الأقصى تحت سيف التعتيم.. الاحتلال يحاصر الصورة ويمضي بفرض سيادته

في الوقت الذي كان فيه المستوطنون يقتحمون المسجد الأقصى في ثاني أيام رأس السنة العبرية، غابت صورة واحدة من داخل المسجد عن المنصات الإعلامية المقدسية والفلسطينية والعربية والعالمية، في مشهد يكشف حجم التعتيم الإعلامي الذي نجح الاحتلال الإسرائيلي في فرضه تدريجياً على واحد من أكثر الأماكن حساسية وقداسة لدى المسلمين.

فخلال أول أيام الاقتحامات في موسم الأعياد اليهودية، الذي يعد الأطول والأخطر على المسجد الأقصى خلال العام، بدا المسجد محاصراً ليس فقط بالاقتحامات والإجراءات العسكرية، وإنما أيضاً بجدار إعلامي يحول دون توثيق ما يجري في ساحاته ونقل صورة مباشرة عن الانتهاكات التي يتعرض لها.

ويرى الباحث المختص في شؤون القدس زياد ابحيص في تصريحات للمركز الفلسطيني للإعلام أن غياب التوثيق لا يمثل حدثاً عابراً، بل يكشف نجاح الاحتلال في بناء منظومة متدرجة من التعتيم الإعلامي، هدفت إلى منع خروج الصور والمعلومات من داخل المسجد الأقصى، وصولاً إلى مرحلة باتت فيها الاقتحامات تجري في بعض الأوقات من دون قدرة الإعلام الفلسطيني والعربي على نقل صورة واحدة منها.

ويشير ابحيص إلى أن السبب المباشر لغياب صور الاقتحامات في ذلك اليوم يعود إلى تزامنه مع صيام ديني لدى جمهور الصهيونية الدينية، ما يدفع كثيراً من المستوطنين إلى الامتناع عن استخدام الإنترنت والنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

لكن السبب الأعمق، بحسب ابحيص، يتمثل في أن الاحتلال استغل هذا الواقع ليختبر فعالية التعتيم الإعلامي الذي فرضه على المسجد الأقصى عبر مراحل متتالية، حتى باتت القدرة على التوثيق من داخل ساحاته شديدة الصعوبة.

بدأت المرحلة الأولى من هذا التعتيم، وفق الباحث المقدسي، عبر ممارسة ضغوط على دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس لمنع حراس المسجد الأقصى من التصوير ونشر المواد المصورة، إلى جانب ملاحقتهم وتهديدهم بالإبعاد أو اتخاذ إجراءات بحقهم في حال نشر صور أو معلومات تتعلق بالاقتحامات.

وفي 28 تموز/يوليو 2020، صدر تعميم عن مدير أوقاف القدس يقيد تصريحات الموظفين لوسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي بشأن أخبار المسجد الأقصى، إلا بإذن رسمي من الإدارة المختصة.

وتفاقم هذا التضييق لاحقاً، بحسب ابحيص، ليشمل الحد من نشر المعلومات المتعلقة بأعداد المقتحمين، بالتزامن مع توقف الإحاطة الرسمية اليومية الصادرة عن الأوقاف الإسلامية منذ عام 2022.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ انتقل الاحتلال إلى مرحلة جديدة خلال عامي 2022 و2023، عبر إجبار المصلين الموجودين داخل المسجد على الدخول إلى مبنى قبة الصخرة أو الجامع القبلي خلال فترات الاقتحام.

وبذلك، عمل الاحتلال على قطع التواصل البصري المباشر بين المصلين والمقتحمين، ومنع الفلسطينيين من توثيق الاقتحامات أو تصوير الانتهاكات داخل ساحات المسجد.

كما تعرض عدد من الفلسطينيين للملاحقة والاعتقال على خلفية التصوير، فيما أُجبر آخرون على حذف المواد التي وثقوها أو تعرضت هواتفهم للمصادرة.

ورغم طبقات التعتيم التي فرضها الاحتلال داخل المسجد، نجحت منصات إعلامية مقدسية خلال عامي 2024 و2025 في إيجاد وسائل بديلة للتوثيق، عبر إرسال مصورين إلى جبل الزيتون لالتقاط صور الاقتحامات من الخارج.

غير أن هذه النافذة الإعلامية تعرضت لضربة كبيرة في 23 شباط/فبراير 2026، بعد حظر سلطات الاحتلال خمس منصات إعلامية مقدسية بصورة متزامنة، هي القدس البوصلة، وشبكة العاصمة، وقدس بلس، ومعراج، وميدان القدس.

ويرى ابحيص أن إغلاق هذه المنصات أنهى وجود عدد من الشبكات المتخصصة في تغطية شؤون القدس والمسجد الأقصى، وشكل خطوة متقدمة في مسار فرض التعتيم الإعلامي على ما يجري في المدينة المقدسة.

وجاء ذلك، بحسب الباحث، قبل فترة من إغلاق المسجد الأقصى خلال الحرب الصهيونية الأمريكية على إيران، وهو الإغلاق الذي استمر 40 يوماً بقرار من الجبهة الداخلية الإسرائيلية، في سابقة اعتبرها ابحيص جزءاً من مسار تكريس السيطرة الإسرائيلية المزعومة على المسجد.

ولا ينفصل إسكات الصورة عن المخطط الأوسع الذي يتعرض له المسجد الأقصى، إذ يؤكد خطيب المسجد الأقصى الشيخ عكرمة صبري أن الاقتحامات والاستباحات المتواصلة تأتي ضمن مخطط إسرائيلي تدريجي للهيمنة على المسجد وفرض ما تسميه سلطات الاحتلال السيادة عليه، وصولاً إلى سحب صلاحيات دائرة الأوقاف الإسلامية وتغيير الواقع التاريخي والقانوني القائم.

ويحذر الشيخ صبري من أن الهدف النهائي لهذه الإجراءات يتمثل في تغيير هوية المسجد الأقصى والقدس، عبر فرض وقائع جديدة تستند إلى الاقتحامات المتكررة والطقوس التلمودية العلنية.

وأكد أن الاحتلال يستغل مواسم الأعياد اليهودية لتصعيد اعتداءاته وفرض أطماعه في المسجد، مشدداً على أن هذه الممارسات، مهما تكررت، لا تمنح الاحتلال أي حق في الأقصى.

وشهدت السنوات الأخيرة تصعيداً متدرجاً في الانتهاكات داخل المسجد، شمل الصلاة التلمودية الجماعية والعلنية، ورفع علم الاحتلال، ونفخ البوق، وإدخال القرابين النباتية، إلى جانب محاولات فرض المزيد من الطقوس الدينية اليهودية داخل ساحات المسجد.

ويصف الشيخ صبري هذه التحركات بأنها جزء من مخطط عدواني خطير يهدف في نهاية المطاف إلى فرض السيادة الإسرائيلية على المسجد الأقصى، وسحب صلاحيات الأوقاف الإسلامية من إدارته.

وفي موازاة الاقتحامات، تفرض قوات الاحتلال إجراءات مشددة على وصول المصلين إلى المسجد الأقصى، عبر إقامة الحواجز في مدينة القدس والبلدة القديمة وتشديد الإجراءات على بواباتها.

كما تمتد القيود إلى مداخل المسجد وبواباته الخارجية، في محاولة لتقليص أعداد المصلين وتفريغ ساحاته خلال فترات الاقتحام.

ويؤكد الشيخ صبري أن الاحتلال يفرض ثلاثة أطواق متتابعة حول المدينة والمسجد الأقصى، بهدف عرقلة وصول المسلمين إليه، وإتاحة المجال أمام المستوطنين للاستفراد بساحاته.

وفي هذا السياق، يصبح التعتيم الإعلامي جزءاً من منظومة أوسع تستهدف السيطرة على المكان؛ فالحصار لا يقتصر على المصلين والحراس، بل يمتد إلى الصورة والرواية وحق العالم في معرفة ما يجري داخل أحد أقدس مقدسات المسلمين.

وأمام هذا الواقع، كان الاجتماع الوزاري الموسع لوزراء خارجية 14 دولة عربية وإسلامية، الذي عقد في عمان يوم 5 آب/أغسطس 2026، قد أقر تأسيس منصة إعلامية لتوثيق الانتهاكات بحق الأماكن المقدسة والمصلين.

غير أن هذا القرار، بحسب ما يشير إليه ابحيص، لم يترجم حتى الآن إلى واقع عملي، الأمر الذي جعل العجز الإعلامي أكثر وضوحاً خلال موسم الاقتحامات الحالي.

ففي اليوم الذي غابت فيه المنصات العبرية عن نشر صور الاقتحامات بسبب الصيام اليهودي، لم يكن الإعلام الفلسطيني والعربي قادراً بدوره على تقديم توثيق بديل لما يجري داخل المسجد الأقصى.

وبعد انتهاء الصيام، بدأت الصور التي توثق اقتحامات المستوطنين بالظهور، في مشهد يبرز مفارقة مؤلمة؛ إذ لم يكن تدفق تلك الصور نتيجة نجاح فلسطيني أو عربي في كسر التعتيم، وإنما جاء من المواد التي نشرتها جماعات الهيكل والمستوطنون أنفسهم.

وهكذا، يجد المسجد الأقصى نفسه اليوم أمام معركة لا تدور في ساحاته فقط، بل على شاشات الإعلام ومنصات التواصل أيضاً، حيث يسعى الاحتلال إلى التحكم بما يُرى وما يُخفى، وبمن يملك حق توثيق الرواية.

فالتعتيم الإعلامي، وفق هذا الواقع، لم يعد مجرد نتيجة للقيود الأمنية، بل تحول إلى أداة من أدوات مشروع التهويد وفرض السيطرة، توازي في خطورتها الاقتحامات والطقوس التلمودية والحواجز العسكرية.

وبينما تتواصل التحذيرات من موسم طويل من الاعتداءات، يبقى السؤال مطروحاً حول قدرة الإعلام الفلسطيني والعربي والإسلامي على كسر هذا الحصار، وإعادة الصورة والرواية إلى قلب معركة الدفاع عن المسجد الأقصى.

فالمكان الذي يسعى الاحتلال إلى تفريغه من أهله، يعمل في الوقت ذاته على إخفاء ما يجري داخله عن العالم، في محاولة لفرض واقع جديد بصمت، وتحويل التعتيم إلى غطاء لمشروع أكبر يستهدف تهويد المسجد الأقصى وفرض السيادة الإسرائيلية عليه.

وفي مواجهة ذلك، جدد الشيخ عكرمة صبري دعوته إلى المسلمين لشد الرحال إلى المسجد الأقصى، مؤكداً أن الحق فيه حق ثابت، وأن محاولات الاحتلال تغيير هويته أو فرض وقائع جديدة لن تمنحه شرعية في أحد أقدس مقدسات المسلمين.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest