تقرير حقوقي: هكذا دمّرت حرب الإبادة القطاع الصناعي بغزة وقوضت مقومات الاقتصاد

تقرير حقوقي: هكذا دمّرت حرب الإبادة القطاع الصناعي بغزة وقوضت مقومات الاقتصاد

أصدر منتدى العدالة الدولي لمناهضة الإبادة الجماعية تقريرًا حقوقيًا واقتصاديًا جديدًا باللغة العربية والإنجليزية والتركية بعنوان: «تدمير القطاع الصناعي في غزة»، يوثّق حجم الدمار الذي لحق بالمصانع والمنشآت الإنتاجية والبنية التحتية الصناعية في قطاع غزة خلال الحرب، ويحلّل تداعياته الاقتصادية والإنسانية، ويبحث تكييف استهداف المنشآت الصناعية في ضوء قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي.

ويكشف التقرير عن تدمير واسع وغير مسبوق للقاعدة الصناعية في قطاع غزة، شمل الصناعات الغذائية والإنشائية والبلاستيكية والدوائية والكيميائية والكهربائية، إلى جانب المصانع والورش الصغيرة والمتوسطة والمخازن وخطوط الإنتاج والمواد الخام ومرافق الطاقة والخدمات المرتبطة بالعملية الإنتاجية، ما أدى إلى شلل شبه كامل في النشاط الصناعي المحلي.

ويشير التقرير إلى أن التقديرات الأولية تفيد بتعرض نحو 90% من القطاع الصناعي في غزة لأضرار جزئية أو كلية، فيما توقف ما بين 90% و95% من المنشآت الصناعية عن العمل نتيجة التدمير المباشر، أو انقطاع الكهرباء، أو منع دخول الوقود والمواد الخام. كما تشير التقديرات الواردة في التقرير إلى تضرر أو تدمير أكثر من 5 آلاف منشأة اقتصادية، تشمل المصانع الكبيرة والورش والمنشآت الحرفية الصغيرة.

واستنادًا إلى مسح ميداني شمل 893 منشأة صناعية، يوضح التقرير أن جميع منشآت العينة تعرضت لأضرار بدرجات متفاوتة؛ إذ تعرضت 56% منها لدمار كلي، و27% لأضرار جزئية بليغة، و17% لأضرار جزئية، فيما قُدّرت الأضرار المباشرة في المنشآت المستجيبة للمسح بنحو 785 مليون دولار أمريكي.

ويورد التقرير تقديرات تشير إلى أن الخسائر المباشرة الإجمالية للمنشآت الصناعية في قطاع غزة بلغت نحو خمسة مليارات دولار حتى يوليو/تموز 2024، بما يشمل المباني والمعدات والمواد الخام ووسائل النقل والمنتجات، مع تركز نحو 78% من الأضرار الصناعية في مدينة غزة ومحافظات الشمال. كما سجل قطاع الصناعة تراجعًا في مستويات التشغيل بنسبة 92% خلال الربع الأخير من عام 2023 مقارنة بالفترة نفسها من عام 2022.

ويوثّق التقرير نماذج متعددة لمنشآت ومصانع رئيسية تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي، بينها مطاحن ومصانع للألبان والمواد الغذائية والمشروبات والكوابل الكهربائية والبلاستيك ومواد البناء، فضلًا عن أضرار واسعة لحقت بالمنطقة الصناعية في غزة، التي كانت تضم عشرات المصانع وتوفر آلاف فرص العمل، حيث تشير المعطيات التي استعرضها التقرير إلى تدمير بنيتها التحتية بنسبة تتجاوز 80%.

ويؤكد التقرير أن آثار تدمير القطاع الصناعي تتجاوز الخسائر المادية المباشرة للمصانع، إذ أدت إلى فقدان آلاف فرص العمل ومصادر الدخل، وتراجع الإنتاج المحلي، وتعميق الفقر والبطالة، وتفكيك سلاسل التوريد، وزيادة الاعتماد على المساعدات والاستيراد الخارجي، فضلًا عن تدمير رأس مال إنتاجي وخبرات صناعية تراكمت على مدى عقود.

كما يحذر التقرير من أن تدمير الصناعات الغذائية والمطاحن والمخابز والمنشآت المرتبطة بإنتاج الغذاء أسهم في إضعاف القدرة المحلية على توفير الاحتياجات الأساسية للسكان، فيما يؤدي تدمير مصانع مواد البناء والصناعات الكهربائية والورش الهندسية إلى إضعاف القدرة المحلية على تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار مستقبلًا، وزيادة الاعتماد على الاستيراد ورفع تكاليف التعافي وإطالة مدته.

وفي الجانب القانوني، يشدد التقرير على أن المصانع والمنشآت الإنتاجية تُعد في الأصل أعيانًا مدنية تتمتع بالحماية بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا تفقد هذه الحماية إلا إذا استوفت الشروط القانونية الصارمة التي تجعل منها هدفًا عسكريًا. ويشير إلى أن الاستهداف المتعمد لمنشآت مدنية، أو التدمير الواسع للممتلكات الذي لا تبرره ضرورة عسكرية، قد يشكل، بحسب وقائع كل حالة والأدلة المتاحة، انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني أو جريمة حرب.

ويبحث التقرير كذلك في إمكانية النظر إلى التدمير المنهجي للقاعدة الصناعية ضمن سياق أوسع من الجرائم الدولية، بما في ذلك الجرائم ضد الإنسانية، ويؤكد أن تقييم علاقته بجريمة الإبادة الجماعية يتطلب إثبات العناصر القانونية الخاصة بهذه الجريمة، وفي مقدمتها القصد الخاص، مع اعتبار تدمير المقومات الاقتصادية والإنتاجية أحد العناصر التي يمكن أخذها في الاعتبار إلى جانب مجمل الوقائع والأدلة الأخرى.

ودعا المنتدى المحكمة الجنائية الدولية وآليات الأمم المتحدة ولجان التحقيق الدولية المختصة إلى إدراج التدمير الواسع للقاعدة الصناعية والإنتاجية في غزة ضمن مسارات التحقيق ذات الصلة بالحالة في فلسطين، وإجراء تحقيق دولي مستقل ومتخصص لا يقتصر على الخسائر البشرية، بل يشمل استهداف المصانع وخطوط الإنتاج والمخازن والآلات والمواد الخام وشبكات الطاقة والمياه والاتصالات ووسائل النقل المرتبطة بالإنتاج.

كما دعا إلى إنشاء قاعدة بيانات وطنية مركزية للمنشآت الصناعية المتضررة والمدمرة، وإعداد سجل شامل للأضرار يصلح أساسًا للمطالبات والتعويضات المستقبلية، بحيث لا يقتصر الحصر على المباني، وإنما يشمل المعدات وخطوط الإنتاج والمخزون والمواد الخام والأرباح والدخول المفقودة وفرص العمل والعقود والأسواق وتكاليف إعادة التشغيل.

وطالب المنتدى بإنشاء آلية دولية لحصر وتسجيل الأضرار والمطالبات الفلسطينية، وصندوق دولي لإعادة إعمار وتنمية القطاع الصناعي في غزة، مع إعطاء الأولوية للصناعات المرتبطة مباشرة بالأمن الإنساني، وفي مقدمتها الصناعات الغذائية والدوائية والطبية والمياه والطاقة ومواد البناء والملابس، وتوفير منح وقروض ميسرة وضمانات استثمارية لإعادة تشغيل المنشآت المتضررة ودعم العمال والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.

وأكد المنتدى أن إعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية لا يمكن أن تكون بديلًا عن المساءلة القانونية وجبر الضرر والتعويض، وأن إعادة بناء القطاع الصناعي ينبغي ألا تقتصر على تشييد المباني المدمرة، بل يجب أن تستهدف استعادة القدرة الإنتاجية والاقتصادية للمجتمع الفلسطيني وضمان حقه في العمل والتنمية والاستقلال الاقتصادي.

ويخلص التقرير إلى أن المصنع الذي يُدمّر لا يفقد مبناه وآلاته فقط، وإنما تضيع معه فرص العمل ودخول الأسر وسلاسل التوريد والخبرات المتراكمة والأسواق ورأس المال الوطني والقدرة المجتمعية على التعافي؛ ومن ثم فإن معالجة آثار تدمير القطاع الصناعي في غزة تقتضي وقف التدمير، وحفظ الأدلة، وتحديد المسؤوليات، وضمان المساءلة وجبر الضرر، إلى جانب إعادة بناء قاعدة إنتاجية فلسطينية قادرة على دعم التعافي وإعادة الإعمار.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest