
غزة – المركز الفلسطيني للإعلام
أعادت الرياح القوية التي شهدها قطاع غزة، أمس السبت، تسليط الضوء على أزمة المأوى التي يعيشها النازحون الفلسطينيون، بعدما كشفت هشاشة خيام أنهكها الاستخدام الطويل وعوامل الطقس، في وقت يقترب فيه موسم الأمطار والبرد بينما لا تزال غالبية سكان القطاع تفتقر إلى مأوى ملائم.
وبحسب أحدث تقييم لقطاع المأوى، يحتاج نحو 1.98 مليون فلسطيني، أي 94% من سكان غزة، إلى مساعدات في مجال المأوى والمواد المنزلية الأساسية، فيما يعيش نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح في خيام أو منشآت مؤقتة مصنوعة من مواد مستصلحة.
خيام أنهكها الانتظار
لم تعد الخيمة بالنسبة إلى كثير من العائلات النازحة في غزة محطة مؤقتة بانتظار العودة إلى المنزل، بل تحولت إلى مسكن طويل الأمد فرضته الحرب والنزوح المتكرر.
وخلال الأشهر الماضية، تعرضت هذه الخيام لأشعة الشمس والحرارة والغبار، فيما اضطر كثير من النازحين إلى إصلاحها بقطع من القماش والنايلون والمواد المتاحة، في محاولة لإطالة عمر مأوى يفترض أصلاً أن يكون حلاً مؤقتاً.
ومع كل موجة رياح، تظهر هشاشة هذه المآوي بصورة أكبر؛ فالأغطية المهترئة لا توفر عزلاً كافياً، والهياكل التي فقدت صلابتها تحتاج إلى التثبيت والإصلاح، بينما تواجه العائلات صعوبة في الحصول على مواد جديدة أو نقل خيامها إلى أماكن أكثر أمناً.
وتقول بيانات قطاع المأوى إن 54% من الخيام والمآوي المؤقتة في غزة صُنفت بأنها في حالة سيئة أو سيئة جداً، فيما يعيش أكثر من 106 آلاف أسرة في منشآت مؤقتة جرى تصنيفها على أنها تشكل خطراً على الصحة أو السلامة أو الكرامة.
حين يصبح الطقس تهديداً آخر
بالنسبة إلى النازحين، لا ينظر إلى تغيرات الطقس بوصفها ظاهرة طبيعية فحسب، فالرياح القوية التي كان أمس نموذج مصغر عنها، يمكن أن تعني تلف جزء من الخيمة أو اقتلاع غطائها، بينما تتحول الأمطار إلى مصدر خطر إضافي عندما تتسرب المياه إلى أماكن النوم وتتشكل البرك في محيط المآوي، ولا سيما في المواقع التي تفتقر إلى أنظمة تصريف مناسبة.
وتزداد المخاطر مع اقتراب موسم الشتاء، إذ تحتاج الخيام إلى مستلزمات تثبيت وعزل وإصلاح، كما تحتاج مواقع النزوح إلى شبكات تصريف للمياه وتهيئة للأرضيات وممرات تمنع تجمع مياه الأمطار.
لكن الاستجابة الإنسانية تواجه فجوة كبيرة بين حجم الاحتياجات وما يتوفر من مساعدات، فوفق بيانات قطاع المأوى، قدرت الاحتياجات الإجمالية للاستجابة الطارئة خلال عام 2026 بنحو 562 مليون دولار، في حين كان التمويل المتوفر في أغسطس/آب لا يتجاوز 44 مليون دولار، ما يترك فجوة هائلة في القدرة على توفير المأوى والمواد الضرورية.
وبالنسبة للمؤسسات الإنسانية، لا يمثل الشتاء القادم حدثاً مفاجئاً، بل موعداً معروفاً يتطلب استعداداً مسبقاً، غير أن الاستعداد له في غزة أكثر تعقيداً من مجرد توزيع البطانيات والملابس الشتوية؛ فجزء كبير من المشكلة يتعلق بالبنية التي يعيش فيها النازحون أنفسهم.
وفي يناير/كانون الثاني الماضي، ألحقت عواصف وأمطار أضراراً بآلاف المآوي المؤقتة في القطاع، ما أعاد التحذير من المخاطر التي تواجه العائلات التي تعيش في الخيام خلال الأحوال الجوية القاسية.
ووثقت الأمم المتحدة في ذلك الوقت أضراراً لحقت بنحو 4 آلاف مأوى عائلي في 80 موقع نزوح، في مؤشر على هشاشة البنية المؤقتة التي يعتمد عليها النازحون للحماية من الطقس.
وإذا كانت تلك العواصف قد كشفت حجم المخاطر خلال الشتاء الماضي، فإن استمرار الاعتماد على الخيام المتهالكة يجعل الخوف من تكرار المشهد قائماً مع اقتراب موسم الأمطار المقبل.
بين الحر والبرد
ولا تقتصر معاناة النازحين على الشتاء، ففي فصل الصيف، تتحول الخيمة نفسها إلى مساحة شديدة الحرارة، خصوصاً مع ارتفاع درجات الحرارة وتراجع قدرتها على توفير التهوية والعزل.
وتجد العائلات نفسها أمام مأوى لا يوفر حماية كافية من حر الصيف، ولا يضمن حماية مناسبة من برد الشتاء ومياه الأمطار.
وبذلك يعيش النازحون دورة متكررة من المعاناة مع الطقس، حرارة قاسية في الصيف، ورياح وأمطار وبرد في الشتاء، وخيمة تزداد هشاشة مع مرور الوقت.
وتتداخل أزمة المأوى مع نقص المياه وخدمات الصرف الصحي والنظافة، ما يزيد المخاطر الصحية على الأسر النازحة، ولا سيما الأطفال وكبار السن والمرضى وذوي الإعاقة.
كما أن ضيق المساحات وغياب الخصوصية يحولان الخيمة إلى مكان تتداخل فيه كل تفاصيل الحياة اليومية: النوم والطعام والانتظار، وسط شعور دائم بعدم الاستقرار والخوف من فقدان المأوى نفسه.
قصة ألم ممتد
في غزة، تحمل كل خيمة قصة عائلة نزحت مرة أو مرات عدة، وتركت خلفها منزلاً قد يكون دُمر أو تضرر، ثم وجدت نفسها أمام مأوى مؤقت طال أمده إلى درجة أصبح معها الحديث عن “المؤقت” غير واقعي.
ومع الرياح التي شهدها القطاع السبت، لم تكن المشكلة في قوة الرياح وحدها، بل في هشاشة ما يقف في مواجهتها.
فقطعة قماش ممزقة قد تكون السقف الوحيد فوق رأس أسرة، وغطاء بلاستيكي قد يكون الجدار الذي يفصل أطفالاً عن المطر، وأوتاد بسيطة قد تكون الوسيلة الوحيدة لمنع الخيمة من الانهيار.
ومع اقتراب الشتاء، يزداد القلق من أن تتحول موجات المطر والرياح إلى اختبار جديد لعائلات استنزفت الحرب قدرتها على الاحتمال.
ففي غزة، لا ينتظر النازحون الشتاء ببطانيات جديدة أو منازل دافئة، بل بخيام مهترئة، وأمل هش بأن تصمد أمام أول عاصفة.

