
القدس المحتلة – المركز الفلسطيني للإعلام
يواجه التعليم الفلسطيني في القدس المحتلة أزمة تتجاوز نقص الأبنية والاكتظاظ، إلى استخدام الحاجة إلى مقاعد دراسية أداةً للضغط على المدارس لتبنّي المنهاج الإسرائيلي، هذا ما يكشفه تقرير جديد لجمعية “عير عميم” الحقوقية الإسرائيلية.
التقرير يوثّق عجزا يقدَر بـ2283 غرفة صفية، في مقابل تخصيص نحو نصف ميزانية التعليم ضمن الخطة الحكومية الخمسية لتوسيع تدريس المنهاج الإسرائيلي، واشتراط اعتماده لافتتاح مدارس جديدة
وتلتقي هذه المعطيات مع تحذيرات محافظة القدس من توظيف الأزمة التعليمية لفرض “أسرلة ممنهجة”، عبر ربط تحسين ظروف الدراسة بالتخلي عن المنهاج الفلسطيني، بالتوازي مع التضييق على المدارس الأهلية والخاصة والمعلمين القادمين من الضفة الغربية.
ويستند التقرير، المؤرخ في سبتمبر الماضي والمنشور على موقع الجمعية في 26 أكتوبر الجاري، إلى بيانات حصلت عليها “عير عميم” من بلدية الاحتلال بعد تأخير والتماس قضائي للحصول على المعلومات، وتؤكد الجمعية أن البيانات المقدمة ما زالت غير مكتملة، وأنها تواصل المطالبة باستكمالها ضمن الإجراءات القضائية.
خطط قديمة وعجز يتراكم
بحسب التقرير، تستند تقديرات الاحتياجات إلى حسابات تعود إلى عام 2017، من دون استيعاب الزيادة الطبيعية في أعداد الطلبة، التي تفرض توفير نحو 70 غرفة صفية إضافية سنويا، وخلال تسع سنوات، أضاف هذا النمو احتياجا إلى 630 غرفة، فيما لم يتجاوز ما سُلّم خلال الفترة نفسها 582 غرفة، بينها ست غرف فقط خلال العام الدراسي 2025–2026.
ولا تعالج خطط البناء المعلنة جذور الفجوة؛ إذ تُقدّر الجمعية أن تنفيذها بالكامل سيُبقي نقصا يقارب 1100 غرفة صفية في عام 2032، وفي الأثناء، يستمر الاعتماد على مبانٍ سكنية وتجارية مستأجرة، بدلا من إنشاء مدارس تتوافر فيها المرافق اللازمة للتعليم.
ويقول مستشار محافظ القدس، معروف الرفاعي، في تصريحات صحفية، إن هذه الأرقام تنعكس على ظروف دراسة الأطفال في أحياء مثل سلوان ومخيم شعفاط وجبل المكبر وصور باهر، حيث تتخذ مدارس من بيوت مستأجرة مقارّ لها، تفتقر إلى الساحات والمختبرات والمرافق الملائمة.
ويرى الرفاعي أن استمرار النقص يمثل “سياسة ممنهجة وأداة ابتزاز”، مشيرا إلى اشتراط تطبيق المنهاج الإسرائيلي لتلبية احتياجات المدارس من ميزانيات الترميم والغرف الصفية.
آلاف الأطفال خارج البيانات الدقيقة
يكشف التقرير أيضا خللا في متابعة المسارات التعليمية للأطفال المقدسيين، ويبلغ عدد الطلبة الفلسطينيين الملتحقين بالتعليم الرسمي وغير الرسمي المعترف به 109,788 طالبا، يشكلون 35.6% من إجمالي الطلبة في المدينة، البالغ 308,229 طالبا.
وفي المقابل، يُقدَّر عدد الأطفال في سن التعليم الإلزامي غير الملتحقين بهذين الإطارين بـ33,334 طفلا، ولا يعني ذلك أنهم جميعا محرومون من الدراسة، إذ تشمل الفئة طلبة في مؤسسات خاصة وأطر تعليمية أخرى، بينما تفتقر البلدية إلى معلومات دقيقة عن أماكن تعليم أكثر من 11 ألف طفل، وتعتمد على تقديرات بدلا من سجلات مكتملة.
أما التسرب، فتقدّره البلدية بنحو ثلاثة آلاف طالب سبق أن التحقوا بالتعليم الرسمي أو المعترف به ثم غادروه. لكن الجمعية تؤكد أن البلدية لم تقدم بيانات محدّثة عن التسرب للعام الدراسي 2025–2026، ما يحدّ من إمكان قياس حجم الظاهرة وتطورها بدقة.
تضييق على المدارس والمعلمين
ويضع الرفاعي أزمة الأبنية ضمن ضغوط أوسع تستهدف المؤسسات التي تحافظ على المنهاج الفلسطيني، وبحسب معطياته، تضم المدارس الخاصة والأهلية في القدس أكثر من 32 ألف طالب موزعين على 71 مدرسة، وتواجه أعباء ضريبية وقيودا على الترميم والصيانة، إلى جانب عرقلة وصول معلمين من الضفة الغربية.
وقد ظهرت آثار أزمة التصاريح مع افتتاح العام الدراسي الحالي، ففي الأول من سبتمبر 2026، امتنعت عشرات المدارس الخاصة في شرق القدس عن بدء الدراسة احتجاجا على عدم تجديد تصاريح دخول معلمين وموظفين من الضفة، وتخدم المدارس المضربة نحو 15 ألف طالب، وفق بيانات نقلت عن “عير عميم”.
وتضاف إلى ذلك تداعيات إغلاق مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”، ففي مايو 2025، أغلقت السلطات الإسرائيلية مدارس الوكالة الست في القدس، ما أثّر على نحو 800 طفل، وأعلنت الوكالة في سبتمبر من العام نفسه أنها عجزت، للمرة الأولى، عن افتتاح مدارسها في المدينة مع بدء العام الدراسي، وأن بعض طلبتها فقط تمكنوا من الالتحاق بمدارس أخرى.
ويعتبر الرفاعي أن إغلاق مدارس “أونروا” ضاعف الضغط على المؤسسات الأخرى وضيّق مساحة التعليم الفلسطيني المستقل.
وبين نقص الأبنية وتعثر وصول المعلمين وإغلاق المدارس، تتسع، وفق المعطيات الحقوقية، الفجوة بين حاجة الأطفال المقدسيين إلى تعليم ملائم، والشروط الإسرائيلية المرتبطة بتوفيره.

