
المركز الفلسطيني للإعلام
في وقت تتعالى فيه الأصوات العربية والإسلامية تنديدا برفض إسرائيل لخارطة الطريق لاستكمال تنفيذ خطة ترامب في قطاع غزة، بعد موافقة حماس والفصائل الفلسطينية، جاء تحرك المبعوث الأمريكي جاريد كوشنير في ما بدا محاولة لإنقاذ المسار من التعثر.
وفد حركة حماس دخل لقاءه مع كوشنير برسالة واضحة: الحركة وافقت على ما طُلب منها، والكرة الآن في الملعب الإسرائيلي والأميركي. في المقابل، يبدو أن رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعيد النظر في تفاهمات سبق أن وافق عليها، بما يضع الإدارة الأميركية أمام اختبار حقيقي لقدرتها على ضمان تنفيذ ما تم الاتفاق عليه.
نحن وافقنا.. الآن دوركم مع نتنياهو
ويرى الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة أن جوهر لقاء وفد حماس مع كوشنير يمكن اختصاره برسالة واحدة: “نحن وافقنا.. الآن دوركم مع نتنياهو.”
ويشير إلى أن وفد الحركة لم يذهب إلى اللقاء بهدف فتح مفاوضات جديدة بشأن ورقة ميلادينوف المؤلفة من 15 بندًا، بعدما جرى نقاشها مطولًا ووافقت عليها حماس، وبالتالي فإن المرحلة الحالية، وفق هذا التصور، ليست مرحلة تفاوض على مضمون الورقة، بل اختبار لمدى التزام إسرائيل بتنفيذها.
ويضيف عفيفة في تعليق له عبر صفحته في فيسبوك أن الوفد الفلسطيني شدد أمام كوشنير على مبدأ “التبادلية”، أي أن تكون الخطوات متزامنة ومتقابلة بين الطرفين، بحيث لا تُطلب تنازلات أو إجراءات فلسطينية من دون مقابل إسرائيلي واضح، وهو ما يعيد المسؤولية إلى واشنطن، التي سبق أن قدمت تطمينات بأن موافقة حماس ستقابلها موافقة إسرائيلية على تنفيذ الالتزامات.
ولا يرى عفيفة أهمية اللقاء في كونه قناة اتصال بين حماس والإدارة الأميركية فحسب، بل في كونه يضع واشنطن أمام سؤال أكثر صعوبة: هل ستستخدم نفوذها لإلزام نتنياهو بما تم التوافق عليه، أم ستتعامل مع المرحلة باعتبارها مساحة جديدة للمماطلة وكسب الوقت؟
نتنياهو والانتخابات.. حسابات تتجاوز الاتفاق
من جهته، يقرأ المختص في الشأن الإسرائيلي فراس ياغي تحرك كوشنير من زاوية مختلفة، معتبرًا أن الهدف الأساسي من الزيارة قد يكون منع انفجار سياسي أو أمني قبل الانتخابات الإسرائيلية، خصوصًا في ظل الخلافات المتزايدة بين نتنياهو والإدارة الأميركية.
ويعتقد ياغي أن الانتخابات قد تؤدي إلى تجميد خطة ترامب لعدة أشهر، فيما يمكن لنتنياهو أن يوظف خلافه مع واشنطن سياسيًا أمام جمهور اليمين الإسرائيلي، من خلال الظهور بمظهر رئيس الوزراء الذي يرفض الضغوط الأميركية ويتمسك بالموقف الإسرائيلي.
ويربط ياغي هذا الخلاف ببنود الخطة نفسها، ولا سيما ما يتصل بالمسار السياسي المستقبلي. فالبند 19، بحسب قراءته، يفتح الطريق أمام مسار يقود إلى الدولة الفلسطينية بعد الإعمار وإصلاح السلطة، فيما يتحدث البند 20 عن حوار سياسي ثلاثي. كما أن البند الثامن من خارطة الطريق المعلنة في 31 يوليو/تموز 2026 يربط مسار الدولة الفلسطينية بقضايا نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي.
وهنا تبرز العقدة الأساسية؛ فالصيغة التي تتمسك بها حماس تقوم على خطوات متزامنة ومتبادلة، بينما يرى ياغي أن نتنياهو يرفض تحديدًا هذا النوع من الالتزامات، لأنه قد يضع إسرائيل أمام استحقاقات سياسية وأمنية لا يريد الدخول فيها.
رهان إسرائيلي سقط
ويفسر ياغي الموافقة الإسرائيلية السابقة على الخطة بأنها قامت على رهانين: الأول أن ترفض حماس، وبالتالي تتحمل مسؤولية تعطيل المسار السياسي، والثاني أن تؤدي الحرب على إيران إلى تغيير المعادلات الإقليمية بما يجعل الخطة الأميركية غير قابلة للتطبيق، ويعيد إلى الواجهة خيارات أخرى، من بينها التهجير.
لكن، وفق هذه القراءة، لم يتحقق أي من الرهانين بالشكل الذي كانت تراهن عليه إسرائيل، ما أعاد نتنياهو إلى مواجهة الاستحقاق الأصعب: كيف يتعامل مع خطة أصبحت حماس تقول إنها وافقت عليها، بينما ترفض الحكومة الإسرائيلية تنفيذها وفق مبدأ التبادلية؟
واشنطن أمام الامتحان
ويحذر ياغي من أن المرحلة المقبلة قد تشهد محاولات لتغيير المشهد قبل الانتخابات، سواء عبر تصعيد في لبنان أو تنفيذ ضربة منفردة ضد إيران، بما قد يسمح بتأجيل الاستحقاق الانتخابي تحت عنوان الطوارئ الأمنية.
وفي المقابل، يرى أن الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن سيكون خطأً استراتيجيًا بالنسبة لنتنياهو، لكنه لا يتوقع في الوقت نفسه أن تتحول الزيارة الأميركية إلى ضغط حقيقي على إسرائيل، معتبرًا أن التجارب السابقة تشير إلى أن واشنطن غالبًا ما تمارس ضغوطها على الفلسطينيين أكثر مما تفعل مع الحكومة الإسرائيلية.
وبين رسالة حماس التي تقول إن “الدور الآن على إسرائيل”، وحسابات نتنياهو الانتخابية والسياسية، تجد الإدارة الأميركية نفسها أمام اختبار حقيقي: إما أن تحول التفاهمات إلى التزامات قابلة للتنفيذ، أو أن يبقى الاتفاق عالقًا في المنطقة الرمادية بين الوعود والتأجيل.
فاللقاء مع كوشنير لم يعد مجرد جولة دبلوماسية جديدة، بل أصبح امتحانًا لقدرة واشنطن على الانتقال من إدارة الأزمة إلى فرض مسار واضح على أطرافها، قبل أن تفرض الانتخابات الإسرائيلية وقائع جديدة يصعب معها استئناف الخطة من النقطة نفسها.

