مرضى الكلى في غزة.. حين تصبح جلسة الغسيل معركة من أجل البقاء

مرضى الكلى في غزة.. حين تصبح جلسة الغسيل معركة من أجل البقاء

في غرفة غسيل الكلى بمجمع ناصر الطبي في خان يونس، لا ينتظر المرضى انتهاء جلسة علاج عادية، بل يخوضون في كل مرة معركة جديدة للحفاظ على حياتهم، وسط نقص مستلزمات الغسيل وأزمة الوقود التي باتت تهدد انتظام العلاج وتضاعف مشقة الوصول إلى المستشفى.

تجلس خيرية شقفة، وهي مريضة بفشل كلوي تخضع لغسيل الكلى منذ عام 2004، وهي تستعيد أكثر من عقدين من العلاج الذي اعتادت خلالهما أن تكون جلسات الغسيل جزءًا ثابتًا من حياتها؛ لكن ما يحدث اليوم، تقول، مختلف تمامًا؛ فحتى الوصول إلى المستشفى أصبح رحلة شاقة على جسد أنهكه المرض.

وتوضح خيرية أن توقف وسائل النقل أو صعوبة توفرها أجبرها ومرضى آخرين على استخدام أكثر من وسيلة مواصلات للوصول إلى جلسات الغسيل، بعدما كانوا يصلون إليها بسهولة أكبر في السابق.

وتقول إن المريض الذي يعاني الفشل الكلوي لا يستطيع تحمّل مشقة التنقل بين ثلاث وسائل مواصلات، متسائلة عن قدرة شخص يعاني الفشل الكلوي وآلامًا جسدية متراكمة على احتمال هذه الرحلة في كل مرة يحتاج فيها إلى العلاج.

ولا تتوقف معاناة خيرية عند الطريق إلى المستشفى، إذ تتحدث عن تقليص مدة بعض جلسات الغسيل من ثلاث ساعات إلى ساعة ونصف، وهو ما يجعلها تشعر بأن العلاج الذي تعتمد عليه للبقاء بات نفسه محاصرًا بالنقص.

وتضيف أن معاناتها الجسدية تزداد صعوبة بسبب إصابة قدميها، مؤكدة أن مرضى الكلى يحتاجون إلى رعاية خاصة وتوفير مستلزمات العلاج والنقل، لأن انتظام جلسات الغسيل ليس ترفًا يمكن تأجيله.

خميس محمد، وهو مريض آخر بالفشل الكلوي، يعيش القلق ذاته مع كل جلسة. فقد أصبح الوقت المخصص للغسيل، بحسب حديثه، غير كافٍ بالشكل المطلوب، فيما يضطر بعض المرضى إلى العودة إلى منازلهم وهم لا يزالون بحاجة إلى استكمال احتياجاتهم العلاجية.

ويقول خميس إن المرضى يأتون إلى المستشفى في ظروف صعبة، وبعضهم يقطع المسافات سيرًا على الأقدام، بينما يواصلون انتظار توفر الوقت والمستلزمات اللازمة لإتمام جلسات العلاج بصورة مناسبة.

أما داخل القسم الطبي، فيحاول الأطباء الحفاظ على الخدمة وسط نقص متواصل في المواد والأدوية، فيما يشير اختصاصي أمراض الكلى في مجمع ناصر الطبي، الدكتور رائد مصلح، إلى أن مرضى الفشل الكلوي يحتاجون إلى علاج منتظم ومستلزمات محددة لا يمكن الاستغناء عنها، محذرًا من أن نقص بعضها يضع الطبيب أمام خيارات محدودة في التعامل مع المريض.

ويلفت مصلح إلى أن هناك أدوية وعلاجات مهمة يحتاج إليها مرضى الكلى، وأن عدم توفرها قد يمنع تقديم العلاج المناسب في الوقت المطلوب، في وقت يعاني فيه القطاع الصحي أصلًا من نقص واسع في الأدوية والمستلزمات الطبية.

وتتخذ أزمة مستلزمات غسيل الكلى منحى أكثر خطورة مع النقص الحاد في مادة “Bibag”، التي تعد من المستلزمات الأساسية ضمن منظومة غسيل الكلى، إذ حذر مجمع ناصر الطبي من أن استمرار نقصها يهدد بتعطل أجهزة الغسيل وانقطاع الجلسات العلاجية عن المرضى الذين يعتمدون عليها بصورة منتظمة.

وتشير بيانات حديثة إلى أن خدمات غسيل الكلى في غزة لا تزال تواجه نقصًا في المستلزمات الطبية، بما في ذلك المواد المرتبطة بالرعاية الكلوية، في ظل احتياجات صحية متزايدة وضغوط متواصلة على المرافق الطبية.

وتكتسب هذه المعاناة أبعادًا أكبر في ظل الحاجة المستمرة إلى جلسات الغسيل لمرضى الفشل الكلوي، الذين لا يستطيعون ببساطة تأجيل العلاج أو الاستغناء عنه.

وكانت بيانات صحية فلسطينية قد أظهرت خلال الحرب أن مئات المرضى واجهوا صعوبات في الوصول إلى خدمات غسيل الكلى، فيما خرجت مرافق صحية وأقسام متخصصة عن الخدمة، ما زاد الضغط على المرافق القليلة القادرة على مواصلة العلاج.

وبين نقص “Bibag” والوقود والأدوية، لا يواجه مرضى الكلى في غزة مرضهم وحده، بل يواجهون أيضًا طريقًا شاقًا إلى المستشفى، وانتظارًا مرهقًا للمواصلات، وخوفًا دائمًا من أن تتوقف جلسة يعتمد عليها بقاؤهم على قيد الحياة.

بالنسبة لخيرية وخميس ومئات المرضى الآخرين، لا تعني جلسة الغسيل ساعات يقضونها أمام الأجهزة فحسب؛ إنها موعد لا يمكن تفويته، لأن كل تأخير قد يحمل ثمنًا صحيًا قاسيًا.

وفي غزة، حيث يواجه القطاع الصحي نقصًا متواصلًا في الأدوية والمستلزمات والوقود، يتحول الوصول إلى جلسة غسيل الكلى إلى رحلة يومية من الألم والانتظار، بينما يبقى مطلب المرضى بسيطًا وواضحًا: أن تتوفر لهم جلسة العلاج كاملة، وفي موعدها، وأن يعودوا إلى أسرهم بسلام.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest