
المركز الفلسطيني للإعلام
لم تعد أشجار الزيتون في قطاع غزة شاهدة على موسم زراعي جديد كما اعتاد المزارعون، بعدما تحولت مساحات واسعة من الأراضي التي كانت تعج بالأشجار إلى أراضٍ جرداء بفعل الغارات والقصف والتجريف.
وفي مناطق عدة، لم يعد المزارع يبحث عن أفضل طريقة لقطف محصوله، بل عن شجرة بقيت على قيد الحياة، أو ثمرة يمكن إنقاذها من بين آثار الحرب.
في منطقة القرارة شمال شرقي خان يونس، يقف المزارع أبو محمد شراب، البالغ 45 عامًا، أمام أرض كانت تضم مئات أشجار الزيتون التي عرفها منذ طفولته. يقول إن السنوات الثلاث الأخيرة كانت الأسوأ في حياته الزراعية، بعدما فقدت مساحات واسعة أشجارها، وتعذر على كثير من المزارعين الوصول إلى ما تبقى منها.
وبالقرب من الأراضي المدمرة، بقيت أشجار قليلة نجت من القصف والتجريف، لكنها تحمل ثمارًا صغيرة وقليلة. ويربط شراب تراجع المحصول بنقص المياه والأسمدة ومستلزمات الزراعة، إلى جانب عدم قدرة المزارعين على الوصول إلى الأراضي القريبة من المناطق المصنفة “صفراء”.
90% من المساحة الزراعية اختفت
وتكشف بيانات وزارة الزراعة في قطاع غزة لموسم 2026 أن خسارة الزيتون لم تعد مرتبطة بموسم واحد، وإنما طالت قاعدة الإنتاج الزراعي نفسها.
فقد تراجعت المساحة المزروعة بالزيتون من نحو 50 ألف دونم قبل الحرب إلى 5 آلاف دونم فقط، بانخفاض يقارب 90%. وكان الزيتون يشكل قبل الحرب نحو 55% من مساحة البستنة الشجرية و27% من مساحة الإنتاج النباتي في القطاع.
ولم تكن الأشجار بمنأى عن هذا الانهيار؛ إذ انخفض عددها من قرابة مليوني شجرة إلى نحو 150 ألفًا، بعد تدمير أكثر من مليون و800 ألف شجرة.
وتزداد فداحة الخسارة بسبب طبيعة شجرة الزيتون التي تحتاج سنوات طويلة قبل الوصول إلى مرحلة الإنتاج الاقتصادي، ما يعني أن إعادة زراعة الأشجار التي دمرت لن تعيد الإنتاج سريعًا، حتى مع عودة المزارعين إلى أراضيهم.
من 40 ألف طن إلى 5 آلاف
قبل الحرب، كان قطاع غزة ينتج نحو 40 ألف طن من ثمار الزيتون سنويًا؛ منها قرابة 35 ألف طن مخصصة للعصر و5 آلاف طن للتخليل.
أما في الموسم الحالي، فلا يتجاوز الإنتاج، وفق بيانات وزارة الزراعة، نحو 5 آلاف طن، منها 4 آلاف طن للعصر وألف طن للتخليل، ما يعني فقدان نحو 87.5% من الإنتاج السابق.
وتبدو الفجوة أكثر وضوحًا عند احتساب زيت الزيتون؛ فبعدما كان القطاع ينتج قرابة 5 آلاف طن من الزيت، تراجع الإنتاج إلى نحو 700 طن فقط.
وبذلك فقد الزيتون قدرته السابقة على الإسهام في توفير احتياجات السوق المحلية، لتظهر فجوة تقدر بنحو 85%، لا تمس دخل المزارعين وحده، وإنما تطال أحد المكونات الأساسية في الغذاء الفلسطيني.
الحرب لم تقتلع الأشجار وحدها
ولم يتوقف الضرر عند الحقول، بل امتد إلى المعاصر والمصانع التي تشكل الحلقة الثانية في سلسلة إنتاج الزيتون.
فقد انخفض عدد معاصر الزيتون في القطاع من نحو 40 معصرة إلى 7 فقط، فيما تراجع عدد خطوط العصر من نحو 68 خطًا إلى 15 خطًا، وانخفضت القدرة التشغيلية من قرابة 150 طنًا في الساعة إلى 25 طنًا.
وفي قطاع التخليل، تراجع عدد المصانع من 14 مصنعًا إلى 3 مصانع، بينما انخفضت الطاقة الإنتاجية من نحو 1500 طن إلى 200 طن.
ومع تقلص الإنتاج وارتفاع تكاليف الزراعة، انتقلت آثار الأزمة إلى المستهلك أيضًا، إذ ارتفع متوسط سعر تنكة زيت الزيتون من نحو 137 دولارًا إلى قرابة 411 دولارًا.
وهكذا لم تعد خسارة الزيتون محصورة في الأشجار التي اقتلعت أو الثمار التي لم تنضج؛ فقد امتدت إلى المعاصر والأسواق والأسر، في سلسلة خسائر تبدأ من الأرض وتنتهي على موائد الغزيين.
موسم قليل.. ورزق لا يكفي
في أحد أسواق الزوايدة، تعرض أم عاصم ثمار الزيتون من صنف “السري” التي قطفتها من أرضها. تقول إن الكمية التي حصلت عليها هذا الموسم قليلة، كما أن جودتها لم تعد كما كانت في السنوات السابقة، مرجعة ذلك إلى نقص الأسمدة ومستلزمات العناية بالأشجار.
ورغم قلة المحصول، احتفظت بجزء منه لتأمين احتياجات أسرتها، فيما عرضت الفائض للبيع لتغطية بعض النفقات. وتوضح أن الزيتون السري يتميز بنكهته ويستخدم بصورة خاصة في التخليل.
لكن ارتفاع الأسعار لم يتحول إلى دخل أفضل للمزارعين، بحسب أم عاصم، التي تشير إلى ارتفاع تكاليف المياه والأسمدة ومستلزمات العناية بالأشجار.
ودفعتها الظروف الاقتصادية الصعبة إلى قطف محصولها مبكرًا، في محاولة لتوفير احتياجات أسرتها، خصوصًا مع بدء موسم المدارس وما يفرضه من أعباء إضافية.
ليست خسارة موسم.. بل خسارة سنوات
وراء المساحات الجرداء والمئات من الأشجار التي اقتلعت أو دمرت، تختبئ خسارة أعمق من محصول موسم واحد.
فالمزارع الذي فقد شجرة زيتون لا يخسر ثمار عام واحد، بل يخسر سنوات من العمل والاستثمار، فيما تحتاج الأشجار الجديدة إلى سنوات طويلة قبل أن تصبح قادرة على إنتاج محصول اقتصادي.
لذلك، فإن استعادة موسم الزيتون في غزة لا تتوقف على انتهاء الحرب أو عودة المزارعين إلى أراضيهم، وإنما تتطلب إعادة تأهيل الأراضي، وتأمين المياه والأسمدة ومستلزمات الزراعة، وتمكين المزارعين من الوصول إلى حقولهم، إلى جانب إعادة تشغيل المعاصر ومصانع التخليل التي تضررت خلال الحرب.
وبينما يقف أبو محمد شراب أمام ما تبقى من أشجار الزيتون في أرضه، لا تبدو الخسارة في عدد الثمار التي سيقطفها هذا العام، بل في سنوات طويلة من الزراعة والإنتاج اقتُلعت مع الأشجار، تاركة وراءها موسمًا لم تأكله الحرب وحدها، بل أصابت جذوره أيضًا.

