
المركز الفلسطيني للإعلام
وضعت عملية إطلاق النار التي وقعت قرب مدينة الخليل، جنوبي الضفة الغربية المحتلة، حكومة الاحتلال الإسرائيلي أمام اختبار أمني وسياسي جديد، في ظل اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، وتصاعد التنافس بين الأحزاب الإسرائيلية لإظهار قدرتها على فرض الأمن ومنع تكرار العمليات.
وأسفرت العملية عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة ستة آخرين، بينهم مصابون بجروح حرجة، قبل استشهاد منفذَيها خلال اشتباك مسلح استمر نحو 20 دقيقة. وأُعلن أن المنفذين هما حمودة جعبة وفراس جعبة، وكلاهما يبلغ من العمر 27 عامًا وينتمي إلى العائلة نفسها ويقيم في مدينة الخليل.
وبحسب الروايات المتداولة، بدأت المواجهة في محيط مفترق يهودا، حيث استهدف إطلاق النار موقعًا عسكريًا، قبل أن يتواصل الاشتباك في محيط حاجز عسكري. وأعقبت العملية حالة استنفار أمني وعسكري، وفرض طوق على مدينة الخليل وعدد من القرى المحيطة بها، بالتزامن مع تحركات إسرائيلية لبحث تداعياتها والإجراءات المترتبة عليها.
وتكتسب العملية أهمية خاصة لتزامنها مع الاستحقاق الانتخابي، فضلًا عن وقوعها في محافظة تشهد انتشارًا عسكريًا واستيطانيًا واسعًا واحتكاكات متكررة بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال والمستوطنين، الأمر الذي يفتح الباب أمام توظيف تداعياتها في السجال السياسي الإسرائيلي، ولا سيما بشأن فاعلية المنظومة الأمنية وحدود سياسة الردع.
توظيف انتخابي للعملية
ويرى المختص في الشأن الأمني رامي زبيدة أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو وأطراف اليمين المتطرف قد يوظفون عملية الخليل في حساباتهم السياسية والانتخابية، من خلال تصعيد الخطاب الأمني وتضخيم المخاوف من تكرار العمليات، بما يعزز رواية الحكومة بشأن ضرورة تشديد الإجراءات العسكرية والأمنية في الضفة الغربية.
وأوضح زبيدة أن استثمار العملية بهذا الاتجاه قد يمنح نتنياهو فرصة لتقديم نفسه بوصفه قادرًا على مواجهة التحديات الأمنية، في وقت تواجه فيه حكومته ضغوطًا سياسية وتساؤلات بشأن قدرتها على منع العمليات رغم الانتشار العسكري الواسع.
وحذّر من أن هذا التوظيف السياسي قد يفتح الباب أمام مزيد من الملاحقات والاغتيالات والإغلاقات، تحت عنوان تعزيز الردع واستعادة السيطرة الأمنية، مشيرًا إلى أن اليمين المتطرف قد يستغل حالة الخوف لتبرير سياسات أكثر تشددًا تجاه الفلسطينيين.
وأضاف أن تحويل العملية إلى ورقة انتخابية قد يؤدي إلى تصعيد ميداني أوسع، خصوصًا إذا اتجهت الحكومة إلى اتخاذ إجراءات جماعية بحق السكان، بما يجعل تداعياتها جزءًا من الصراع السياسي الداخلي في “إسرائيل”.
وعقب العملية، وصل وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير إلى موقعها، داعيًا إلى تشديد القيود المفروضة على الفلسطينيين ونشر مزيد من الحواجز العسكرية. كما دعا إلى تفكيك السلطة الفلسطينية ونزع سلاحها والقضاء على البنية التحتية للمقاومة، محذرًا من تكرار هجوم السابع من أكتوبر انطلاقًا من الضفة الغربية.
وفي السياق ذاته، ترأس نتنياهو اجتماعًا أمنيًا عاجلًا بمشاركة قادة الأجهزة الأمنية، وسط تقارير عن توجهات لفرض إغلاقات وتوسيع الإجراءات العسكرية في الخليل ومحيطها.
وتزامنت هذه التحركات مع سجال سياسي إسرائيلي بشأن المسؤولية عن العملية؛ إذ تتيح تداعياتها للمعارضة مساءلة الحكومة عن الإخفاقات الأمنية، في حين تسعى الحكومة إلى إظهار قدرتها على فرض الردع ومنع تكرار الهجمات. ومع ذلك، يبقى أثر العملية في اتجاهات الناخبين ونتائج الانتخابات غير محسوم.
الخليل.. بيئة احتكاك متواصلة
من جانبه، قال المحلل السياسي محمد القيق إن عملية إطلاق النار تحمل دلالات أمنية وسياسية، خصوصًا أنها وقعت في ظل استنفار عسكري وإجراءات مشددة وحملات اعتقال وإغلاق في المنطقة.
وأوضح القيق أن وقوع العملية في الخليل، التي شهدت هدوءًا نسبيًا خلال الفترة الماضية، واستمرار الاشتباك وسقوط قتلى وجرحى في صفوف قوات الاحتلال، يطرحان تساؤلات بشأن فاعلية الإجراءات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، وينعكسان على صورة المنظومة الأمنية للاحتلال.
وأشار إلى أن طبيعة الإجراءات الإسرائيلية المقبلة ستتوقف إلى حد كبير على تقديرات الاحتلال بشأن خلفية المنفذين والجهة التي قد تكون وراء العملية، لافتًا إلى احتمال توظيفها سياسيًا وأمنيًا، سواء عبر تحميل جهات معينة المسؤولية أو استغلال أي ارتباط محتمل لتبرير إجراءات تستهدف السلطة الفلسطينية.
وأضاف القيق أن الاحتلال قد يستغل العملية لتوسيع الإغلاقات والاعتقالات وتشديد الإجراءات العسكرية، بما يشمل فرض عقوبات جماعية على الفلسطينيين، إلى جانب توفير غطاء لتصعيد اعتداءات المستوطنين والاستيلاء على الأراضي.
ورأى أن السياسة الإسرائيلية تميل إلى التركيز على التداعيات الأمنية المباشرة للعملية بدلًا من معالجة الأسباب التي تقف وراء التصعيد، مع توظيف الأحداث بما يخدم الحسابات السياسية والأمنية للحكومة.
وتبرز خصوصية الخليل في طبيعة الواقع الذي يعيشه سكانها، في ظل انتشار الحواجز والمواقع العسكرية والبؤر الاستيطانية، ولا سيما في محيط البلدة القديمة ومناطق التماس مع المستوطنات، وما يرافق ذلك من قيود على حركة الفلسطينيين واحتكاكات متكررة.
ووفق تقرير لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان نُشر في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، سجلت محافظة الخليل 10,840 اعتداءً من قوات الاحتلال والمستوطنين خلال الأعوام الثلاثة التي تناولها التقرير، لتتصدر المحافظات الفلسطينية في عدد الاعتداءات، تلتها رام الله والبيرة بـ10,594 اعتداءً، ثم نابلس بـ10,261، والقدس بـ7,315 اعتداءً.
وتعكس هذه الأرقام حجم الاعتداءات والاحتكاك في المحافظة، دون أن يعني ذلك أن كثافة الانتهاكات تؤدي بالضرورة إلى تنفيذ عمليات مسلحة، إذ تتداخل في تفسير التصعيد عوامل سياسية وميدانية وشخصية متعددة.
العقوبات الجماعية لا تضمن منع العمليات
وفي قراءة لأسباب تكرار العمليات رغم الإجراءات الأمنية المشددة، قال الكاتب والمحلل السياسي نهاد أبو غوش إن حالة الدهشة التي أبدتها أوساط سياسية وأمنية وإعلامية إسرائيلية عقب عملية الخليل تعكس تركيزًا على الثغرات الأمنية التي سمحت للمنفذين بالوصول إلى هدفهم، مقابل اهتمام أقل بالعوامل التي تدفع إلى استمرار المواجهة.
وأشار أبو غوش إلى أن العملية جاءت بعد أيام من تهديدات أطلقها نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس، توعدا خلالها الفلسطينيين بعقوبات واسعة تشمل التهجير وإخلاء مناطق وهدم المنازل والإغلاق والاعتقالات.
وأوضح أن أحد أسباب الدهشة الإسرائيلية يتمثل في اعتقاد المؤسسات الأمنية أن معرفة الفلسطينيين بحجم العقوبات التي قد تطالهم وعائلاتهم ومناطقهم ستدفعهم إلى الإحجام عن تنفيذ العمليات، سواء كانت فردية أو مرتبطة بفصائل فلسطينية.
وأضاف أن تكرار العمليات رغم التهديدات يكشف محدودية الرهان على العقوبات الجماعية بوصفها أداة ردع كافية، لافتًا إلى أن التحقيقات والتحليلات الإسرائيلية تتجه غالبًا إلى البحث عن الثغرات الأمنية التي مكّنت المنفذين من تجاوز الحواجز والتحصينات، من دون إيلاء الاهتمام ذاته للعوامل الأوسع المرتبطة بالواقع الفلسطيني.
وربط أبو غوش هذا الواقع باستمرار الاعتداءات والانتهاكات اليومية التي تنفذها قوات الاحتلال والمستوطنون، إلى جانب السياسات الحكومية الرامية إلى التضييق على الفلسطينيين والمس بحقوقهم.
ولفت إلى أن منع المزارعين من قطف محصول الزيتون، ومصادرة الأراضي الخاصة، وشرعنة مستوطنات وبؤر استيطانية جديدة، تشكل مظاهر من الاحتكاك اليومي في الضفة الغربية. وأشار إلى أن اتساع الاستيطان وانتشار قوات الاحتلال يخلقان بيئة شديدة التوتر تتداخل فيها العوامل السياسية والاجتماعية والنفسية والوطنية.
وأكد أبو غوش أن تنفيذ العمليات لا يرتبط بالضرورة بقرار صادر عن تنظيم أو قيادة محددة، إذ قد يتخذ بعض الأفراد قراراتهم بصورة منفردة، تحت تأثير تجارب شخصية وقناعات وعوامل متراكمة، ما يجعل تفسير العمليات من زاوية الثغرات الأمنية وحدها غير كافٍ.
وأضاف أن بعض المنفذين قد يكونون على دراية مسبقة باحتمالات مقتلهم وبالعقوبات التي قد تطال عائلاتهم وبلداتهم، لكن هذه التقديرات لا تحول بالضرورة دون اتخاذ القرار.
وحذّر من أن نجاح عملية في الوصول إلى هدفها قد يتحول إلى نموذج يستلهمه آخرون، في وقت تواصل فيه “إسرائيل” الاعتماد على الأدوات الأمنية والعقابية لمواجهة العمليات.
التصعيد الإسرائيلي قد يوسع دائرة المواجهة
ورجح أبو غوش أن تلجأ حكومة الاحتلال إلى إجراءات عقابية جديدة بحق عائلات المنفذين والمناطق المحيطة بها، فضلًا عن تدابير أوسع تطال الفلسطينيين، في إطار البحث عن رد يوازي تداعيات العملية.
لكنه رأى أن استمرار الاعتماد على التهديدات والعقوبات الجماعية، مع تجاهل الأسباب السياسية والميدانية التي تسهم في تصاعد المواجهة، لن يعالج جذور المشكلة، بل قد يبقي دوامة العنف مفتوحة.
وفي السياق ذاته، حذّر القيق من استغلال العملية لتوسيع نطاق الإغلاقات والاعتقالات والاعتداءات الاستيطانية، فيما أشار زبيدة إلى أن توظيفها انتخابيًا قد يدفع الحكومة نحو مزيد من الإجراءات الأمنية والعقابية لإظهار الحزم أمام الناخبين.
وتضع هذه القراءات عملية الخليل في سياق يتجاوز المواجهة المسلحة ذاتها؛ فهي تأتي في محافظة تشهد احتكاكًا متكررًا بفعل السيطرة العسكرية والاستيطان، وفي مرحلة انتخابية تسعى خلالها الحكومة إلى إثبات قدرتها على فرض الأمن، بينما تحاول المعارضة تحميلها مسؤولية الإخفاقات.
وبينما تبقى التداعيات الانتخابية للعملية غير محسومة، يحذر المحللون من أن تحويلها إلى مبرر لعقوبات جماعية وتشديد القيود على الفلسطينيين قد يفاقم التوتر في الخليل ومحيطها، من دون أن يضمن منع وقوع عمليات جديدة.
ويخلص أبو غوش إلى أن وقف الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية يمثل خطوة مباشرة لخفض التوتر، فيما يرى أن إنهاء الاحتلال هو المدخل الأبعد لمعالجة الأسباب الأساسية لاستمرار المواجهة.
توقيت بالغ الحساسية
بدوره، قال المحلل السياسي إياد القرا إن عملية الخليل تأتي في توقيت سياسي وأمني بالغ الحساسية للاحتلال الإسرائيلي، قبيل الانتخابات الإسرائيلية، وفي ظل محاولات نتنياهو وسموتريتش وبن غفير توظيف الملف الأمني في دعايتهم الانتخابية، عبر التفاخر بإحكام السيطرة على الضفة الغربية المحتلة وإخضاع الفلسطينيين.
وأضاف القرا لمراسلنا أن المفارقة تكمن في وقوع العملية بينما يسعى قادة الاحتلال إلى تسويق الضفة الغربية باعتبارها ساحة خاضعة للسيطرة الأمنية، الأمر الذي يضع هذه الادعاءات أمام اختبار ميداني جديد، ويثير تساؤلات بشأن قدرة الإجراءات العسكرية المشددة على منع العمليات.
وأشار إلى أن العملية تعيد إخفاقات المنظومة الأمنية الإسرائيلية وحدود سياسة الردع إلى صدارة المعركة الانتخابية، وتضع الخطاب الإسرائيلي بشأن فرض الأمن في مواجهة تطورات ميدانية تكشف أن القبضة العسكرية، رغم اتساعها، لا تضمن منع العمليات أو احتواء تداعياتها.

