
المركز الفلسطيني للإعلام
رفعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي مستوى التأهب العسكري إلى مستويات قصوى قبيل الانتخابات العامة المقررة الثلاثاء المقبل، في ظل مخاوف من هجمات محتملة قد تستهدف التأثير على عملية الاقتراع، بالتزامن مع احتدام الصراع السياسي الداخلي وتراجع فرص معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وفق استطلاع للرأي أظهر تقدم المعارضة عليه في توزيع المقاعد والأفضلية لرئاسة الحكومة.
وتتجاوز دلالات الاستنفار، وفق المعطيات التي أوردتها وسائل إعلام إسرائيلية، مجرد الاستعداد لاحتمال وقوع هجوم؛ إذ يأتي في مرحلة شديدة الحساسية تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع التنافس الانتخابي، وتداعيات هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، والاستنزاف الناجم عن سنوات الحرب على جبهات متعددة.
وبحسب ما أورده موقع «والا» العبري، أوعز وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى الجيش برفع مستوى التأهب، عقب تقييم أمني تناول سيناريوهات تصعيد محتملة على جبهات عدة، بما فيها جبهات بعيدة جغرافيًا عن إسرائيل.
وشملت التدابير منع الجنود من مغادرة قواعدهم، وتعزيز غرف العمليات، وتوسيع جمع المعلومات الاستخبارية، ورفع جاهزية القوات المنتشرة على الحدود.
كما تضمنت الاستعدادات إدخال تقنيات وأجهزة استشعار جديدة، وتعزيز التنسيق بين الوحدات العسكرية والقوات الأمريكية الموجودة في إسرائيل، والتي تضم آلاف الجنود وطائرات ومنظومات عسكرية، من بينها أنظمة للدفاع الجوي.
استنفار واسع وتحسب لمفاجآت أمنية
تأتي الإجراءات الإسرائيلية في ضوء المخاوف من استغلال أطراف معادية يوم الانتخابات أو الفترة المحيطة به لتنفيذ هجمات قد تربك المؤسسة الأمنية وتؤثر في سير الاقتراع.
وكشفت صحيفة «معاريف» العبرية أن عشرات الطائرات التابعة لسلاح الجو الإسرائيلي حلّقت، ليلة الاثنين الماضي، باتجاه الحدود الإيرانية، في وقت تتصاعد فيه المخاوف الأمنية قبيل الانتخابات، رغم أن الجيش، بحسب الصحيفة، لم يرصد مؤشرات على هجوم وشيك.
وتعكس هذه التحركات مستوى الحذر الذي تتعامل به المؤسسة العسكرية مع المرحلة الحالية، خصوصًا في ضوء الإخفاقات الأمنية التي رافقت هجوم السابع من أكتوبر 2023، وما أحدثه من صدمة داخل المجتمع الإسرائيلي، وأثارته من تساؤلات بشأن قدرة الأجهزة الأمنية على اكتشاف التهديدات والتعامل معها قبل وقوعها.
ووفق ما أوردته «معاريف»، رفع سلاح الجو جاهزيته إلى أكثر من ستة أضعاف المستوى الذي كان عليه عشية هجوم السابع من أكتوبر، فيما عزز الجيش انتشاره على مختلف الجبهات، وأرسل سرايا إضافية إلى الفرقة 80، المعروفة باسم «عُصبة أدوم»، لتأمين منطقة إيلات ووادي عربة قبل الانتخابات وخلالها.
ومع ذلك، تبرز مفارقة أساسية في التقديرات الأمنية الإسرائيلية: فبينما يجري رفع الاستعدادات إلى مستويات قصوى، لا تشير المعطيات التي أوردتها الصحيفة إلى وجود مؤشرات مؤكدة على هجوم وشيك من إيران أو اليمن أو غزة أو لبنان أو سوريا أو العراق أو الضفة الغربية.
وهذا يعني أن الاستنفار لا يستند بالضرورة إلى معلومات تؤكد قرب وقوع هجوم، بقدر ما يعكس الاستعداد لسيناريوهات محتملة في فترة تعدها المؤسسة الأمنية شديدة الحساسية، وتخشى خلالها تكرار مفاجأة استراتيجية كالتي وقعت في أكتوبر 2023.
نتنياهو وكاتس في مواجهة المعارضة
لم تقتصر تداعيات التحذيرات الأمنية على المؤسسة العسكرية، بل امتدت إلى الساحة السياسية، حيث تحولت المخاوف من هجمات محتملة إلى محور سجال بين الحكومة والمعارضة قبل أيام من توجه الناخبين إلى صناديق الاقتراع.
واتهم وزير الدفاع يسرائيل كاتس قادة المعارضة بإضعاف قوة الردع الإسرائيلية من خلال انتقاد التحذيرات التي أطلقها بشأن احتمال وقوع هجمات خلال الفترة الانتخابية.
وزعم كاتس أن التحذيرات تستند إلى معلومات عن نوايا لدى جهات معادية للتأثير على نتائج الانتخابات، محمّلًا المعارضة مسبقًا مسؤولية سياسية عن أي هجوم قد يقع.
في المقابل، رفض رئيس حزب «يشار» المعارض غادي آيزنكوت هذا الخطاب، واتهم كاتس بمحاولة تحميل الخصوم السياسيين مسؤولية مسبقة عن إخفاقات أمنية محتملة، معتبرًا أن اتهام المعارضة بهجمات لم تقع بعد يشكل سابقة خطيرة.
ورأى آيزنكوت أن نتنياهو وكاتس يقدّمان بقاءهما السياسي على الاعتبارات الأخرى، في إشارة إلى توظيف التحذيرات الأمنية ضمن المواجهة الانتخابية.
ويكشف هذا السجال عن أزمة ثقة داخلية تتجاوز الخلاف على تقدير المخاطر الأمنية؛ إذ تتعلق أيضًا بكيفية إدارة الحكومة للمخاوف العامة، وحدود استخدام التحذيرات الأمنية في الصراع على السلطة، والجهة التي ستتحمل المسؤولية إذا وقعت هجمات أو ظهرت إخفاقات جديدة.
وفي هذا السياق، نقلت الجزيرة عن مصدر أمني قوله إن الجدل حول احتمال اندلاع حرب «يخدم جهة ما في الداخل، كما يخدم أطرافًا خفية خلف البحار»، مشيرًا إلى تزامن المعركتين الانتخابيتين في إسرائيل والولايات المتحدة، وإلى أن بعض الأطراف في واشنطن قد تستفيد من الحديث عن حرب وشيكة إذا كان ذلك يعزز صورة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بوصفه قائدًا مستعدًا لمواجهة عسكرية جديدة.
استطلاع يضع نتنياهو أمام اختبار صعب
يتزامن الاستنفار العسكري مع مؤشرات انتخابية لا تصب في مصلحة معسكر نتنياهو، إذ أظهر استطلاع نشرته صحيفة «معاريف» العبرية، بالتعاون مع معهد «لازار ريسيرش» برئاسة مناحيم لازار ومنظمة «بانل فور أول»، تراجع كتلة الائتلاف الحاكم إلى 48 مقعدًا، مقابل 54 مقعدًا لكتلة التغيير المعارضة.
ويمثل الفارق بين الكتلتين، وفق نتائج الاستطلاع، أوسع تقدم للمعارضة في هذه المقارنة، رغم أن الفارق بين الحزبين الأكبر لا يتجاوز مقعدين.
ويُعزى تراجع الائتلاف، بحسب التقرير، إلى إخفاق حزب «عماخ يسرائيل»، بقيادة عوفر فينتر، في تجاوز نسبة الحسم، بعدما حصل على 3% من الأصوات، دون العتبة المحددة عند 3.25%. كما خسر حزبا «يهودات هتوراه» و«عوتسما يهوديت» مقعدًا لكل منهما، بينما كسب كل من الليكود وشاس والصهيونية الدينية مقعدًا، ليتراجع مجموع مقاعد الائتلاف بثلاثة مقاعد مقارنة باستطلاع الأسبوع السابق.
وفي مؤشر آخر على تراجع موقع نتنياهو، تقدم غادي آيزنكوت عليه في الأفضلية لتولي رئاسة الحكومة بنسبة 49% مقابل 41%. كما تقدم نفتالي بينيت على نتنياهو بنسبة 45% مقابل 43%، بعدما كانا متعادلين عند 43% في الاستطلاع السابق.
في المقابل، حافظ نتنياهو على تقدمه على أفيغدور ليبرمان بنسبة 44% مقابل 39%.
وعلى مستوى الأحزاب، ارتفع رصيد حزب «بيحاد» بقيادة بينيت بمقعدين ليصل إلى 15 مقعدًا، بينما حصل حزب «الديمقراطيون» على عشرة مقاعد، وحافظ حزب «يشار» بقيادة آيزنكوت على 21 مقعدًا، و«إسرائيل بيتنا» على ثمانية مقاعد، فيما تجاوز حزب «الاحتياطيون الاقتصاديون» نسبة الحسم بصعوبة، محققًا أربعة مقاعد.
وتعكس هذه النتائج، إذا ترجمت إلى صناديق الاقتراع، صعوبة تشكيل حكومة مستقرة بالنسبة إلى معسكر نتنياهو، لكنها لا تحسم النتيجة النهائية؛ فالاستطلاعات تبقى مؤشرات لاتجاهات الناخبين وليست بديلًا عن النتائج الرسمية.
مشاركة مرتفعة ومنافسة على تشكيل الحكومة
أظهر الاستطلاع ارتفاع نسبة الإسرائيليين الذين أكدوا ثقتهم بمشاركتهم في التصويت إلى 81%، مقارنة بنسبة مشاركة بلغت 71% في انتخابات عام 2022.
وبلغت نسبة المشاركة المتوقعة 87% بين ناخبي المعارضة، مقابل 83% لدى ناخبي الائتلاف، وهو ما قد يعزز أهمية قدرة كل معسكر على تحويل التأييد المعلن إلى أصوات فعلية يوم الاقتراع.
وأُجري الاستطلاع بين 19 و22 أكتوبر/تشرين الأول على عينة تمثيلية من 1048 شخصًا من البالغين اليهود والعرب، بهامش خطأ أقصى يبلغ ثلاثة في المئة، وفق البيانات المنشورة.
وتأتي هذه المؤشرات في وقت توصف فيه الانتخابات بأنها مفصلية، إذ تُجرى في ظل تداعيات هجوم السابع من أكتوبر، والاستقطاب الداخلي الحاد، والإرهاق المتراكم جراء ثلاث سنوات من الحرب على جبهات متعددة.
ولا تتوقف أهمية النتائج عند هوية رئيس الحكومة المقبل، بل تمتد إلى مستقبل الائتلافات الحاكمة، وقدرة أي حكومة جديدة على التعامل مع الملفات الأمنية والعسكرية، وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات بعد الإخفاقات التي سبقت الحرب وتداعياتها.
بين المخاوف الأمنية والحسابات الانتخابية
يضع تزامن الاستنفار العسكري مع اقتراب موعد الانتخابات إسرائيل أمام معادلة معقدة: فمن جهة، تسعى المؤسسة الأمنية إلى منع أي هجوم مفاجئ قد يربك الاقتراع ويعيد إلى الواجهة إخفاقات أكتوبر 2023؛ ومن جهة أخرى، يتحول تقدير التهديدات إلى موضوع خلاف سياسي، في ظل تنافس محتدم على قيادة الحكومة.
ولا يمكن الجزم بأن رفع الجاهزية يستهدف خدمة طرف انتخابي بعينه، كما لا توجد في المعطيات المنشورة أدلة تؤكد أن هجومًا وشيكًا بات حتميًا. لكن توظيف التحذيرات الأمنية في السجال بين الحكومة والمعارضة يكشف عن تداخل واضح بين الأمن والسياسة في الأيام الأخيرة قبل التصويت.
وفي المحصلة، لا يقتصر الاختبار الذي تواجهه إسرائيل على تأمين مراكز الاقتراع والحدود، بل يشمل أيضًا قدرة مؤسساتها على إدارة المخاطر من دون تحويلها إلى أداة لتبادل الاتهامات، في وقت تشير فيه استطلاعات الرأي إلى منافسة قد تعيد رسم موازين القوى داخل الكنيست وتضع مستقبل نتنياهو السياسي أمام اختبار جديد.

