
المركز الفلسطيني للإعلام
خطا إبراهيم فوزي إسماعيل محسن، صباح الجمعة (25 سبتمبر 2026)، الطريق نفسه الذي اعتاد أن يسلكه بين الحين والآخر، متجها إلى مقبرة السوارحة وسط قطاع غزة. لم يكن في نيته سوى الوقوف بضع دقائق عند شاهدة قبر شقيقه خليل، الذي غيّبه القصف الإسرائيلي قبل أكثر من عامين في دير البلح، وربما تلاوة آية أو ترديد دعاء بصوت خافت كما كان يفعل في كل مرة يزور فيها المكان. لم يكن يدرك أن هذه الزيارة الهادئة ستكون الأخيرة في حياته، وأن التراب الذي احتضن جثمان أخيه منذ عامين سيحتضن جثمانه هو أيضا بعد دقائق معدودة.
فجأة، ودون سابق إنذار، اخترقت طائرة مسيّرة إسرائيلية سماء المقبرة وأطلقت صاروخها باتجاه الزائر المشتاق لشقيقه الواقف عند القبر. وأفادت مصادر طبية ومحلية بأن إبراهيم (36 عاما) استُشهد على الفور في المكان ذاته الذي جاء إليه ليترحم على أخيه، في مشهد أضاف فصلا جديدا إلى سجل الاستهدافات الإسرائيلية التي لم تستثن حتى المقابر ومن يزورونها.
أسرة فقدت خمسة من أبنائها
باستشهاد إبراهيم، تكون أسرة محسن قد فقدت خلال سنتين من حرب الإبادة على غزة خمسة من أبنائها، في واحدة من أكثر القصص إيلاما التي وثقها الصحفيون خلال هذه الحرب.
فقد سبق أن قتلت إسرائيل شقيقه إسماعيل ( 40 عاما)، في السابع من أكتوبر تشرين الأول 2023، ثم لحق به الشقيق محمد (32 عاما)، في الثاني عشر من نوفمبر تشرين الثاني من العام نفسه.
وفي الحادي عشر من مايو أيار 2024، ارتقى الشقيق خليل، صاحب القبر الذي جاء إبراهيم لزيارته، في دير البلح عن 37 عاما. وبعد أقل من شهرين، في السادس من يوليو تموز من العام ذاته، استُشهد الشقيق الرابع يوسف (28 عاما)، حين استهدفت القوات الإسرائيلية مدرسة الجاعوني التي كانت تؤوي نازحين في مخيم النصيرات وسط القطاع.
هكذا، وعلى مدى أقل من عامين، تحوّلت زيارة القبر من طقس عائلي متكرر للترحم على الغائبين إلى موعد جديد مع الموت، ليغدو قبر خليل في مقبرة السوارحة شاهدا على مصير شقيقه إبراهيم أيضا، في تكرار مأساوي يعكس حجم ما تتعرض له العائلات الفلسطينية من استهداف متواصل طوال أشهر الحرب.
استهدافات متفرقة في اليوم نفسه
لم يكن استشهاد إبراهيم الحادثة الوحيدة في ذلك اليوم، إذ أفاد مصدر في الإسعاف والطوارئ باستشهاد فلسطيني آخر وإصابة عدد من المواطنين في غارة نفذتها مسيّرة إسرائيلية على منطقة المواصي بخان يونس جنوبي القطاع، غرب جامعة الأقصى.
كما أصيب مواطنون آخرون جراء قصف استهدف خيمة تؤوي نازحين في منطقة السوارحة ببلدة الزوايدة وسط غزة، فيما شهدت مناطق شمالي وشمال شرقي مخيم البريج، وشمال غربي مدينة غزة، إطلاق نار كثيف من آليات إسرائيلية بالتزامن مع نيران أطلقها طيران مروحي شرقي المدينة.
وتأتي هذه الاستهدافات في سياق حرب لا تزال تحصد أرواح المدنيين الفلسطينيين يوميا، سواء في منازلهم أو خيامهم أو حتى في مقابر ذويهم. فمنذ السابع من أكتوبر تشرين الأول 2023، قتلت إسرائيل نحو أربعة وسبعين ألف فلسطيني، وأصابت قرابة مئة وخمسة وسبعين ألفا آخرين، إضافة إلى تدمير ما يُقدر بتسعين بالمئة من البنية التحتية في قطاع غزة، وفق ما توثقه مصادر طبية ومحلية متتابعة.
قبر يشهد على مأساتين
تبقى قصة عائلة محسن واحدة من عشرات القصص التي تختصر حجم الفقد الذي طال العائلات الفلسطينية خلال هذه الحرب، حين تحوّل مكان الذاكرة والحداد إلى مكان جديد للفقد. فبعد أن ودّع إبراهيم أخاه خليل قبل عامين ووقف على قبره حاملا حزنه، عاد الآن ليدفن إلى جواره، تاركا خلفه أسرة تتقاسم حزنا مضاعفا على خمسة من أبنائها، وقبرا واحدا بات يجمع مصيرين تفصل بينهما سنتان فقط من العمر، ويجمعهما مصير واحد صنعته حرب الإبادة.

