا يمنح وزير التراث صلاحيات واسعة للإشراف على آثار الضفة الغربية.

وأثارت هذه الخطوات انتقادات من منظمات إسرائيلية ودولية، خصوصًا في ظل الحديث عن مخطط لمصادرة أراضٍ أثرية في سبسطية شمال الضفة الغربية لإقامة ما يسمى “منتزه شومرون الوطني”.

وفي بيان مشترك، وصفت منظمات “السلام الآن” و”مبادرة جنيف” و”عيمق شافيه” المشروع بأنه “ضم خارج الحدود الإقليمية”، محذرة من أن توسيع الصلاحيات الإسرائيلية إلى المنطقتين “أ” و”ب” يقوض عمليًا ترتيبات اتفاق أوسلو بشأن المسؤولية المدنية عن الآثار.

7. نقل الصلاحيات من الجيش إلى مؤسسات مدنية إسرائيلية

أما التحول الأكثر عمقًا فيتعلق بنقل ملفات كانت تُدار عبر منظومة الحكم العسكري إلى مؤسسات مدنية إسرائيلية.

وخلال أغسطس/آب 2026، اتجهت الحكومة الإسرائيلية إلى توسيع صلاحيات المؤسسات المدنية في ملفات التخطيط والبناء والأراضي وتنظيم شؤون المستوطنين، بما يعيد صياغة طبيعة إدارة الضفة الغربية.

وتبرز الخليل مجددًا كنموذج لهذا التحول، مع انتقال صلاحيات تتعلق بالتخطيط والبناء في مناطق ومواقع حساسة إلى مؤسسات إسرائيلية.

ولا يتعلق الأمر بمجرد نقل الصلاحيات من جهة إلى أخرى، بل بتحول تدريجي من نموذج إدارة عسكرية يُفترض أنه مؤقت إلى منظومة مدنية إسرائيلية أكثر رسوخًا.

وقد أثار هذا المسار اعتراضات داخل المؤسسات القانونية الإسرائيلية نفسها، إذ حذرت المستشارة القانونية للجنة في سياق مشروع قانون “هيئة التراث” من أن نقل الصلاحيات إلى هيئة إسرائيلية مدنية يمثل خروجًا كبيرًا عن النموذج القائم على إدارة المنطقة من خلال القائد العسكري.

من الاستيطان إلى إعادة هندسة منظومة الحكم

وتكشف هذه الإجراءات مجتمعة عن تحول في طبيعة المشروع الاستيطاني؛ فلم يعد الأمر متعلقًا فقط ببناء وحدات استيطانية جديدة أو توسيع المستوطنات القائمة، بل بإعادة بناء البيئة القانونية والإدارية التي تتحكم في الأرض.

فالاستيطان يحتاج إلى الأرض، والأرض تحتاج إلى سجل، والسجل يحتاج إلى سلطة تسجيل، وسلطة التسجيل تحتاج إلى صلاحيات، والتخطيط يحتاج إلى مؤسسات قادرة على فرض قراراتها.

ومن هنا تتضح الصورة الأوسع: انتقال تدريجي من إدارة أجزاء من الضفة الغربية عبر أدوات الاحتلال العسكري إلى إدارة متزايدة عبر مؤسسات وأدوات مدنية وقانونية إسرائيلية.

وبحسب تحليل لمعهد واشنطن، فإن الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة في الضفة تشمل نقل صلاحيات من الإدارة المدنية والجيش إلى جهات حكومية مدنية، إلى جانب تسهيل شراء الأراضي وتسجيلها، وهي خطوات يرى المعهد أنها تسرّع ما يسميه “الضم الفعلي” للضفة.

كما وثقت منظمة العفو الدولية عشرات مشاريع القوانين والمقترحات الإسرائيلية التي تستهدف توسيع تطبيق القانون المدني الإسرائيلي في الضفة، ونقل الصلاحيات الإدارية، وإضفاء شرعية بأثر رجعي على البؤر الاستيطانية، وتعزيز السيطرة على المنطقة “ج”.

وفي السياق ذاته، قال الاتحاد الأوروبي إن سياسات إسرائيل الاستيطانية خلال 2025 شهدت تسارعًا في التخطيط والبناء وترسيخ آليات الحكم المدني الإسرائيلي، مشيرًا إلى أن هذه التطورات تعمق التحول الإقليمي والمؤسسي في الضفة الغربية.

وبذلك، فإن المعركة على الضفة لم تعد تدور فقط حول مساحة الأرض التي تُصادر أو عدد المستوطنات التي تُبنى، وإنما حول القواعد التي ستحدد مستقبل ملكية الأرض، وإدارتها، والتخطيط عليها، والجهة التي تملك سلطة اتخاذ القرار بشأنها.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest