الأسرى المحررون في دائرة الملاحقة.. لماذا يتصاعد الاعتقال السياسي في الضفة الغربية؟

الأسرى المحررون في دائرة الملاحقة.. لماذا يتصاعد الاعتقال السياسي في الضفة الغربية؟

المركز الفلسطيني للإعلام

لم تعد حملات الاعتقال التي تنفذها الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية تقتصر على حالات متفرقة أو استدعاءات محدودة، بل عادت إلى الواجهة خلال الأيام الأخيرة بصورة لافتة، مع اتساع دائرة المستهدفين لتشمل أسرى محررين ونشطاء وشخصيات وطنية، وسط اتهامات حقوقية بممارسة التعذيب وسوء المعاملة، وتحذيرات من انعكاسات ذلك على الحريات العامة والنسيج الداخلي الفلسطيني.

وتكشف التطورات المتلاحقة عن تصاعد في وتيرة الملاحقات الأمنية، خصوصًا مع تزامن الاعتقالات مع اقتحام المنازل ليلًا، واستدعاء مواطنين إلى مقرات الأجهزة الأمنية، وإعادة توقيف أشخاص سبق أن أمضوا سنوات في سجون الاحتلال، في مشهد يعيد ملف الاعتقال السياسي إلى صدارة النقاش الفلسطيني.

حملة تتسع.. أكثر من 30 اعتقالًا وعشرات الاستدعاءات

وخلال الأيام الأخيرة من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، شهدت محافظات الضفة الغربية موجة اعتقالات واستدعاءات طالت عشرات المواطنين، معظمهم من الأسرى المحررين والنشطاء.

وقال المحامي مهند كراجة، مدير مجموعة «محامون من أجل العدالة»، إن المجموعة وثّقت أكثر من 21 حالة اعتقال سياسي في مدن الضفة الغربية، مشيرًا إلى أن غالبية المعتقلين من الأسرى المحررين والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان.

وأضاف كراجة، في تصريحات لمراسلنا أن عددًا من المعتقلين أُخضعوا للتحقيق، وأثاروا أمام وكلاء النيابة العامة ادعاءات بالتعرض للتعذيب وسوء المعاملة، مؤكدًا متابعة المجموعة لهذه الحالات بالتعاون مع مؤسسات حقوقية.

وفي سياق متصل، أعلنت لجنة أهالي المعتقلين السياسيين توثيق أكثر من 30 حالة اعتقال خلال الأيام القليلة الماضية، إلى جانب عشرات الاستدعاءات لمقرات الأجهزة الأمنية، موضحة أن الأرقام لا تشمل بالضرورة جميع الحالات، في ظل صعوبة التوثيق وعدم إبلاغ بعض العائلات عما تتعرض له.

وكانت اللجنة قد وثّقت 20 حالة اعتقال خلال يومي 25 و26 أكتوبر، توزعت على ست محافظات؛ بواقع ست حالات في طولكرم، وخمس في سلفيت، وأربع في رام الله، وحالتين في كل من جنين ونابلس، وحالة واحدة في أريحا.

وتعكس هذه الأرقام، التي تختلف باختلاف الجهات والفترات التي شملها التوثيق، اتساع رقعة الملاحقات، ولا ينبغي جمعها باعتبارها حصيلة واحدة، لاحتمال وجود حالات مشتركة بين عمليات الرصد.

عبد السلام أبو الهيجا.. اعتقال بعد أسابيع من التحرر

وجاءت حادثة اعتقال القيادي والأسير المحرر عبد السلام جمال أبو الهيجا، فجر الأربعاء 4 نوفمبر، لتعيد تسليط الضوء على استهداف الأسرى المحررين، وما يثيره ذلك من تساؤلات بشأن طبيعة الملاحقات الأمنية وأسبابها.

ووفق ، اقتحمت قوة من الأجهزة الأمنية منزل أبو الهيجا في مدينة جنين، بلباس مدني، واستخدمت مركبات تحمل لوحات تسجيل إسرائيلية، قبل أن تخلع أبواب المنزل وتقتاده إلى جهة غير معلومة، بحسب المصادر العائلية والحقوقية التي نقل عنها الموقع.

وتكتسب القضية خصوصيتها من أن أبو الهيجا لم يمضِ على تحرره من سجون الاحتلال سوى أقل من شهرين؛ إذ أُفرج عنه أواخر أغسطس/آب الماضي، بعد اعتقال استمر أربع سنوات متواصلة، ضمن نحو 17 عامًا أمضاها في الاعتقال على فترات متفرقة.

وتشير تفاصيل القضية إلى أن قوات الاحتلال اعتقلته في أغسطس/آب 2022 من مكان عمله في جنين، فيما لم يتمكن من وداع والدته التي توفيت خلال فترة اعتقاله.

كما أن اعتقاله يأتي في سياق ملاحقات طالت أفرادًا من عائلته؛ فوالده الشيخ جمال أبو الهيجا يقضي حكمًا بالسجن المؤبد تسع مرات في سجون الاحتلال، فيما أشارت تقارير إلى استمرار اعتقال شقيقه عماد الدين لدى أجهزة السلطة، ووجود شقيق آخر في سجون الاحتلال.

وفي اليوم ذاته، أفادت لجنة أهالي المعتقلين السياسيين بأن الأجهزة الأمنية اقتحمت منزل الأسير المحرر والمعلم محمد أنور في نابلس واعتقلته مجددًا، في تطور يعزز المخاوف من استمرار استهداف المحررين.

ولا تقف أهمية هذه الحالات عند أسماء المعتقلين، بل في دلالتها على أن الإفراج من سجون الاحتلال لا يعني بالضرورة انتهاء معاناة الأسير وعائلته، إذ يجد بعض المحررين أنفسهم أمام ملاحقات جديدة، وفق ما توثقه الجهات الحقوقية والعائلية.

من الاعتقال الفردي إلى نمط من الملاحقات

وتشير الوقائع المعلنة إلى أن الحملة الأخيرة لم تقتصر على محافظة واحدة أو فئة محددة؛ فقد شملت جنين ونابلس ورام الله وطولكرم وسلفيت وأريحا، واستهدفت أسرى محررين ونشطاء وشخصيات ذات حضور اجتماعي وسياسي.

وكان المركز الفلسطيني للإعلام قد نشر في 27 أكتوبر تقريرًا عن حملة اعتقالات واسعة طالت أسرى محررين ونشطاء في عدد من محافظات الضفة، شملت بيتونيا وأريحا وجنين وسلفيت ونابلس، وفق ما نقلته مصادر ميدانية.

وذكر التقرير اعتقال أحمد نوح حريش وحمزة حريش في بيتونيا، وخالد براهمة في أريحا، ومحمد أبو فرحة في جنين، ومسلم ياسر اشتية في سلفيت، وفوزي بُشكار ومعاذ أردنية في نابلس.

وتلفت هذه الحالات إلى ظاهرة تتكرر في تقارير حقوقية، تتمثل في تعرض بعض الأسرى المحررين للاعتقال مجددًا بعد الإفراج عنهم من السجون الإسرائيلية، أو انتقالهم من تجربة اعتقال إلى أخرى، بما يضعهم وعائلاتهم أمام حالة مستمرة من عدم الاستقرار.

كما أن الملاحقات، وفق ما أوردته تقارير سابقة، لم تقتصر على الرجال؛ إذ وثقت شبكة قدس في أغسطس/آب استدعاء أربع ناشطات مجتمعيات في جنين والتحقيق معهن بشأن أنشطتهن التعليمية والمجتمعية، إلى جانب مصادرة هواتف وحواسيب ومقتنيات شخصية بحسب مجموعة «محامون من أجل العدالة».

وهذا الاتساع في الفئات المستهدفة يطرح أسئلة تتجاوز الحالات الفردية إلى طبيعة التعامل مع النشاط السياسي والمجتمعي، وحدود تدخل الأجهزة الأمنية في المجال العام.

ماذا يعني الاعتقال السياسي؟

يُقصد بالاعتقال السياسي، في الاستخدام الحقوقي، توقيف شخص أو احتجازه بسبب آرائه أو انتمائه الحزبي أو نشاطه السياسي أو ممارسته لحقوقه المدنية، بدلًا من استناد الإجراء إلى اتهام جنائي واضح وأدلة قانونية تخضع لرقابة القضاء.

ولا يعني ذلك أن كل توقيف تنفذه الأجهزة الأمنية يُعد تلقائيًا اعتقالًا سياسيًا؛ إذ يتطلب توصيف الحالة فحص أسباب الاعتقال، وطبيعة التهم، والإجراءات المتبعة، ومدى احترام ضمانات المحاكمة العادلة، وما إذا كان التوقيف مرتبطًا بممارسة حق مكفول قانونًا.

لكن جوهر الإشكالية يظهر عندما يتحول الانتماء السياسي أو النشاط العام أو التعبير عن الرأي إلى سبب للملاحقة، أو عندما يُستخدم التوقيف خارج الضوابط القانونية، أو يُحرم المعتقل من معرفة أسباب احتجازه والتواصل مع محاميه والطعن في قانونية توقيفه.

ومن هنا، فإن تكرار استهداف الأسرى المحررين والنشطاء، وفق الحالات التي وثقتها الجهات الحقوقية، يعيد طرح سؤال العلاقة بين العمل الأمني والحقوق السياسية، ومدى قدرة المؤسسات الفلسطينية على حماية التعددية ومنع تحويل الخلاف السياسي إلى ملف أمني.

القانون الأساسي والمواثيق الدولية.. ضمانات لا تحتمل الانتقائية

ويضع القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لسنة 2003 ضمانات واضحة للحرية الشخصية؛ إذ تنص المادة 11 على أن الحرية الشخصية حق طبيعي مكفول لا يمس، ولا يجوز القبض على أحد أو حبسه أو تقييد حريته إلا وفق أمر قضائي وأحكام القانون.

كما تنص المادة 12 على وجوب إبلاغ من يُقبض عليه بأسباب توقيفه والتهمة الموجهة إليه، وتمكينه من الاتصال بمحامٍ، وتقديمه للمحاكمة دون تأخير، فيما تحظر المادة 13 إخضاع أي شخص للإكراه أو التعذيب، وتوجب معاملة المحرومين من حرياتهم معاملة لائقة.

وعلى المستوى الدولي، تنص المادة التاسعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حق كل فرد في الحرية والأمان على شخصه، وتحظر التوقيف أو الاعتقال التعسفي، وتضمن حق المعتقل في عرض قانونية احتجازه على محكمة دون إبطاء.

وتكفل المادة 19 حرية الرأي والتعبير، فيما تحمي المادة 22 حرية تكوين الجمعيات والانضمام إليها.

وبذلك، لا تتعلق القضية بمجرد خلاف سياسي بين أطراف فلسطينية، بل باختبار مدى احترام القواعد القانونية التي يفترض أن تحكم عمل المؤسسات الأمنية والقضائية، بصرف النظر عن هوية المعتقل أو توجهه السياسي.

التنسيق الأمني والانقسام.. خلفية لا يمكن تجاهلها

ولا يمكن تناول ملف الاعتقال السياسي في الضفة بمعزل عن الجدل الفلسطيني الممتد حول العلاقة الأمنية بين السلطة والاحتلال، ودور التنسيق الأمني في إدارة الوضع بالضفة الغربية.

فقد ظل هذا الملف أحد أبرز مصادر الخلاف بين السلطة الفلسطينية وفصائل فلسطينية وقوى سياسية وحقوقية، خصوصًا مع اتهامات متكررة بأن بعض الملاحقات تستهدف أشخاصًا على خلفية نشاطهم المقاوم أو انتماءاتهم السياسية.

وتربط فصائل فلسطينية وجهات حقوقية بين استمرار هذه الاعتقالات ومتطلبات التنسيق الأمني، وترى أنها تؤثر في قدرة القوى السياسية على ممارسة نشاطها، بينما تؤكد الحاجة إلى التمييز بين الواجبات الأمنية المشروعة وبين الإجراءات التي تمس الحريات أو تتجاوز القانون.

ويأتي ذلك أيضًا في ظل استمرار الاقتحامات الإسرائيلية والاعتقالات العسكرية واعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، بما يضاعف الضغوط الواقعة على الفلسطينيين، ويجعل الخلاف الداخلي حول الحريات والأمن أكثر حساسية.

ولا تنفصل هذه الأزمة عن تداعيات الانقسام الفلسطيني الممتد، الذي أضعف المؤسسات الوطنية الجامعة، وأبقى العلاقة بين القوى السياسية والأجهزة الأمنية محكومة بدرجة كبيرة بانعدام الثقة وتراكم الملفات الخلافية.

تداعيات تتجاوز المعتقلين إلى المجتمع

ولا تتوقف آثار الاعتقال السياسي عند الشخص المحتجز، بل تمتد إلى عائلته ومحيطه الاجتماعي، خصوصًا عندما تتكرر المداهمات والاستدعاءات أو تطول فترات الاحتجاز، أو تثار ادعاءات بشأن التعذيب وسوء المعاملة.

كما أن استهداف الأسرى المحررين يحمل أبعادًا إضافية، بالنظر إلى ما أمضوه من سنوات في سجون الاحتلال وما يواجهونه بعد الإفراج من تحديات صحية واجتماعية واقتصادية، فضلًا عن حاجة كثير منهم إلى إعادة الاندماج في حياتهم الطبيعية.

أما على المستوى العام، فإن استمرار هذه الممارسات، إذا ثبت ارتباطها بالرأي أو الانتماء السياسي، يهدد مساحة العمل الحزبي والمجتمعي، ويضعف الثقة بالمؤسسات، ويعمق الانقسام في مرحلة تتطلب قدرًا أكبر من التماسك الداخلي.

وفي المقابل، فإن معالجة الملف لا تتحقق بمجرد تبادل الاتهامات السياسية، بل تتطلب كشف مصير المعتقلين وأماكن احتجازهم، وتمكين المحامين من الوصول إليهم، والتحقيق المستقل في ادعاءات التعذيب، ومراجعة الأساس القانوني لكل حالة توقيف، وضمان عدم استخدام الأجهزة الأمنية أداة لتصفية الخلافات السياسية.

وتضع التطورات الأخيرة السلطة الفلسطينية أمام أسئلة حقوقية وسياسية متجددة: ما الأساس القانوني وراء ملاحقة أسرى محررين بعد أسابيع من الإفراج عنهم؟ وما مصير المعتقلين الذين تتحدث عائلاتهم عن تعرضهم لسوء المعاملة؟ وأين تقف الضمانات الدستورية عندما يتعلق الأمر بحرية الرأي والانتماء السياسي؟

وبينما تتواصل الاعتقالات الإسرائيلية والاقتحامات في الضفة، يظل ملف الاعتقال السياسي الداخلي اختبارًا لقدرة المؤسسات الفلسطينية على صون الحقوق والحريات، ومنع انتقال الصراع السياسي إلى غرف التحقيق، بما يحفظ للمجتمع حقه في الاختلاف والعمل العام دون خوف من الملاحقة.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest