
المركز الفلسطيني للإعلام
مع اقتراب فصل الشتاء، تدخل مستشفيات قطاع غزة مرحلة جديدة من التحديات الصحية والإنسانية، وسط تراجع حاد في قدراتها التشغيلية ونقص متزايد في الكوادر الطبية المتخصصة والأدوية والمستلزمات والأجهزة، بالتزامن مع استمرار تدفق الشهداء والجرحى وتفاقم أوضاع مئات الآلاف من النازحين الذين يواجهون البرد في خيام ومساكن مؤقتة تفتقر إلى أبسط مقومات الحماية.
ويحذر مدير مجمع الشفاء الطبي في مدينة غزة، محمد أبو سلمية، من أن انخفاض درجات الحرارة سيضاعف الأعباء على القطاع الصحي، في وقت يعيش فيه النازحون أوضاعًا بالغة الصعوبة، مع افتقار كثير منهم إلى وسائل التدفئة وغاز الطهي والمياه الصالحة للشرب، الأمر الذي يرفع احتمالات انتشار الأمراض وتدهور الحالات الصحية، خصوصًا بين الأطفال.
وقال أبو سلمية إن مجمع الشفاء استقبل خلال الساعات الـ48 الماضية أعدادًا كبيرة من الشهداء والجرحى، وصل معظم المصابين منهم في حالات خطرة، بينهم من تعرضوا لإصابات بالغة وبتر في الأطراف، في مشهد يعكس استمرار الضغط الهائل على المستشفيات وقدرتها المحدودة على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
شتاء ثقيل فوق خيام النازحين
وتتزامن برودة الطقس مع بدء ظهور مؤشرات صحية مقلقة في صفوف النازحين، إذ سجلت زيادة ملحوظة في الإصابات بالتهابات الجهاز التنفسي والرئة والنزلات المعوية، ولا سيما بين الأطفال، في ظل انتشار الخيام المهترئة وغياب وسائل التدفئة المناسبة.
ويخشى العاملون في القطاع الصحي من أن يؤدي الشتاء إلى مضاعفة هذه الأزمات، خصوصًا مع تضرر أعداد كبيرة من المنازل ومراكز الإيواء، واضطرار أعداد واسعة من السكان إلى العيش في أماكن مؤقتة لا توفر حماية كافية من الأمطار والبرد، فيما تواجه المستشفيات نفسها نقصًا حادًا في الإمكانات التي تحتاجها للتعامل مع أي ارتفاع إضافي في أعداد المرضى.
نزيف الكوادر يترك فجوة لا تُعوض
ولا تقتصر أزمة المستشفيات على نقص الأدوية والمستلزمات، بل تمتد إلى الكوادر البشرية التي تمثل العمود الفقري لأي منظومة صحية، بعدما فقد القطاع أعدادًا كبيرة من الأطباء والعاملين الصحيين بين الشهادة والأسر والخروج من غزة.
وقتل جيش الاحتلال الإسرائيلي ما يقارب 1700 من الكوادر الصحية، بينهم نحو 154 طبيبًا متخصصًا، فيما لا يزال 83 طبيبًا مختصًا معتقلًا، وهو ما ترك فجوة كبيرة في عدد من التخصصات الدقيقة التي يصعب تعويضها سريعًا، بحسب تقرير الجزيرة.
ويؤكد مدير الإغاثة الطبية في مدينة غزة، الدكتور محمد أبو عفش، أن القطاع تعرض لنكسات كبيرة نتيجة نقص الاختصاصيين، إلى جانب تقادم الأجهزة الطبية التي تعمل بصورة متواصلة منذ سنوات، مشيرًا إلى أن الخدمات الصحية تتراجع تدريجيًا مع تعطل المعدات وحاجتها المستمرة إلى الصيانة وقطع الغيار.
أجهزة تتآكل.. وتشخيص يتراجع
وتزداد صعوبة التعامل مع المرضى والجرحى مع النقص الحاد في أجهزة المختبرات والتشخيص الإشعاعي، ما يعيق تشخيص العديد من الحالات وتحديد العلاج المناسب، فيما تعمل الأجهزة المتبقية بقدرات محدودة نتيجة حاجتها إلى الصيانة.
وتكشف الأرقام الواردة في التقرير عن تراجع أجهزة التصوير والتشخيص من 635 جهازًا إلى نحو 240 جهازًا فقط، فيما خرجت حضانتان للأطفال من أصل ثماني حضانات في مستشفى أصدقاء المريض عن الخدمة.
ويشير أبو عفش إلى أن الاحتياجات لا تتوقف عند الأجهزة، بل تشمل غرف العمليات وحضانات الأطفال والمختبرات وأجهزة الأشعة، التي تحتاج إلى صيانة عاجلة وقطع غيار حتى تتمكن من مواصلة تقديم الخدمات الأساسية.
وتبرز الحاجة بصورة أكبر في تخصصات جراحة العظام وجراحة الأعصاب والجراحات الكبرى، نتيجة فقدان أو خروج أعداد كبيرة من الاختصاصيين، ما يجعل تعويض هذا النقص مهمة شديدة الصعوبة في ظل استمرار القيود على دخول الكوادر والإمكانات الطبية.
الأجهزة وحدها لا تكفي
ويرى أبو عفش أن إدخال الوفود الطبية إلى غزة يمثل حاجة ملحة، لكن وجود الأطباء وحده لا يكفي لإجراء العمليات المعقدة، إذ يتطلب الأمر دخول فرق متخصصة مجهزة بالمعدات الجراحية والأجهزة اللازمة، إلى جانب توفير المستلزمات وقطع الغيار التي تسمح للمستشفيات بإعادة تشغيل ما خرج من الخدمة.
كما تتزايد الحاجة إلى إجلاء الحالات التي تتطلب عمليات كبرى أو علاجًا متخصصًا خارج القطاع، في ظل وجود أعداد كبيرة من الجرحى والمرضى الذين ينتظرون تدخلات طبية لا تستطيع المستشفيات المحلية توفيرها في ظروفها الحالية.
ويحذر العاملون في القطاع الصحي من أن استمرار تعطل الأجهزة دون صيانة قد يقود إلى خروج معدات أخرى من الخدمة، بما يهدد خدمات التشخيص والعلاج والرعاية الحرجة، ويزيد من صعوبة إنقاذ المرضى والجرحى في الحالات الطارئة.
الوقود.. شريان آخر مهدد
وتواجه المنظومة الصحية تحديًا إضافيًا يتعلق بتأمين الطاقة اللازمة لتشغيل المستشفيات، في ظل التحذيرات من توقف إمدادات السولار عن أكثر من 20 مستشفى ومركزًا صحيًا بسبب نقص التمويل.
ويعني استمرار أزمة الوقود تهديدًا مباشرًا لتشغيل غرف العمليات وأجهزة دعم الحياة ووحدات العناية المركزة والحضانات والمختبرات، في وقت لا تحتمل فيه مستشفيات غزة أي توقف إضافي للخدمات الأساسية.
ومع اقتراب الشتاء، تبدو الأزمة الصحية في القطاع وكأنها تدخل مرحلة أكثر قسوة؛ فالمستشفيات لا تواجه فقط أعدادًا متزايدة من المرضى والجرحى، وإنما تعمل بموارد بشرية ومعدات متآكلة وقدرات تشغيلية محدودة، بينما يتجه مئات الآلاف من النازحين إلى فصل بارد دون مأوى ملائم أو وسائل تدفئة كافية.
وبين نقص الكوادر وتراجع الأجهزة وشح الأدوية والمستلزمات وتهديدات الوقود، يصبح الشتاء المقبل اختبارًا قاسيًا لما تبقى من قدرة المنظومة الصحية في غزة على الصمود، فيما تبقى حياة آلاف المرضى والجرحى مرتبطة بإعادة تشغيل المستشفيات وتوفير احتياجاتها الطبية واللوجستية بصورة عاجلة.

