الحرق والتدمير.. من شعار إلى واقع إجرامي يفرضه المستوطنون في الضفة

اعتداءات المستوطنين بالضفة

رام الله – المركز الفلسطيني للإعلام

من كتابة شعارات التهديد على الجدران إلى إشعال النار في المنازل والمركبات والأراضي الزراعية، تتخذ اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية منحى متصاعدا، محولة الحرق والتخريب من أفعال متفرقة إلى وسيلة ضغط وترهيب تستهدف الفلسطينيين وممتلكاتهم ومصادر رزقهم.

وتكشف أرقام رسمية فلسطينية حجم هذا التصعيد، إذ وثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 900 حريق في ممتلكات الفلسطينيين ومنازلهم ومركباتهم ومنشآتهم بالضفة الغربية، منذ مطلع عام 2023 وحتى العاشر من يوليو/تموز 2026.

وبحسب ورقة توثيقية أعدتها الهيئة، نُسب 799 حريقًا إلى المستوطنين، بنسبة 88.8% من إجمالي الحرائق، فيما نُسب 101 حريق إلى قوات الاحتلال الإسرائيلي، بنسبة 11.2%.

وترى الهيئة أن هذه الحرائق تمثل واحدة من أبرز أدوات العنف والترهيب المسلطة على الفلسطينيين، في ظل تزايد الاعتداءات على ممتلكاتهم وأراضيهم، ولا سيما في المناطق القريبة من المستوطنات والبؤر الاستيطانية.

أرقام تكشف تصاعد النار

ولا تظهر بيانات الهيئة ظاهرة ثابتة أو عابرة، بل تشير إلى منحنى تصاعدي في الحرائق المنسوبة إلى المستوطنين.

ففي عام 2023 سجلت الهيئة 217 حريقًا، ارتفع العدد إلى 264 في عام 2024، ثم قفز إلى 307 حرائق عام 2025، فيما سجلت 112 حريقًا خلال عام 2026 حتى 10 يوليو/تموز.

ويشير هذا التسلسل إلى اتساع نطاق استهداف الممتلكات الفلسطينية بالنيران عامًا بعد آخر، لتصبح الحرائق جزء من مشهد أمني واجتماعي يفرض أعباء إضافية على السكان.

ويبرز التوزيع الجغرافي للحرائق حجم التركيز في مناطق بعينها، فقد سجلت محافظتا نابلس ورام الله والبيرة 552 حريقًا، أي 61.3% من إجمالي الحرائق الـ900 التي وثقتها الهيئة خلال الفترة نفسها.

وبحسب قراءة الهيئة، يعكس هذا التركز نمطًا متكررا ومنظما يستهدف أمن المواطنين وممتلكاتهم ومقومات بقائهم.

المشهد الأوسع

تأتي الحرائق ضمن سلسلة أوسع من الاعتداءات التي تطال الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم. وتشمل هذه الاعتداءات تخريب المنازل والمركبات، وتجريف الأراضي، وإتلاف المحاصيل والأشجار، إلى جانب الاعتداء المباشر على السكان.

وتقول الهيئة إنها رصدت 2256 اعتداءً نفذتها قوات الاحتلال والمستوطنون خلال يوليو/تموز، بينها 798 اعتداءً نفذها المستوطنون.

وبحسب الهيئة، أسفرت هذه الاعتداءات عن استشهاد 7 فلسطينيين في محافظتي رام الله ونابلس برصاص ميليشيات المستوطنين، إلى جانب تسجيل 440 عملية تخريب للممتلكات وتجريف للأراضي.

ووثقت الهيئة 11,074 اعتداء نفذتها قوات الاحتلال والمستوطنون في الضفة الغربية خلال النصف الأول من عام 2026، في مؤشر، وفق توصيفها، على اتساع نطاق العنف واستمراره.

تحذيرات ومطالب بالحماية

وفي ظل تكرار هذه الوقائع، تتصاعد المطالب الفلسطينية والدولية بضرورة حماية المدنيين وممتلكاتهم، وفتح تحقيقات جدية، ومحاسبة المتورطين، واتخاذ إجراءات تحول دون تحول الاعتداءات إلى أمر واقع دائم.

 ومنتصف الأسبوع المنصرم، حذر القيادي في حركة “حماس”، محمود مرداوي، من تصاعد اعتداءات المستوطنين بحق أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس المحتلة، وما جرى من عمليات هدم لعدد من المنازل والمنشآت الزراعية والصناعية في الأغوار، إلى جانب إحراق مصنع شمال رام الله.

ويرى “مرداوي”، أن هذه الاعتداءات تعكس حجم الإرهاب المنظم الذي تمارسه ميليشيات المستوطنين المنفلتة بحماية حكومة الاحتلال المأزومة أمنياً وميدانيا، وفق قوله

وأوضح القيادي في “حماس”، أن الاحتلال يتحمل مسؤولية وعواقب استمرار هذا التصعيد الخطير، مطالباً المجتمع الدولي بكسر صمته وردوده الباهتة التي تشجع الاحتلال ومستوطنيه على التمادي في جرائمهم.

ودعا أبناء شعبنا الفلسطيني في القرى والبلدات المستهدفة إلى تعزيز الصمود والتكاتف، وتفعيل كل سبل الحماية والتصدي لاعتداءات المستوطنين، وتصعيد المقاومة في وجه الاحتلال.

ما بعد الرماد

لكن خسائر الحرائق لا تقاس فقط بما تلتهمه النيران في دقائق، فإحراق منزل قد يعني فقدان المأوى، وإحراق مركبة قد يعطل مصدر دخل أسرة، فيما يؤدي استهداف الأراضي الزراعية والأشجار إلى خسائر تمتد لسنوات.

ويقول فلسطينيون في المناطق المتضررة إن تكرار الاعتداءات يخلق حالة دائمة من الخوف، ويجعل الوصول إلى الأراضي الزراعية أو حماية الممتلكات مهمة محفوفة بالمخاطر.

وتتزامن هذه الاعتداءات مع استمرار التوسع الاستيطاني وإقامة البؤر الاستيطانية وشق الطرق، إلى جانب الاقتحامات العسكرية والقيود المفروضة على حركة الفلسطينيين.

وما يمكن قوله إن المعادلة التي ترسمها الأرقام والمعطيات سالفة الذكر واضحة، فالشعار لا يبقى شعارا عندما يتحول إلى حريق، والتهديد لا يبقى كلمات عندما يتبعه تدمير واعتداء.

فالنار التي تلتهم منزلًا أو مركبة أو أرضًا زراعية لا تحرق ممتلكات فحسب، وإنما تترك أثرًا على حياة عائلة بأكملها، وتدفع المجتمع كله نحو المجهول.

وصورة المشهد اليوم باتت أكثر وضوحًا، فالحرق لم يعد حادثا عابرا، والتدمير لم يعد واقعة منفردة، بل باتا، وفق المعطيات الفلسطينية، جزءًا من نمط متصاعد يفرض كلفته على الإنسان والأرض في الضفة الغربية.

من شعار يُكتب على جدار، إلى نار تشتعل في منزل أو أرض، تتسع المسافة بين التهديد والفعل حتى يصبح الحرق نفسه أداة لفرض واقع جديد بالقوة.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest