
المركز الفلسطيني للإعلام
في وقت تكافح فيه مستشفيات قطاع غزة للبقاء وسط نقص الأدوية والمستلزمات الطبية وتراجع الإمكانات التشغيلية، تتصاعد التهديدات الإسرائيلية والاتهامات الموجهة إلى المنشآت الصحية باستخدامها لأغراض عسكرية، ما يثير مخاوف من تمهيد الطريق أمام موجة جديدة من الاستهدافات التي قد تحرم مئات آلاف الفلسطينيين من فرص العلاج والنجاة.
وتأتي هذه الحملة بعد نحو ثلاثة أعوام من حرب الإبادة الجماعية التي ألحقت دمارًا واسعًا بالقطاع الصحي، وفي ظل استمرار تداعيات الحصار وخروقات وقف إطلاق النار المعلن في تشرين الأول/أكتوبر 2025.
وبينما يطالب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان بالتحقق من الادعاءات الإسرائيلية وعدم اتخاذها ذريعة لمهاجمة المستشفيات، تنفي وزارة الصحة في غزة وحركة المقاومة الإسلامية «حماس» هذه المزاعم، وتحذران من استخدامها غطاءً لاستكمال تدمير ما تبقى من المرافق الطبية.
اتهامات بلا أدلة كافية ومخاوف من تكرار الاستهداف
وحذّر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان من أن التهديدات والتحريض الرسمي والإعلامي الإسرائيلي ضد المستشفيات والمراكز الطبية في غزة يشيران إلى مخاطر استهداف ما تبقى من المنظومة الصحية، في وقت لم تعد فيه المرافق العاملة قادرة على تحمّل مزيد من الهجمات أو التعطيل.
وأشار المرصد إلى أن الجيش الإسرائيلي نشر في السادس من تشرين الأول/أكتوبر الجاري بيانًا مصورًا اتهم فيه حركة حماس باستغلال منشآت مدنية، خصوصًا المستشفيات، لأغراض عسكرية، من دون تقديم أدلة كافية تدعم هذه الادعاءات. كما رصد ست رسائل تحريضية ضد المستشفيات والمراكز الطبية خلال يومين.
ومن بين المواد المنشورة مقطع زعم الجيش أنه يُظهر شخصين مرتبطين بحماس، أحدهما يزرع عبوات ناسفة نُقلت من مستشفى كمال عدوان شمال القطاع. غير أن المرصد اعتبر أن التسجيل لا يثبت خروج الشخص من المستشفى أو نقل عبوات من داخله، ولا يتيح التحقق بصورة قاطعة من طبيعة ما يظهر فيه أو صلته بالمبنى المدمر الذي عُرض لاحقًا.
وشدد المرصد على أن الادعاءات لا تصبح أدلة بمجرد تكرارها، وأن وقوع فعل عسكري خارج منشأة طبية، حتى لو ثبت، لا يعني تلقائيًا استخدام المستشفى نفسه لأغراض عسكرية أو سقوط الحماية القانونية عنه.
وزارة الصحة وحماس: ذرائع لتدمير ما تبقى من المستشفيات
في المقابل، نفت وزارة الصحة في غزة الاتهامات الإسرائيلية بشأن وجود مسلحين أو أسلحة داخل المستشفيات والمنشآت الصحية، ووصفتها بأنها مزاعم مضللة تهدف إلى توفير غطاء لاستهداف ما تبقى من المرافق الطبية.
وأكدت الوزارة أن المستشفيات العاملة تؤوي مرضى وجرحى يصارعون الموت، وتضم طواقم طبية وإنسانية تعمل في ظروف استثنائية، وسط نقص حاد في الأدوية والمستهلكات والإمكانات اللازمة لتقديم الرعاية. كما شددت على أن أبواب المنشآت الصحية مفتوحة أمام المنظمات الدولية والأممية والحقوقية للتحقق من طبيعة العمل داخلها.
وحذّرت حركة حماس بدورها من تداعيات الحملة الإسرائيلية، معتبرة أنها امتداد لاستهداف البنية المدنية والصحية في القطاع، ومؤكدة نفيها استخدام المستشفيات لأغراض عسكرية. ودعت الحركة منظمة الصحة العالمية والصحافة الدولية والمؤسسات الأممية إلى دخول غزة وتشكيل لجان للتحقق ميدانيًا من الادعاءات، كما طالبت الوسطاء والإدارة الأمريكية بالتدخل لمنع استهداف المرافق الطبية.
أرقام تكشف حجم الانهيار الصحي
وتعكس بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة حجم التراجع الذي أصاب القطاع الصحي، إذ لا يعمل سوى 19 مستشفى بقدرات محدودة من أصل 38 مستشفى، فيما تراجعت الطاقة السريرية إلى 2623 سريرًا مقارنة بـ3412 سريرًا قبل الحرب.
وتشير البيانات إلى أن 96 مركزًا للرعاية الصحية تعرض للقصف أو التدمير أو الإخراج عن الخدمة، فيما استُهدفت أكثر من 197 سيارة إسعاف، وخرجت نحو 70% من مولدات الكهرباء عن الخدمة بسبب الاستهداف المباشر. كما وثّقت البيانات 793 هجومًا على خدمات الرعاية الصحية، شملت المرافق والمركبات والكوادر وسلاسل الإمداد.
ولا تقتصر تداعيات هذه الأرقام على تعطل المؤسسات، بل تمتد إلى قدرة المرضى والجرحى على الحصول على العلاج، وإمكانية إجراء العمليات الجراحية، واستمرار خدمات الطوارئ، خصوصًا في المناطق التي تفتقر إلى الرعاية الصحية والأجهزة الجراحية.
الحماية القانونية لا تسقط بالاتهامات
وأكد المرصد الأورومتوسطي أن القانون الدولي الإنساني يمنح المستشفيات المدنية حماية خاصة، وأن اتهامها بالاستخدام العسكري لا يرفع هذه الحماية تلقائيًا. وحتى في الحالات التي يُدّعى فيها ارتكاب أعمال ضارة بالعدو من داخل منشأة طبية، تبقى هناك شروط قانونية يتعين التحقق منها، إلى جانب وجوب مراعاة التناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المرضى والجرحى والطواقم الطبية.
وحذّر المرصد من أن التهديدات قد تعطل عمل المستشفيات حتى قبل مهاجمتها، عبر إخافة المرضى والطواقم، وإعاقة وصول سيارات الإسعاف والإمدادات، أو دفع بعض المرافق إلى تعليق خدماتها خشية الاستهداف.
ودعا المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها منظمة الصحة العالمية واللجنة الدولية للصليب الأحمر، إلى التحرك العاجل والتحقق علنًا من الادعاءات الإسرائيلية، كما طالب المجتمع الدولي بالضغط لحماية المنشآت الطبية وتأمين دخول الأدوية والوقود والمعدات، وضمان الإجلاء الطبي للمرضى الذين يتعذر علاجهم داخل القطاع.
وفي ظل هذا الواقع، لا تمثل المخاوف من استهداف المستشفيات مسألة تتعلق بالمباني وحدها، بل بمصير منظومة إنقاذ تتقلص قدراتها يومًا بعد يوم. فاستمرار التحريض والتهديد، بالتزامن مع انهيار الإمكانات الصحية، يضع المرضى والجرحى أمام مخاطر إضافية، ويجعل حماية ما تبقى من المستشفيات ضرورة عاجلة للحفاظ على فرص الحياة في غزة.

