
المركز الفلسطيني للإعلام
في كفر نعمة غرب رام الله، لا تقف الحاجة فهمية هارون عاجزة عن قطف زيتونها فحسب، بل تواجه وجع موسم انتظرته عاماً كاملاً، لتجد نفسها محرومة من الوصول إلى أرضها بفعل قيود الاحتلال الإسرائيلي واعتداءات مستوطنيه.
خمس سنوات مرت وهي عاجزة عن دخول أرضها كما اعتادت، بعدما أقيمت البوابات وفُرضت قيود على الوصول إليها، لتتحول أشجارها التي شكلت مصدر رزق عائلتها إلى ثمار تنضج أمام عينيها من دون أن تتمكن من جنيها.
تستعيد فهمية، بصوت يختلط فيه الحزن بالقهر، سنوات قضتها في قطف الزيتون والعناية بأشجاره، قبل أن تجد نفسها محرومة حتى من الاقتراب منها.
تقول إن لديها نحو 65 شجرة زيتون، كانت تنتظر موسمها لتجني الثمار وتنتج الزيت الذي تحتاج إليه أسرتها، لكنها باتت عاجزة عن حراثة الأرض أو قطف حبة واحدة منها، واضطرت إلى شراء الزيت الذي كانت تنتجه بيديها.
ولا يتوقف وجعها عند خسارة المحصول، بل يمتد إلى فقدان صلتها اليومية بأرض رافقتها منذ طفولتها، إذ بات موسم الزيتون موعداً متجدداً مع الحرمان، فيما تظل أشجارها قائمة خلف القيود، تحمل ثماراً لا تعرف إن كانت ستتمكن من الوصول إليها يوماً.
زيتون على مرأى أصحابه.. والقطاف ممنوع
لا تختلف حكاية محمد نزال عن معاناة فهمية؛ إذ حُرم من الوصول إلى أرض تبلغ مساحتها نحو 20 دونماً، تضم قرابة 300 شجرة زيتون، كان إنتاجها السنوي يتراوح بين طن ونصف وطنين من الزيت. واليوم، لم تعد المسألة مرتبطة بصعوبة الوصول إلى الحقل، بل بحرمانه من أرضه ومحصوله تحت وطأة القيود والتهديدات.
يروي نزال أن محاولته الأخيرة للوصول إلى الأرض برفقة زوجته انتهت بحضور قوات الاحتلال التي منعتهما من الدخول وطردتهما، وأبلغته أنه لا يستطيع الوصول إليها من دون تنسيق مسبق، وهو تنسيق يقول إنه غير متاح.
وعندما سأل عن الضمانات التي تحول دون اعتداء المستوطنين على الأرض بعد مغادرته، جاءه الرد بأن مهمة الجندي تقتصر على منعه من الوصول إليها.
ويضيف أن الأهالي شاهدوا المستوطنين يدخلون الأراضي ويعبثون بها ويكسرون الأشجار، فيما بات الوصول إلى الحقول أكثر صعوبة خلال الموسم الحالي.
ويختصر نزال المأساة في مفارقة موجعة: أن يمتلك الإنسان أرضاً وأشجاراً ومحصولاً، ثم يضطر إلى البحث عمن يشتري منه تنكة زيت، بعدما كان ينتج ما يكفيه.
فخسارة الموسم لا تعني فقدان الدخل السنوي فحسب، بل تجبر العائلات على شراء منتج اعتادت توفيره من أرضها، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع المعروض.
409 اعتداءات خلال ثلاثة أسابيع
تتجاوز هذه الحكايات حدود المعاناة الفردية، لتكشف عن واقع يواجهه مزارعو الزيتون في مناطق واسعة من الضفة الغربية.
فقد وثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 409 اعتداءات نفذتها قوات الاحتلال والمستوطنون بحق المزارعين وأشجار الزيتون والأراضي والمعدات الزراعية، خلال الفترة الممتدة من الأول إلى الحادي والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 2026.
وبحسب الحصيلة التي أعلنتها الهيئة في 22 تشرين الأول، نفذ المستوطنون 317 اعتداءً، مقابل 92 اعتداءً نفذها جيش الاحتلال، شملت منع المزارعين من الوصول إلى حقولهم، ومهاجمتهم وإجبارهم على المغادرة، وسرقة الثمار، وتدمير الأشجار والمعدات الزراعية.
وسجلت نابلس العدد الأكبر بواقع 166 اعتداءً، تلتها سلفيت بـ91، ثم رام الله والبيرة بـ69، وجنين بـ36، والخليل بـ30، وقلقيلية بـ9، وبيت لحم بـ5، والقدس بـ3 اعتداءات. واستحوذت نابلس وسلفيت وحدهما على نحو 63% من إجمالي الاعتداءات الموثقة.
ولا تقف آثار هذه الاعتداءات عند إتلاف المحصول أو تعطيل يوم عمل؛ فحين يُمنع المزارع من دخول أرضه، يصبح الموسم بأكمله مهدداً، وتتحول الأشجار المثمرة إلى مصدر خسارة بدلاً من أن تكون ركيزة للأمن الغذائي والدخل الأسري.
متضامنون في الحقول.. وخوف يرافق كل خطوة
وسط هذا الواقع، يحاول متضامنون أجانب مرافقة المزارعين الفلسطينيين خلال موسم القطاف، أملاً في تخفيف شعورهم بالخوف ومساعدتهم على مواصلة العمل، فضلاً عن نقل ما يشاهدونه من قيود وتهديدات إلى مجتمعاتهم.
وتقول المتضامنة البريطانية مايا واكس، التي عرّفت نفسها بأنها يهودية، إن وقوفها إلى جانب الفلسطينيين موقف إنساني في ظل تزايد هجمات المستوطنين، مشيرة إلى أن بعض المجموعات اضطرت إلى إنهاء القطاف مبكراً بسبب الاعتداءات.
ولفتت إلى المفارقة بين قدرتها على الوصول إلى الحقول، وحرمان أصحاب الأرض أنفسهم من دخولها.
أما المواطنة الأمريكية كارلا ماكيراي، فتصف أجواء القطاف بأنها مخيفة، مشيرة إلى ورود أنباء عن وجود مستوطنين قرب المزارعين، وسماع إحدى المجموعات إطلاق نار، ما دفع أفرادها إلى جمع الثمار والأدوات على عجل والمغادرة خشية سرقتها.
ومع ذلك، تقول إن إصرار العائلات الفلسطينية على مواصلة العمل والحياة رغم المخاطر يمثل مصدر إلهام لها.
وأكد المتضامن الأمريكي رايان ريدموند أن مرافقة المزارعين تنطوي على مخاطر، لكنها لا تقارن بما يواجهونه يومياً، مشدداً على أن وجود المتضامنين في الحقول يقدم دعماً عملياً ويعزز الشعور بالأمان.
وفي القدس، تواصل الحاجة خضرة وزوجها جميل عوض قطف الزيتون من أرضهما في منطقة عطروت، متمسكين بتقليد توارثته الأجيال، في مشهد يجسد ارتباط الفلسطينيين بأرضهم وإصرارهم على الحفاظ عليها، رغم ما يحيط بموسمهم من تهديدات.
موسم الخسارة.. وحق لا يسقط
لا يمثل الزيتون محصولاً زراعياً عابراً بالنسبة إلى المزارعين الفلسطينيين، بل مصدر دخل وركناً من أركان الحياة الريفية، وارتباطاً بالأرض يتجدد مع كل موسم.
لذلك، فإن حرمان العائلات من قطف أشجارها لا ينتزع منها عائد عام كامل فحسب، بل يهدد استمرارية العمل الزراعي ويضاعف أعباء المعيشة.
وتكشف الأرقام والشهادات عن موسم لا يُقاس فقط بكمية الزيت التي ستصل إلى الأسواق، بل أيضاً بعدد المزارعين المحرومين من أراضيهم، والأشجار التي بقيت ثمارها معلقة، والعائلات التي وجدت نفسها أمام خسارة لم تخترها.
وفي كفر نعمة، لا تزال فهمية هارون تتطلع إلى العودة إلى أشجارها التي رافقتها سنوات طويلة؛ فهي تعرف أن الزيتون ليس مجرد مصدر للرزق، بل جزء من عمرها وذاكرة عائلتها. لكن موسم الخير يمضي مثقلاً بالقهر، فيما يبقى السؤال معلقاً بين الأشجار: كيف يُحرم صاحب الأرض من ثمارها، ويتحول موسم الزيتون إلى حكاية أخرى عن الفقد والانتظار؟

