غزة تعيد فلسطين إلى قلب العالم.. هل يتحول التعاطف إلى تغيير في سياسات دعم “إسرائيل”؟

التضامن مع القضية الفلسطينية

خاص.. المركز الفلسطيني للإعلام

تتم حرب الإبادة على قطاع غزة عامها الثالث، وقد استعادت القضية الفلسطينية حضورا واسعا في السياسة الدولية والنقاش العام، بعدما ساد قبل السابع من أكتوبر 2023 اتجاه إلى تجاوزها في ترتيبات المنطقة، والتعامل مع استمرار الاحتلال باعتباره واقعا يمكن احتواؤه، بالتوازي مع توسيع العلاقات العربية الإسرائيلية.

غير أن عودة فلسطين إلى الواجهة تطرح سؤالًا يتجاوز حجم الاهتمام، هل يتحول هذا الحضور إلى قوة تغير السياسات، أم يبقى العالم أكثر تعاطفا مع الفلسطينيين من دون أن يصبح أكثر استعدادا لحمايتهم؟

في قراءتها للأحداث، وضعت حركة حماس كسر تهميش القضية وإعادتها إلى الاهتمام الدولي ضمن أهداف تحركها في السابع من أكتوبر، ونُقل عن القيادي خليل الحية، في نوفمبر 2023، أن الحركة أرادت تغيير المعادلة وتجديد الاهتمام بفلسطين، ثم أكد في أكتوبر 2024، أن القضية أصبحت في صدارة الأجندة العالمية، عادا ذلك إحدى نتائج السابع من أكتوبر، وهذه رواية الحركة لأهدافها ونتائجها، التي ينبغي تقييمها بمؤشرات مستقلة.

وتسمح المعطيات بالقول إن هدف إعادة القضية إلى مركز الاهتمام تحقق بدرجة واضحة، وإن التعاطف مع الفلسطينيين اتسع في مجتمعات مؤثرة، لكن إرجاع هذا التحول إلى عامل منفرد يغفل أثر الحرب الإسرائيلية وحجم معاناة المدنيين، وعمل الصحفيين والأطباء والحقوقيين، والتعبئة التي قادتها الجاليات والحركات المدنية، كما أن التعاطف مع الشعب الفلسطيني لا يعني بالضرورة تأييد المقاومة الفلسطينية أو وسائلها؛ فهذه مواقف مختلفة لا يصح دمجها.

وعليه، فإن النجاح في استعادة الحضور الدولي يظل نتيجة محددة، ولا يمثل وحده حكما على المحصلة الاستراتيجية للأحداث أو كلفتها الإنسانية، فالقضية أصبحت أشد حضورا، بينما تعرضت مقومات الحياة الفلسطينية لتدمير واسع، وبين هذين المسارين تقع المعضلة الأساسية، كيف يتحول اتساع التأييد إلى حماية وحقوق، قبل أن تسبق الوقائع المفروضة على الأرض قدرة العالم على تغييرها؟

ينطلق هذا التقدير من فرضية أن دولة الاحتلال تواجه تآكلا في القبول بسياساتها، لكن شبكة دعمها المؤسسي أقدر على الصمود من صورتها الشعبية، ويبحث احتمالات التغيير خلال مدى قريب يمتد من ستة إلى اثني عشر شهرا، ومدى بعيد يتراوح بين ثلاث وخمس سنوات، مع اعتبار السيناريوهات ترجيحات مشروطة وليست نتائج حتمية.

استعادة الحضور وإرباك فكرة تجاوز فلسطين

قبل السابع من أكتوبر، كان الفصل بين دمج دولة الاحتلال إقليميا وتسوية القضية الفلسطينية يفتح الباب أمام تصور مفاده أن العلاقات والمصالح تستطيع التقدم، فيما تبقى الحقوق الفلسطينية مؤجلة، وكانت خطورة هذا التصور في تحويل الاحتلال إلى ملف قابل للإدارة، بدل اعتباره أزمة تتطلب حلا سياسيا.

أظهرت الأحداث اللاحقة حدود هذا الفصل، فقد عاد السؤال الفلسطيني إلى النقاش حول أمن المنطقة واستقرارها، وأصبح تجاهله أكثر صعوبة، لكن استعادة موقع القضية على جدول الأعمال لا تعني الاتفاق على معالجتها، فهناك فرق بين حضور فلسطين بوصفها قضية تحرر وحقوق، وحضور غزة بوصفها أزمة أمنية وإنسانية تحتاج إلى الاحتواء.

ومن هنا يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات: الاهتمام، والتعاطف، والالتزام، يتحقق الأول بكثافة التغطية والاجتماعات، والثاني بالانحياز إلى معاناة الفلسطينيين وحقوقهم، أما الثالث فيظهر عندما تقبل الحكومات تحمل كلفة سياسية أو اقتصادية لتعديل سلوك دولة الاحتلال، وقد يتحقق المستويان الأول والثاني بينما يتعثر الثالث سنوات.

وتكمن أهمية المرحلة الحالية في أن النقاش تجاوز، لدى قطاعات من الرأي العام، إدانة حادثة منفردة إلى مساءلة العلاقة التي تتيح استمرار الانتهاكات، غير أن هذا المسار قابل للتراجع إذا اختُزلت الأزمة في تغيير حكومة إسرائيلية أو تحسين إجراءات الإغاثة، من دون معالجة السيطرة على الأرض وحرمان الفلسطينيين من تقرير مصيرهم.

الرأي العام.. تحول ملموس وحدود ينبغي إدراكها

أظهر استطلاع جامعة كوينيبياك المنشور في 10 سبتمبر 2026 أن 38% من الناخبين الأميركيين المسجلين يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين، مقابل 35% مع الإسرائيليين، بينما لم يبدِ 27% رأيا، واعتبر 48% أن الولايات المتحدة تقدم دعما مفرطا لدولة الاحتلال.

 وشمل الاستطلاع 970 ناخبا، بهامش خطأ يبلغ 3.9 نقاط مئوية، ما يستدعي الحذر من اعتبار فارق التعاطف المحدود تفوقا محسوما.

وتشير بيانات أخرى إلى أن المسألة أوسع من استطلاع واحد، ففي أبريل 2026، أفاد مركز بيو أن 60% من البالغين الأميركيين ينظرون إلى دولة الاحتلال بصورة سلبية، مقابل 53% في العام السابق، وأن غالبية من هم دون الخمسين في كلا الحزبين الرئيسيين يحملون نظرة سلبية إليها، وهذه أسئلة عن الصورة العامة، تختلف عن سؤال التعاطف، لكنها تكشف اتجاها متقاطعا نحو تراجع القبول.

مع ذلك، لا يصح تعميم النتائج الأميركية على العالم، ولا افتراض أن تراجع صورة دولة الاحتلال يساوي تأييدا متكاملًا للمطالب الفلسطينية، فقد يعارض شخص الحرب ويؤيد استمرار المساعدة العسكرية، أو يتعاطف مع الفلسطينيين لكنه يصوت وفق أولويات اقتصادية داخلية، والتأثير السياسي يحتاج إلى معرفة قوة الموقف واستمراره، لا نسبته وحدها.

ومن المهم العلم أن تراجع التأييد لدولة الاحتلال لا يتحول تلقائيا إلى ثقة بالقيادات الفلسطينية، وقد أشار بيو في يوليو 2026 إلى أن المواقف الأميركية تجاه الفلسطينيين والسلطة الفلسطينية وحماس ظلت مستقرة نسبيا، بينما تدهورت المواقف تجاه الإسرائيليين، وهذا يوضح أن خسارة دولة الاحتلا جزء من صورتها ليست مكسبا متساويا لجميع الأطراف الفلسطينية.

واشنطن.. اهتزاز الإجماع واستمرار القدرة على التعطيل

يبقى التحول الأميركي حاسما، لأن تغيير المواقف داخل الولايات المتحدة يستطيع التأثير مباشرة في أدوات الدعم والضغط، لكن النظام السياسي لا ينقل المزاج الشعبي إلى السياسة الخارجية بصورة فورية، إذ تتداخل صلاحيات الإدارة والكونغرس، والتحالفات الحزبية، وحسابات الأمن، وشبكات المصالح والتمويل الانتخابي.

وتكشف بيانات غالوب المنشورة في فبراير 2026 اتساع الانقسام، فقد تعاطف 65% من الديمقراطيين مع الفلسطينيين، بينما تعاطف 70% من الجمهوريين مع الإسرائيليين، وبين المستقلين، بلغت النسب 41% للفلسطينيين و30% للإسرائيليين، ويعني ذلك أن العلاقة مع دولة الاحتلال تصبح أكثر خضوعا للنزاع الحزبي، لكن بقاء قاعدة مؤيدة قوية يحد من سرعة التغيير.

وفي 29 سبتمبر، تعثر مشروع في مجلس الشيوخ كان سيُلزم وزارة الخارجية بتقديم تقرير عن العنف في الضفة الغربية وأوضاع حقوق الإنسان، رغم تأييد 47 عضوا له، بحسب بيان السيناتور كريس فان هولين، وتلخص الواقعة المفارقة، فالاعتراض يتسع داخل المؤسسة، لكنه لم يتمكن من تمرير إجراء رقابي محدود.

لذلك، يبدو توسيع النقاش بشأن شروط الدعم أقرب من إنهائه، وقد تكون البداية في الرقابة على استخدام أسلحة محددة أو فرض متطلبات للإفصاح والمساءلة، أما التحول الأعمق فيحتاج إلى أغلبية مستعدة لجعل استمرار الدعم مشروطا، وإدارة تقبل استخدام نفوذها حتى عندما يعارض ذلك حلفاؤها.

أوروبا.. إجراءات تتقدم دون مراجعة شاملة

تتيح الساحة الأوروبية مسارات أكثر تنوعا، لكنها تواجه تباينا بين الدول وصعوبة في تحويل الاعتراض إلى سياسة مشتركة، وقد تتقدم دولة في التجارة أو الاعتراف السياسي، بينما تتمسك أخرى بالتعاون الأمني أو تعطل قرارات أوسع.

وفي 8 سبتمبر 2026، أعلنت 12 دولة نيتها إدخال قيود وطنية أو دعم قيود أوروبية على تجارة المستوطنات، أو النظر بجدية في هذه الإجراءات.

وأكدت بريطانيا وفرنسا وكندا أنها ستطرح تدابير وطنية لحظر التجارة في سلع المستوطنات، والتمييز هنا ضروري بين إعلان النية، واستكمال التشريع، وبدء التنفيذ، فالبيان لا يعني دخول حظر موحد حيز التطبيق في جميع الدول.

وسبق أن أقر الاتحاد الأوروبي في مايو المنصرم عقوبات على ثلاثة أفراد وأربعة كيانات مرتبطة بعنف المستوطنين، وهذه إجراءات فعلية، لكنها محددة النطاق، ولا تساوي تعليق العلاقة الاقتصادية أو العسكرية مع دولة الاحتلال.

ويحتمل هذا المسار اتجاهين: أن تصبح قيود الاستيطان مدخلًا لتوسيع المساءلة إلى المؤسسات المساندة له، أو أن تُستخدم سقفا للاستجابة يخفف الضغط الداخلي ويحافظ على بقية العلاقات، ويتوقف الأثر على نطاق التنفيذ، والاستثناءات، وتنسيق الدول، وقدرة الشركات على نقل التعاملات إلى قنوات بديلة.

من التضامن الاجتماعي إلى الكلفة المؤسسية

تستمد حركة التضامن أهميتها من قدرتها على إبقاء القضية حاضرة خارج دورات الأخبار، لكن كثافة الاحتجاج لا تكفي وحدها لتقدير نفوذه، فالأثر يتحدد بقدرته على الوصول إلى مواقع اتخاذ القرار والاستمرار بعد انحسار التعبئة.

في الجامعات والنقابات والبلديات والمؤسسات الاستثمارية، يمكن للجدل العام أن ينتقل إلى مراجعة التعاقدات والاستثمارات وشروط التعاون، ومع ذلك، لا يحمل كل إعلان مقاطعة وزنا اقتصاديا مؤثرا، ولا يساوي التصويت الرمزي تنفيذ الانسحاب من عقد أو استثمار، ويحتاج تقييم النتائج إلى تتبع القرارات وحجمها واستدامتها.

وتزداد قدرة التضامن على الاتساع حين يستند إلى حقوق متساوية وحماية المدنيين ومساءلة السياسات، مع الفصل الواضح بين نقد دولة الاحتلال والعداء لليهود، فهذا الفصل يحافظ على مضمون القضية الحقوقي، ويتيح تحالفات أوسع، ويمنع تحويل النقاش من مسؤولية الحكومات إلى نزاع حول هويات الناس.

وفي المقابل، قد تؤدي الاستقطابات الداخلية أو إنهاك المتضامنين أو التضييق على الاحتجاج إلى إضعاف الاستمرارية، لذلك، فإن المؤشر الأهم بعيد المدى هو تحول التعاطف إلى معرفة وتنظيم وممارسات مؤسسية، بدل بقائه استجابة عاطفية مرتبطة بصدمة متجددة.

غزة.. خطر الإغاثة التي تحل محل السياسة

أفاد تقرير مكتب منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام، الصادر في 24 سبتمبر، بأن وقف إطلاق النار لا يزال هشا، وأن الضربات الإسرائيلية مستمرة، فيما لم تتحول أدوات التمويل والترتيبات الانتقالية إلى تعافٍ واسع أو تحسن مستدام في حياة السكان/ مشيرا إلى أن النداء الإنساني لعام 2026 ممول بنسبة 40% فقط.

تكشف هذه الفجوة أن كثرة المبادرات لا تضمن تنفيذها، فالتعهد المالي يختلف عن تحويل الأموال، وتحويلها يختلف عن القدرة على إدخال المعدات وإعادة الخدمات، ولهذا ينبغي قياس الاستجابة الدولية بما يتغير في حياة الفلسطينيين، لا بعدد الخطط والمؤتمرات.

ويبرز احتمال تحويل غزة إلى ملف طويل الأمد لإدارة السكان والإغاثة، مع تأجيل الحقوق السياسية، وقد يسمح ذلك للحكومات بالجمع بين تمويل المساعدات واستمرار سياسات تتيح تجدد الأزمة، وتصبح إعادة الإعمار، في هذه الحالة، عملية تعويض جزئي عن الدمار من دون ضمانات تمنع تكراره.

أما المسار الأقدر على إحداث تغيير مستدام فيربط التعافي بحرية الحركة، واستقرار الخدمات، ووحدة الأرض الفلسطينية، وحق السكان في تحديد مستقبلهم، فنجاح الإغاثة ضرورة عاجلة، لكنه لا يغني عن معالجة الشروط التي جعلت الحياة نفسها عرضة للتعطيل.

العاملان العربي والفلسطيني

تملك الدول العربية أدوات محتملة تتجاوز البيانات، بحكم علاقاتها السياسية والاقتصادية والأمنية، لكن القدرة النظرية لا تتحول إلى نفوذ إلا عندما ترتبط بمطالب محددة وعواقب واضحة لعدم الاستجابة، أما الفصل الدائم بين التعاون الإقليمي والحقوق الفلسطينية فيحد من أثر الاعتراض.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي افتراض أن الدول خارج المعسكر الغربي ستتحمل تلقائيا كلفة الضغط، فقد يجتمع التأييد الدبلوماسي لفلسطين مع مصالح اقتصادية وسياسية تحد من الإجراءات العملية، ومن ثم فإن معيار التقييم واحد، مقدار التغيير المنفذ، بصرف النظر عن هوية الدولة وخطابها.

فلسطينيا، تتوقف الاستفادة من التحول على وجود أولويات مشتركة وتمثيل قادر على متابعتها، فالانقسام يتيح للأطراف الخارجية اختيار شركاء وملفات متفرقة، ويضعف الربط بين غزة والضفة والقدس، ولا يجعل ذلك الحقوق مشروطة بإنهاء الانقسام، لكنه يؤثر في القدرة على حمايتها سياسيا.

كما أن اتساع التضامن لا يمنح أي فصيل تفويضا تلقائيا للتحدث باسم جميع الفلسطينيين، ويحتاج تحويله إلى مكاسب وطنية إلى مؤسسات شرعية ومشاركة أوسع، وإلى خطاب يصل بين حماية الناس الآن وحقوقهم بعيدة المدى، بعيدا عن اختزال المحصلة في مكاسب فصائلية.

المدى القريب: ثلاثة سيناريوهات

السيناريو الأول: ضغط انتقائي مع بقاء جوهر العلاقة، وهو الأرجح. تتوسع خلال الأشهر المقبلة العقوبات المحددة وقيود المستوطنات والمراجعات الرقابية، بينما تستمر ركائز الدعم الأساسية، ويتيح هذا المسار للحكومات الاستجابة جزئيا لضغط مجتمعاتها من دون تحمل كلفة مراجعة شاملة.

قد ينتج عنه تحسن في ملفات محددة، لكنه يسمح أيضا بتكيف دولة الاحتلال مع القيود عبر الاستثناءات أو البدائل، ومؤشر تحققه هو ارتفاع عدد الإجراءات مع بقاء أثرها الميداني محدودا، واستمرار الفجوة بين شدة الخطاب وحجم التغيير.

السيناريو الثاني: انتقال إلى ضغط منسق ومؤثر، واحتماله أقل لكنه قابل للصعود، يفترض تلاقي ضغط شعبي مستمر مع تغير حسابات حكومات مؤثرة، بحيث تتزامن قيود السلاح والتجارة والتمويل والحماية الدبلوماسية، وترتبط بمطالب قابلة للتحقق.

قد يسرّع هذا المسار تصعيد واسع أو فشل متكرر لترتيبات التهدئة، لكنه ليس نتيجة تلقائية لتفاقم المعاناة، فقد تدفع الصدمات الحكومات إلى مزيد من الدعم الأمني بدل الضغط، وعلامته الفارقة قرارات متزامنة نافذة، واستعداد الدول لتحمل تبعاتها واستمرارها.

السيناريو الثالث: احتواء الغضب واستعادة التعاون، ويتحقق إذا تراجع الاهتمام العام، أو طغت مواجهة إقليمية، أو استُخدم تحسن إنساني جزئي لإعلان تجاوز الأزمة، وقد يساعد تغيير القيادة الإسرائيلية في تسويق بداية جديدة من دون تغيير السياسات الأساسية.

في هذا السيناريو، يبقى التعاطف داخل المجتمعات، لكنه يفقد أولوية التأثير، وتظهر علاماته في تأجيل القيود، وتوسيع الاستثناءات، واستئناف التعاون مقابل تعهدات غير قابلة للرقابة، ولا تكون النتيجة اختفاء القضية، بل إعادتها إلى موقع أقل إزعاجا للمصالح القائمة.

المدى البعيد: دعم أكثر مشروطية أم احتواء جديد؟

خلال ثلاث إلى خمس سنوات، يرجح أن تصبح العلاقة مع دولة الاحتلال أشد نزاعا داخل بعض المجتمعات والمؤسسات الغربية، فإذا استمرت الاتجاهات الحالية وانتقلت إلى قيادات وبرامج وتشريعات، فقد يصبح الدعم أقل تلقائية وأكثر خضوعا للرقابة والاشتراط.

لكن تغير الأجيال لا يضمن تغير السياسة، فالمؤسسات تستوعب الاعتراض، والناخبون يعيدون ترتيب أولوياتهم، والقيادات الجديدة قد تتبنى حسابات المؤسسات القائمة، ولهذا، تبدو السوابق التنفيذية أكثر أهمية من الرهان على مرور الوقت، فقرار نافذ يمكن الدفاع عنه وتوسيعه أرسخ من موجة تعاطف بلا أثر مؤسسي.

ويظل احتمال إعادة تأهيل دولة الاحتلال قائما، خصوصا إذا انفصل الاعتراض على الاحتلال عن الاعتراض على حكومة بعينها، فقد يتيح تبديل الوجوه استعادة العلاقات بينما تستمر السيطرة على الأرض، وسيكون الاختبار في السياسات والممارسات، لا في اللغة الدبلوماسية وحدها.

أما التحول الأعمق فيحتاج إلى التقاء ضغط خارجي مستدام مع مشروع فلسطيني ذي شرعية، وإجراءات تمنع فرض وقائع تقوض الحقوق، ويجب الانتباه إلى اختلاف السرعات، فقد يحتاج التغيير الدولي سنوات، بينما يستطيع الاستيطان والتهجير والتدمير تغيير الواقع خلال أشهر، وهذه الفجوة تجعل انتظار التحول وحده خيارا غير كافٍ.

مؤشرات الحكم على المرحلة المقبلة

يمكن قياس اتجاه التحول بخمسة اختبارات مترابطة، هل دخلت القيود المعلنة حيز التنفيذ؟ هل تغير تسليم السلاح وشروط استخدامه؟ هل امتدت إجراءات الاستيطان إلى التمويل والخدمات؟ هل تحول الاعتراض البرلماني إلى قرارات نافذة؟ وهل انعكس ذلك على حماية الفلسطينيين وحريتهم وقدرتهم على التعافي؟

وتحتاج الإجابة إلى تتبع التنفيذ والاستثناءات والنتائج، لا الاكتفاء بتسجيل المواقف، كما ينبغي التمييز بين كلفة تتكبدها حكومة إسرائيلية مؤقتا، وتغيير مستدام في القواعد التي تحكم العلاقة معها.

لقد عادت فلسطين إلى موقع يصعب تجاوزه، وتدعمت فرصة تحويل حضورها إلى التزام دولي أوسع، لكن استعادة الاهتمام، وهي نتيجة تؤيدها المؤشرات، تبقى مختلفة عن تحقيق الحقوق.

وتشير موازين المرحلة إلى أن التغيير القريب سيكون تدريجيا ومتفاوتا، وأن التحول الأعمق ممكن لكنه غير مضمون، ويظل الامتحان الحاسم هو انتقال الحكومات من الاعتراف بالمأساة إلى تغيير السياسات التي تتيح استمرارها.

فلا يكفي أن تصبح فلسطين أولوية في خطابات العالم، بينما تبقى حياة الفلسطينيين مؤجلة في قراراته، فالقيمة السياسية للتعاطف تبدأ حين يتوقف عن مواساة الفلسطينيين فقط، ويصبح قيدا فعليا على إنتاج مجازر وآسي جديدة.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest