
خاص المركز الفلسطيني للإعلام
حين تقصف قوات الاحتلال الإسرائيلي المخبز، وتدمر المباني والمنشآت والأعيان المدنية، وتُغلق المعابر أمام الدواء والوقود والمواد الخام، لا يبقى الحديث عن اقتصاد غزة شأناً فنياً يخص الخبراء وحدهم. نحن أمام استهداف مباشر لقدرة الناس على البقاء: أسرة فقدت مصدر دخلها، ومزارع مُنع من الوصول إلى أرضه، وصياد تُضيّق عليه مساحة البحر، وتاجر ينتظر بضائع لا يسمح الاحتلال بمرورها، وعامل يبحث عن أجر يكفي يومه فلا يجده.
ما يجري في قطاع غزة ليس أزمة اقتصادية عابرة، ولا نتيجة لكارثة طبيعية أو خلل إداري داخلي كما يحاول الخطاب الدولي الموارب أن يوحي. إنه حصار إسرائيلي ممتد، تعمّق عبر سنوات من التحكم بالمعابر والحركة والطاقة والمجال البحري والموارد، ثم تحوّل مع حرب الإبادة والدمار الواسع إلى محاولة منهجية لتجريد المجتمع الفلسطيني من مقومات الحياة والإنتاج معاً.
اقتصاد غزة: الحصار بوصفه سياسة إفقار
منذ فرض الحصار المشدد على قطاع غزة عام 2006، حوّل الاحتلال الاقتصاد المحلي إلى اقتصاد محاصر يعتمد على تدفق محدود وغير مستقر للسلع والمساعدات. كانت هذه الإجراءات الاحتلالية أداة سياسية عقابية تستهدف أكثر من مليوني فلسطيني، وتمنعهم من تطوير دورة إنتاج طبيعية أو بناء استقرار اقتصادي مستقل.
تحتاج المصانع إلى مواد خام وآلات وقطع غيار وأسواق تصدير منتظمة. ويحتاج المزارعون إلى مياه وأعلاف وأسمدة ومنافذ آمنة للوصول إلى الأرض وتسويق المحصول. أما الصيادون فيحتاجون إلى حرية الحركة في بحرهم. لكن الاحتلال أبقى هذه العناصر جميعاً رهينة قراراته، يفتح ويغلق ويمنع ويسمح وفق حسابات السيطرة والابتزاز.
النتيجة أن قطاعات كثيرة في غزة عملت لسنوات بأقل من طاقتها، بينما أُجبر آلاف العمال وأصحاب الأعمال على التعامل مع كلفة مرتفعة ومخاطر لا يمكن التنبؤ بها. حتى حين كانت الأسواق تبدو نشطة في بعض الفترات، كان ذلك نشاطاً هشاً، لأن أساسه لم يكن حرية الاقتصاد بل القدرة المؤقتة على الالتفاف على القيود.
من تدمير البنية إلى تفكيك سبل العيش
في سياق العدوان الإسرائيلي الواسع، تجاوز الاستهداف حدود تعطيل الاقتصاد إلى ضرب قواعده المادية. فالمنازل ليست فقط أماكن سكن، بل كثير منها يضم متاجر صغيرة وورشاً ومخازن ومصادر دخل عائلية. والطرق ليست مجرد بنية نقل، بل شرايين تصل المزارع بالسوق، والمستودع بالمخبز، والمريض بالمستشفى، والعامل بمكان رزقه.
تدمير المنشآت التجارية والصناعية، وإخراج الأراضي الزراعية من الخدمة، وضرب شبكات المياه والكهرباء والاتصالات، كل ذلك يخلق أثراً متسلسلاً. عندما تنقطع الكهرباء، يتعطل التبريد والإنتاج والضخ. وعندما يقل الوقود، تتراجع قدرة الأفران والمستشفيات والنقل. وعندما يصبح التنقل محفوفاً بالموت، تتوقف الأسواق عن أداء وظيفتها الطبيعية حتى لو بقيت بعض السلع متوافرة.
ودمرت قوات الاحتلال ما بين 80-90 % من مباني قطاع غزة ومنشآتها المدنية والاقتصادية.
الأشد قسوة أن كثيراً من العائلات فقدت رأس مالها البسيط دفعة واحدة: محل بقالة، سيارة نقل، قارب صيد، ماكينة خياطة، قطعة أرض أو مدخرات محدودة. هذه الأصول الصغيرة قد تبدو هامشية في لغة التقارير الاقتصادية، لكنها في غزة كانت خط الدفاع الأول أمام الفقر والجوع والاعتماد الكامل على الإغاثة.
الزراعة والصيد: استهداف الغذاء المحلي
تمثل الزراعة والصيد أكثر من قطاعين اقتصاديين في غزة. إنهما تعبير عن صلة الفلسطيني بأرضه وبحره وقدرته على توفير غذائه بكرامة. لذلك فإن تجريف الأراضي، وتقييد الوصول إلى المناطق الزراعية، وتدمير البيوت البلاستيكية والآبار، ليست أضراراً جانبية. إنها تضييق متعمد لمساحة الاكتفاء المحلي وإبقاء السكان تحت رحمة إدخال الغذاء الذي يتحكم الاحتلال في كمياته ومساراته.
وينطبق الأمر نفسه على الصيد البحري. فالصياد الغزي لا يواجه تقلبات البحر فقط، بل يواجه قوات احتلال تفرض قيوداً على المجال البحري وتجعله معرضاً للملاحقة والخطر. ومع تضرر القوارب والمرافئ ونقص الوقود ومستلزمات الصيانة، يصبح استمرار هذه المهنة اختباراً يومياً للبقاء لا مشروعاً اقتصادياً قابلاً للنمو.
المساعدات لا تعوّض الاقتصاد
المساعدات الإنسانية ضرورة لا جدال فيها عندما يُجوع الاحتلال المدنيين ويحرمهم من الغذاء والدواء والمأوى. لكنها (المساعدات) لا يمكن أن تكون بديلاً عن اقتصاد قادر على العمل. كيس الطحين ينقذ أسرة من الجوع اليوم، لكنه لا يعيد وظيفةً ضاعت، ولا يصلح مصنعاً دُمر، ولا يمنح شاباً أفقاً لبناء حياته.
المشكلة ليست في المساعدات ذاتها، بل في تحويلها إلى السقف السياسي الذي يقبل به العالم. المطلوب ليس إدارة الفقر الفلسطيني بكفاءة أعلى، بل إنهاء النظام الذي ينتج هذا الفقر. لا معنى لخطط التعافي إذا بقي الاحتلال يملك حق منع الأسمنت والمعدات والوقود، أو إذا استمر تهديد أي منشأة تُبنى بالقصف والتدمير من جديد.
ولهذا فإن الحديث عن إعادة الإعمار يجب أن يتجاوز صور الأبراج والطرق الجديدة. الإعمار العادل يبدأ بحماية حق الفلسطيني في الحركة والعمل والتجارة والوصول إلى أرضه وبحره، وبضمان أن تكون الأولوية لأهالي غزة واحتياجاتهم لا لشركات ومشاريع خارجية تسعى إلى الربح من الكارثة.
البطالة والفقر ليسا قدراً فلسطينياً
لطالما عانت غزة من معدلات بطالة وفقر مرتفعة بسبب الحصار والانقسام السياسي والقيود المفروضة على الحركة والتجارة. لكن توصيف ذلك كـ”واقع غزة” يخفي المسؤولية الحقيقية. لا يوجد اقتصاد طبيعي يمكنه الازدهار حين يُعزل عن محيطه، وتُدمّر بنيته التحتية بصورة متكررة، ويُمنع سكانه من استثمار مواردهم والتخطيط للمستقبل.
الشباب الفلسطيني في القطاع لا يفتقر إلى المعرفة أو المبادرة. خلال سنوات الحصار، ظهرت أعمال رقمية ومشاريع منزلية وورش صغيرة ومبادرات زراعية وخدماتية أثبتت قدرة الناس على الابتكار رغم القيود. غير أن هذه المبادرات تبقى محدودة إذا انقطعت الاتصالات والكهرباء، وغاب الأمان، وتعذر الوصول إلى المدخلات والأسواق ورأس المال.
كما أن فقدان التعليم المنتظم والرعاية الصحية والاستقرار السكني يترك أثراً اقتصادياً طويل الأجل. الطفل الذي يُهجّر مراراً ويُحرم من مدرسته، والطالب الذي تتوقف جامعته، والعامل الذي يعيش في خيمة، لا يواجهون خسارة آنية فقط. إنهم يواجهون سرقة لسنوات قادمة من القدرة والإنتاج والاختيار.
أي تعافٍ يحتاج غزة؟
التعافي الحقيقي لا يُقاس بحجم الأموال المعلنة في المؤتمرات، بل بمدى قدرة الفلسطينيين على استعادة السيطرة على حياتهم. وهذا يقتضي وقف العدوان، ورفع الحصار بصورة كاملة، وفتح المعابر أمام الأفراد والبضائع من دون ابتزاز، وإعادة تأهيل شبكات المياه والطاقة والصحة والتعليم، وتعويض أصحاب الأعمال والمزارعين والصيادين عن خسائرهم.
تؤكد المنظمات الحقوقية أنه حتى الآن لم تبدأ أي عملية إعادة إعمار على أرض الواقع في قطاع غزة لتمكين المواطنين من استعادة مساكنهم وبنيتهم التحتية ومقومات حياتهم الأساسية. ولا تزال سلطات الاحتلال تفرض قيوداً مشددة على إدخال المواد اللازمة لإعادة الإعمار، بما فيها مواد البناء، الأمر الذي يحول دون البدء في معالجة آثار الدمار واسع النطاق الذي طال المنازل والمنشآت المدنية والبنية التحتية. ويعكس استمرار هذه القيود غياب أي التزام جدي بضمان حق سكان قطاع غزة في التعافي وإعادة بناء حياتهم، ولا سيما في ظل الحجم غير المسبوق للدمار الذي طال أكثر من ٨٠ % من مباني القطاع.
ويقتضي التعافي كذلك حماية القرار الفلسطيني في إدارة الإعمار والتنمية. فغزة لا تحتاج وصاية جديدة تُدار من الخارج تحت عناوين إنسانية، ولا ترتيبات تجعل المساعدات مشروطة بالتنازل عن الحقوق الوطنية. تحتاج إلى اقتصاد مرتبط بوطنه الفلسطيني، قادر على التواصل مع الضفة الغربية والقدس والأسواق العربية والعالمية، لا إلى جيب معزول يُسمح له بالتنفس بقدر ما يقرر المحتل.
العدالة هنا ليست عبارة سياسية زائدة. من دون محاسبة على تدمير الاقتصاد المدني، وضمانات تمنع تكرار الجريمة، سيبقى كل إعمار مؤقتاً وكل نشاط تجاري معرضاً للانهيار عند أول عدوان جديد. الاستقرار الاقتصادي لا يُبنى فوق الخوف الدائم من القصف والتهجير.
إن متابعة اقتصاد غزة ينبغي أن تبدأ من سؤال بسيط وواضح: كيف يُمنح الناس حقهم في أن يعيشوا من عملهم لا من انتظار الإغاثة؟ إبقاء هذا السؤال حاضراً في الإعلام والبحث والسياسة هو جزء من الدفاع عن غزة، لأن معركة البقاء فيها ليست فقط معركة طعام ومأوى، بل معركة حق شعب في الحياة الحرة فوق أرضه.

