
غزة – المركز الفلسطيني للإعلام
يحاول موسم الزيتون في قطاع غزة أن يشق طريقه هذا العام من بين ركام الحرب، لكن الطريق من الشجرة إلى المعصرة لم يعد كما كان، فالأشجار تحطم معظمها، ومساحات واسعة من الأراضي الزراعية خرجت من دائرة الإنتاج، والمزارعون يكافحون للوصول إلى حقولهم وجني ثمارهم، فيما تقلص عدد المعاصر القادرة على العمل إلى ثماني معاصر فقط.
ويقول رئيس لجنة معاصر الزيتون في قطاع غزة، المهندس شاهر الريفي، إن واقع المعاصر تراجع بصورة كبيرة مقارنة بما كان عليه قبل الحرب، موضحًا أن القطاع كان يضم عام 2022 نحو 39 معصرة، بطاقة إنتاجية تصل إلى 136 طنا في الساعة، بينما لا تتجاوز المعاصر القابلة للتشغيل حاليا ثماني معاصر، تتركز معظمها في المحافظة الوسطى.
ولا تقف الخسائر عند عدد المعاصر، إذ تواجه المنشآت القليلة التي لا تزال تعمل نقصا حادا في قطع الغيار، وارتفاعا كبيرا في تكاليف الصيانة، فضلًا عن أزمة الكهرباء والوقود التي تجعل تشغيل خطوط الإنتاج عملية شاقة ومكلفة.
ويشير الريفي إلى أن اتصالات تجري مع مؤسسات داعمة لتأمين الوقود وزيوت المولدات، إلى جانب توفير العمالة الفنية وتدريب الكوادر على تشغيل المعاصر في ظل الظروف الراهنة، في محاولة لمنع توقف الحلقة الأخيرة من موسم زراعي أنهكته الحرب قبل أن تصل ثماره إلى آلات العصر.
موسم يحاول النجاة
ورغم اتساع الأضرار، تشير التقديرات الأولية إلى وجود نحو خمسة آلاف طن من ثمار الزيتون ضمن مساحة تقدر بنحو خمسة آلاف دونم مزروعة بأشجار الزيتون.
ويحاول العاملون في القطاع استثمار هذه الكمية المحدودة قدر الإمكان، من خلال تنظيم جولات إرشادية للمزارعين داخل الحقول، والعمل على توفير جزء من تكاليف العمالة اللازمة لجني الثمار، في ظل ارتفاع كلفة القطاف والنقل وتراجع قدرة المزارعين على تحمل أعباء الموسم.
فالزيتون في غزة ليس محصولًا ينتهي دوره عند عصر الثمرة، فوراء كل طن زيتون سلسلة من العمال والمزارعين ووسائل النقل وأعمال التخزين والتشغيل، ولذلك فإن استمرار عمل المعاصر يمثل بالنسبة إلى القطاع الزراعي والصناعي معا محاولة للحفاظ على ما تبقى من دورة اقتصادية أضعفتها الحرب.
ويقول الريفي إن المعاصر تشكل حلقة وصل رئيسية بين القطاعين الزراعي والصناعي، ومصدرا لفرص العمل في الحقول والنقل والتخزين والتشغيل، ما يجعل توقفها خسارة تتجاوز أصحابها إلى عشرات المهن والعمال المرتبطين بها.
الحرب بدأت من الحقل
لكن أزمة المعاصر ليست سوى الجزء الأخير من قصة أطول بدأت في الحقول، فالزراعة في غزة تعرضت خلال الحرب لخسائر واسعة طاولت الأراضي والبساتين والأشجار ومصادر المياه والبنية التحتية الزراعية.
وأظهرت تقييمات لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “فاو” ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية “يونوسات” أن 71.2% من البساتين والأشجار تضررت بحلول سبتمبر 2024.
وفي تقييم لاحق، صدر في أكتوبر 2025، وصلت الأضرار في فئة البساتين والأشجار إلى نحو 89%، فيما كانت بساتين الزيتون من أكثر الفئات تضررا، إذ بلغت نسبة الأضرار فيها نحو 90%.
وهذه الأرقام تضع موسم الزيتون الحالي في سياقه الأوسع، المشكلة لا تبدأ عند المعصرة، بل قبل ذلك بكثير، حين يحاول المزارع الوصول إلى شجرة نجت من القصف، أو استعادة أرض تضررت تربتها، أو تأمين المياه ومستلزمات العناية والعمالة اللازمة لجني المحصول.
حرب طويلة
ويحمل الزيتون في غزة أهمية تتجاوز قيمته الاقتصادية، فهو من المحاصيل المرتبطة بالأرض ودخل الأسر والعمل الزراعي، فيما تمتد دورة إنتاجه إلى قطاعات النقل والتخزين والعصر والتعبئة.
لكن الحرب قطعت أجزاء واسعة من هذه الدورة، ودفعت المزارعين إلى العمل في ظروف استثنائية، وفي مواجهة ذلك، لا تقتصر الجهود على تشغيل المعاصر، بل تمتد إلى محاولة الاستفادة من مخرجات عملية العصر وتقليل تكاليف الإنتاج، بما يسمح بإنتاج زيت يمكن أن يتناسب مع القدرة الشرائية للمستهلكين في القطاع، الذي يعيش أزمة اقتصادية وإنسانية غير مسبوقة.
وهكذا، لا يبدو موسم الزيتون في غزة مجرد موسم زراعي جديد، بل اختبارا لما بقي من قدرة القطاع على الإنتاج بعد الحرب، من شجرة تقاوم في أرض مدمرة، إلى مزارع يحاول جني ثمارها، ثم معصرة تبحث عن وقود وقطعة غيار كي تعمل تمتد رحلة الزيتون الغزي هذا العام عبر سلسلة كاملة من محاولات البقاء.

