
القدس المحتلة – المركز الفلسطيني للإعلام
قد يخسر بنيامين نتنياهو القدرة على تشكيل حكومة جديدة، ويظل في رئاسة الحكومة، وقد تنجح المعارضة في إزاحته، من دون أن تنجح في تغيير السياسات التي تحكم واقع الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.
بين هذين الاحتمالين، تتجاوز القراءات المنشورة في مؤسسات أميركية سؤال الفائز في الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر الجاري، إلى سؤال أكثر تعقيدا، هل تستطيع صناديق الاقتراع إنتاج تحول سياسي، أم تكتفي بإعادة توزيع السلطة داخل منظومة تتقاطع أطرافها في تصورات أمنية ومواقف متشددة تجاه الحقوق الفلسطينية؟
هذه المفارقة تتصدر التقرير الذي أعدّه الدكتور سنان شقديح، بتاريخ 16 أكتوبر 2026، بعنوان “سيناريوهات ما بعد الانتخابات الإسرائيلية وانعكاساتها المحتملة فلسطينياً وفقاً لمراكز البحث الأميركية».
ويجمع التقرير بين السيناريوهات البرلمانية التي تطرحها مؤسسة “جي ستريت”، والتحليل الإقليمي لمعهد واشنطن، والأسئلة التي تضعها مؤسستا كارنيغي وبروكينغز بشأن مستقبل السياسة الإسرائيلية وحدود التغيير الممكن.
ولا تقدم هذه المواد موقفاً أميركياً موحداً، كما تختلف طبيعتها بين تحليلات منشورة وأطر معلنة لنقاشات بحثية، لكنها تكشف، عند قراءتها معاً، عن ثلاثة اختبارات منفصلة تنتظر الانتخابات، القدرة على تشكيل حكومة، وإبقائها متماسكة، ثم تحويل التغيير في تركيبتها إلى قرارات فعلية، فلسطينياً، تبرز المسافة بين الاختبارين الأول والثالث، إذ يمكن أن تتفق أحزاب إسرائيلية على إنهاء حكم نتنياهو، بينما تعجز عن الاتفاق على وقف التوسع الاستيطاني أو إتاحة أفق سياسي للفلسطينيين.
أغلبية ضد نتنياهو لا تعني حكومة بديلة
يقول “يائيل باتير” في تحليل لدى “جي ستريت” صورة لمأزق يتجاوز تقارب نتائج المعسكرات المتنافسة، فمتوسط الاستطلاعات الذي يستند إليه التحليل يمنح معسكر نتنياهو نحو 52 مقعداً، والمعارضة عدداً مماثلاً، بينما يرتفع مجموع المعارضة، عند احتساب الأحزاب العربية، إلى قرابة 65 مقعداً.
غير أن هذه الأرقام لا تنتج تلقائياً أغلبية حاكمة، فرفض بعض أحزاب المعارضة الاعتماد على القوائم العربية يفصل بين وجود أكثرية تناهض نتنياهو وبين القدرة على جمعها حول حكومة واحدة، وبذلك، لا يعود السؤال مقتصراً على عدد المقاعد التي يخسرها رئيس الحكومة، بل يشمل استعداد خصومه للتعاون مع القوى التي يحتاجون إلى أصواتها لإبعاده.
وتظهر هنا أهمية المشاركة العربية ومصير القوائم القريبة من نسبة الحسم، البالغة 3.25%. فالتغير المحدود في نسب التصويت أو نجاح قائمة صغيرة في تجاوز العتبة الانتخابية قد يعيد ترتيب موازين تشكيل الحكومة، وتمنح هذه الحسابات الأحزاب العربية تأثيراً يتجاوز حجمها المنفرد، لكنها تكشف أيضاً حدود قبول قطاعات من المعارضة بدورها السياسي.
المفارقة أن أصوات المواطنين الفلسطينيين قد تكون ضرورية لإنهاء حكم نتنياهو، فيما يبقى إشراك ممثليهم في تحديد سياسات الحكومة موضع رفض أو مساومة، ولهذا، تتعامل السيناريوهات التي يعرضها التقرير مع الدعم الخارجي أو الامتناع عن التصويت ضد حكومة بديلة باعتبارهما احتمالين لتجاوز الانسداد، من دون افتراض قيام شراكة ائتلافية كاملة.
خمسة مسارات ومشكلة مستمرة
يعرض “جي ستريت” خمسة سيناريوهات، يبدأ أولها بعجز المعسكرات عن تشكيل حكومة، واستمرار حكومة تصريف الأعمال وصولاً إلى انتخابات جديدة، وفي هذا المسار، قد يبقى نتنياهو على رأس السلطة التنفيذية رغم وجود أغلبية برلمانية مناوئة له.
ولا يعني ذلك بالضرورة غياب قدرة المعارضة على التأثير، فقد تتعاون أحزابها في الرقابة والتشريع، أو في الدفع نحو التحقيق في إخفاقات السابع من أكتوبر، ومراجعة أجزاء من التغييرات القضائية، لكن التعاون حول هذه الملفات لا يساوي الاتفاق على برنامج حكومي، ولا يضمن انتقال أثره إلى السياسات المتعلقة بالفلسطينيين، وتبقى إمكانية استمرار الإجراءات الأمنية والإدارية في الضفة وغزة قائمة، حتى مع تعطل الحسم السياسي في الداخل الإسرائيلي.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في حكومة معارضة بقيادة غادي آيزنكوت، تقوم على أغلبية مستقلة أو تستفيد من دعم خارجي للأحزاب العربية أو امتناعها عن إسقاطها، وبحسب عرض التقرير، يتيح هذا المسار مساحة أوسع لتغيير بعض الممارسات، مثل التصدي لعنف المستوطنين، وتقييد بعض أشكال التوسع الاستيطاني، وتحسين العلاقة مع السلطة الفلسطينية، والانخراط في ترتيبات إدارة غزة.
إلا أن هذه المساحة تصطدم بوجود أطراف يمينية داخل المعارضة نفسها، فالاتفاق على إبعاد نتنياهو لا يلغي الخلاف على الاستيطان أو العلاقة مع الفلسطينيين، وقد تصبح المحافظة على الحكومة سبباً لتأجيل القرارات الأكثر حساسية، وهنا تتحدد قيمة التغيير بقدرة الائتلاف على اتخاذ قرارات تتجاوز تعديل الخطاب وإصلاح العلاقات الخارجية.
ويقوم السيناريو الثالث على تشكيل حكومة وحدة واسعة، تجمع أحزاباً من المعارضة والليكود وربما شركاء إضافيين، مع بقاء الخلاف حول مشاركة نتنياهو وترتيبات تقاسم السلطة، ويوفر هذا الخيار قاعدة برلمانية أوسع، لكنه يحمل احتمال إعادة إنتاج التوافقات الأمنية القائمة ضمن صيغة سياسية أقل صدامية.
وبحسب التقرير، يكمن الخطر في أن تؤدي اللغة الدبلوماسية الأكثر اعتدالاً، أو إجراءات محدودة ضد عنف المستوطنين، إلى رفع توقعات الخارج، بينما تستمر سياسات فرض الوقائع في الضفة الغربية، عندها تصبح سعة الائتلاف مؤشراً إلى استقراره الداخلي، من دون أن تكون دليلاً على استعداده لمعالجة جذور الصراع.
أما السيناريو الرابع، فهو نجاح نتنياهو في تشكيل حكومة يمينية جديدة مع حلفائه القوميين والدينيين، ويربط التقرير هذا الاحتمال باستمرار التغييرات القضائية وإمكان تسريع سياسات الاستيطان والضم، مع التشديد على أنها تقديرات تحليلية وليست نتائج محسومة.
ويكتسب التمييز بين الضم المعلن والضم الفعلي أهمية خاصة في هذا السياق؛ إذ يمكن توسيع السيطرة على الأرض عبر التخطيط والبناء والصلاحيات الإدارية والبنية التحتية، من دون إعلان قانوني شامل، لذلك، لا يكفي غياب إعلان رسمي للضم للحكم على اتجاه السياسة المقبلة.
ويفترض السيناريو الخامس تشكيل حكومة بقيادة آيزنكوت بدعم من منشقين عن معسكر نتنياهو. وقد يفتح انتقال عدد محدود من النواب الطريق أمام أغلبية بديلة، لكنه يمنح هؤلاء قدرة كبيرة على تحديد برنامجها، وبقدر ما يسهل انشقاقهم ولادة الحكومة، قد يضع سقفاً لقراراتها تجاه الفلسطينيين، خصوصاً إذا أصبح بقاؤها مرتبطاً بمواقفهم من الاستيطان وغزة.
التصور الأمني أبعد من هوية الحاكم
إذا كانت قراءة “جي ستريت” تبدأ من توزيع المقاعد، فإن تحليل جيمس جيفري، المنشور لدى معهد واشنطن في 26 سبتمبر الماضي، ينقل التركيز إلى التصورات الأمنية التي ستواجه أي حكومة مقبلة.
ويرى جيفري أن التحول الذي أعقب السابع من أكتوبر قد يدفع دولة الاحتلال إلى التحرك بسرعة أكبر ضد ما تعتبره تهديدات، بصرف النظر عن التغير المحتمل في القيادة.
وفي الوقت نفسه، يترك التحليل مجالاً لمقاربات مختلفة بعد الانتخابات، تبعاً لتركيبة الحكومة ودور الولايات المتحدة، لكنه يقرن هذا الاحتمال بوجود ضغوط تدفع إلى استمرار السياسات الحالية، حتى في حال تشكيل ائتلاف أكثر اعتدالاً، وهذه قراءة للقيود التي قد تواجه الحكومة، وليست تأكيداً لاستحالة التغيير.
ويمكن القول هنا استنتاجا أن تبديل رئيس الحكومة لا يزيل تلقائياً التوافقات الأمنية والمؤسسية، ففي غزة، تبقى الأسئلة المتعلقة بالوجود العسكري والإدارة المدنية وإعادة الإعمار ودور المؤسسات الفلسطينية محكومة بالقرارات التنفيذية، لا بمجرد الإعلان عن قيادة جديدة.
ماذا غيّرت الحرب داخل دولة الاحتلال؟
تطرح كارنيغي السؤال من مستوى أعمق من المفاوضات الائتلافية، ففي تقديم نقاشها حول الانتخابات، تربط المؤسسة الاستحقاق بالتحولات السياسية والاستراتيجية التي شهدها المجتمع الإسرائيلي منذ أكتوبر 2023، وبما تصفه بتعزز المعارضة الإسرائيلية لإقامة دولة فلسطينية.
وعليه، لا ينحصر السؤال في احتفاظ نتنياهو وائتلافه بالسلطة، بل في الاتجاه الذي تكشفه الانتخابات بعد ثلاث سنوات من الحرب، وتضع المؤسسة ضمن هذا الإطار ملفات القضاء والحريديم وحركة المستوطنين ودور المواطنين الفلسطينيين، وتسأل إن كانت الحكومة المقبلة ستغير المقاربات المتعلقة بغزة والضفة والمنطقة، أم ستواصل المسار نفسه.
وتضيف هذه الزاوية قيداً أساسياً إلى السيناريوهات البرلمانية، قد تُنتج الانتخابات قيادة مختلفة، فيما تبقى البيئة السياسية التي تتحرك داخلها معارضة للتنازلات المطلوبة لتسوية سياسية، وبذلك، يصبح قياس التحول مرتبطاً بالاستعداد لمواجهة هذه الاتجاهات، وليس فقط بالقدرة على جمع أحزاب متخاصمة في ائتلاف.
الاختبار في الأرض والقرارات
لا تلغي هذه القراءات الفروق بين السيناريوهات، ولا تساوي بين استمرار حكومة يمينية وتشكيل حكومة معارضة، لكنها تحذر من اختزال مستقبل السياسات الإسرائيلية في مصير نتنياهو الشخصي، أو التعامل مع تحسن العلاقة مع واشنطن بوصفه دليلاً كافياً على تغير الواقع الفلسطيني.
ولهذا، يقترح تقرير شقديح متابعة مؤشرات محددة بعد الانتخابات، قرارات التخطيط والبناء الاستيطاني، والتعامل مع عنف المستوطنين، وتوزيع الصلاحيات الإدارية في الضفة، والخطوات القانونية المرتبطة بالضم، وفي غزة، يتمثل الاختبار في ترتيبات الأمن والإدارة وإعادة الإعمار، ومدى اتصالها بدور فلسطيني فعلي وحق تقرير المصير.
وتكشف المقارنة أن تشكيل الحكومة واستقرارها وتغيير سياساتها ليست مراحل مضمونة في مسار واحد، فقد تنجح المعارضة في الأولى، وتتعثر في الثانية، وتتراجع عن الثالثة حفاظاً على بقائها.
وقد تنجح حكومة واسعة في استعادة قدر من القبول الخارجي، بينما تستمر الوقائع التي تعمق السيطرة على الأرض.
بالنسبة للفلسطينيين لن يكون خروج نتنياهو، إن حدث، خاتمة الاختبار، فالتحول الذي يستحق القياس يبدأ حين تتغير القرارات التي تصادر الأرض، وتوسع المستوطنات، وتحدد من يحكم غزة وكيف يعيش سكانها. أما تبديل الأسماء مع بقاء هذه السياسات، فيعني أن الانتخابات غيّرت الحكومة، وتركت واقع الاحتلال على حاله، وهو الأرجح.

