
المركز الفلسطيني للإعلام
لم تكتفِ الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بتدمير المنازل والمنشآت والبنية التحتية، بل امتدت آثارها إلى الاقتصاد ومصادر دخل العائلات، لتدفع أعدادًا متزايدة من الفلسطينيين، وبينهم أطفال، إلى سوق العمل في ظروف قاسية، مقابل أجور زهيدة لا تكاد توفر الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية.
وسلط تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية الضوء على التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للحرب على سكان القطاع، مشيرًا إلى اتساع رقعة الفقر والجوع، وانهيار القدرة الشرائية، وتراجع مصادر الدخل، بما جعل العمل الشاق وسيلة اضطرارية أمام عائلات كثيرة لتأمين الطعام والمياه ومواجهة متطلبات الحياة اليومية.
أطفال في سوق العمل
وبحسب التقرير، أدى انهيار العملية التعليمية وتدمير أعداد كبيرة من المدارس والمرافق التعليمية إلى حرمان مئات آلاف الأطفال من انتظامهم في الدراسة، فيما وجد بعضهم أنفسهم أمام واقع جديد يقوم على العمل بدلًا من المدرسة.
وتشير المادة إلى أن الأطفال والنازحين ينخرطون في أعمال شاقة لساعات طويلة، في بعض الحالات لأكثر من 12 ساعة يوميًا، مقابل أجور متدنية للغاية، في ظل غياب فرص العمل وارتفاع أسعار السلع الأساسية.
ويعكس هذا الواقع تحولًا خطيرًا في حياة الأطفال، الذين باتت مسؤولية المساهمة في إعالة أسرهم تقع على عاتقهم في وقت يفترض أن يكونوا فيه داخل المدارس، وسط ظروف إنسانية واقتصادية بالغة الصعوبة.
أجور لا تكفي لرغيف الخبز
ولا يقتصر الانهيار الاقتصادي على فقدان الوظائف، إذ أدى شح السيولة النقدية وتراجع القدرة الشرائية إلى إفراغ الأجور من جزء كبير من قيمتها.
وبحسب التقرير، يعمل بعض السكان لساعات طويلة مقابل مبالغ زهيدة لا تكاد تكفي لشراء ربطة خبز أو بضعة لترات من مياه الشرب، في وقت تشهد فيه الأسواق ارتفاعًا كبيرًا في أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية وشحًا في المعروض منها.
وأصبح الحصول على الغذاء والماء والوقود مهمة يومية تستنزف العائلات، بينما تراجعت قدرتها على الاعتماد على مصادر دخل ثابتة، نتيجة تدمير المنشآت الاقتصادية ومصادر الإنتاج وتوقف قطاعات واسعة من النشاط التجاري.
الحرب تضرب مصادر الدخل
وترى الغارديان أن الأضرار الاقتصادية التي خلفتها الحرب لا تنحصر في تدمير المباني والمنشآت، وإنما تمتد إلى مصادر الدخل وفرص العمل والقدرة على الإنتاج، ما يترك الأسر أمام دائرة متواصلة من الفقر والحاجة.
ومع فقدان كثير من البالغين لأعمالهم، وارتفاع تكاليف المعيشة، اضطرت عائلات إلى البحث عن أي مصدر دخل متاح، حتى لو كان العمل شاقًا أو منخفض الأجر أو غير ملائم لأعمار الأطفال.
ويأتي ذلك في ظل تدمير واسع للبنية التحتية، وتعطل قطاعات اقتصادية كانت توفر فرص العمل والدخل لآلاف الأسر قبل الحرب.
التعليم يدفع الثمن
ويبرز التقرير العلاقة المباشرة بين الانهيار الاقتصادي وتراجع التعليم؛ فتعطل المدارس لا يعني فقط توقف العملية التعليمية، وإنما يفتح الباب أمام انتقال الأطفال من مقاعد الدراسة إلى سوق العمل.
ومع استمرار العائلات في مواجهة النزوح والفقر ونقص الغذاء والمياه، يصبح الطفل في بعض الحالات جزءًا من منظومة إعالة الأسرة، بدل أن يكون التعليم محور يومه.
وهكذا تتجاوز تداعيات الحرب جيل الأطفال الحالي، إذ إن الانقطاع الطويل عن التعليم والعمل المبكر قد يترك آثارًا اجتماعية واقتصادية تمتد لسنوات، حتى بعد توقف القتال وإعادة فتح المدارس.
النازحون أمام واقع أشد قسوة
وتعيش أعداد كبيرة من سكان القطاع في خيام ومراكز نزوح تفتقر إلى كثير من مقومات الحياة الأساسية، في ظل نقص المياه والوقود ووسائل الطهي، إضافة إلى انتشار الحشرات والقوارض والمخاطر الصحية.
ويجعل هذا الواقع دخل الأسرة أكثر أهمية، حتى عندما يكون محدودًا للغاية، إذ تحتاج العائلات إلى توفير الاحتياجات اليومية في بيئة ترتفع فيها تكاليف السلع الأساسية وتتراجع فيها القدرة على الحصول على الخدمات.
وفي ظل هذه الظروف، يتحول العمل من خيار اقتصادي إلى وسيلة للبقاء، حتى بالنسبة إلى الأطفال الذين يجدون أنفسهم مضطرين إلى تحمل ساعات عمل طويلة للمساهمة في إعالة أسرهم.
اقتصاد يطحن العائلات
ويكشف التقرير عن صورة أوسع للأزمة في غزة؛ فالحرب لم تدمر الأبنية فحسب، وإنما أصابت الأساس الاقتصادي الذي تعتمد عليه الأسر في تأمين احتياجاتها.
ومع تراجع فرص العمل، وارتفاع الأسعار، وانعدام السيولة، وتدمير المنشآت، وتعطل التعليم، تتشكل دائرة متشابكة من الفقر والجوع والعمل المبكر والنزوح.
وفي قلب هذه الدائرة يقف الأطفال، الذين يفقدون شيئًا بعد آخر من حياتهم الطبيعية؛ المدرسة، واللعب، والأمان، ثم يجد بعضهم نفسه في سوق العمل لساعات طويلة، بحثًا عن دخل لا يكاد يكفي لتوفير أبسط احتياجات الأسرة.
وتقدم الغارديان من خلال هذا الملف صورة عن جانب أقل ظهورًا من الحرب على غزة، يتمثل في تحول الاقتصاد من وسيلة للحياة إلى معركة يومية من أجل البقاء، وما يرافق ذلك من آثار عميقة على الأطفال والعائلات ومستقبل جيل كامل.

