الطاقة الشمسية بغزة وكهرباء البقاء تحت الحصار والإبادة

الطاقة الشمسية في غزة

خاص المركز الفلسطيني للإعلام

حين ينقطع التيار في غزة، لا تنطفئ مصابيح المنازل فقط. تتعطل مضخات المياه، وتتعرض الأدوية للتلف، وتخسر العائلات وسيلة اتصالها بالعالم، ويصبح شحن هاتف أو تشغيل جهاز طبي مسألة بقاء. لذلك فإن الطاقة الشمسية بغزة ليست عنواناً بيئياً مريحاً ولا مشروعاً تجميلياً، بل جزء من قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود في وجه حصار طويل وعدوان يستهدف البنية المدنية ويعمق أزمة الكهرباء عمداً.

تظهر الألواح فوق أسطح البيوت والمدارس والمراكز الصحية كاستجابة فلسطينية لواقع مفروض بالقوة. لكنها لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها بديلاً سحرياً عن شبكة كهرباء عامة مستقرة وحق طبيعي في الوقود والطاقة. ما تحتاجه غزة ليس مزيداً من حلول الطوارئ وحدها، بل إنهاء الظروف التي تجعل إنارة غرفة أو تبريد حليب طفل إنجازاً يومياً شاقاً.

لماذا أصبحت الطاقة الشمسية بغزة ضرورة مدنية؟

تعاني غزة منذ عام 2006 من هشاشة مزمنة في إمدادات الكهرباء، بفعل الحصار المفروض على القطاع والتحكم في الوقود والمعابر والبنية التحتية. ومع كل عدوان واسع، تتضرر خطوط النقل والمحولات والمنشآت المدنية، ومحطة الكهرباء الوحيدة، فيما يصبح إصلاح الأعطال رهينة لإدخال المعدات وحرية حركة الطواقم الفنية.

ومع اندلاع عدوان الاحتلال الغاشم في أكتوبر 2023، أخذت أزمة الكهرباء إلى مستوى غير مسبوق، بحيث ساد الإظلام التام على مختلف أرجاء القطاع، مع تدمير شبكة الكهرباء وتوقف محطة التوليد عن العمل، وبات مصدر الكهرباء الوحيد هو مولدات الكهرباء الصغيرة وألواح الطاقة الشمسية التي لم تسلم من الاستهداف رغم محدودية ما تنتجه.

في هذه المعادلة، لا يكون انقطاع الكهرباء حادثاً تقنياً عابراً، بل امتداداً مباشراً للضغط الواقع على حياة السكان.

المنظومات الشمسية الصغيرة تمنح الأسرة أو المرفق قدراً محدوداً لكنه حاسم من الاستقلال. يمكنها تشغيل الإنارة، وشحن الهواتف، وإبقاء جهاز اتصال أو حاسوب عاملاً، وتغذية ثلاجة صغيرة أو مضخة وفق حجم النظام والبطاريات. وفي المراكز الطبية، قد تصنع الفارق بين حفظ لقاحات أو أدوية حساسة وبين فقدانها، وبين إبقاء خدمة أساسية متاحة أو توقفها في لحظة حرجة.

وتتجاوز المسألة جدران البيت. فالمياه في غزة مرتبطة بالكهرباء: الضخ والتحلية والنقل والمعالجة تحتاج إلى طاقة مستمرة. كما يحتاج الخباز والحداد وصاحب الورشة والمزارع إلى مصدر يمكن الاعتماد عليه، ولو جزئياً، لكي لا تتحول ساعات انقطاع الكهرباء إلى تعطيل كامل للدخل. لهذا تكتسب الطاقة المتجددة قيمة اجتماعية واقتصادية، لا قيمة استهلاكية فقط.

الألواح لا تعوض حق غزة في شبكة كهرباء آمنة

من الخطأ تقديم الطاقة الشمسية كأنها حل نهائي لأزمة الكهرباء. المنظومة المنزلية، مهما كانت جيدة، لا تستطيع وحدها تشغيل أحمال ثقيلة بصورة دائمة، ولا تغطي احتياجات مستشفى كبير أو محطة تحلية أو شبكة صرف صحي. الإنتاج يتغير بين الصيف والشتاء، ويتراجع مع الغبار والظلال، ويختفي ليلاً ما لم تتوافر بطاريات مناسبة. والبطاريات نفسها هي الجزء الأعلى كلفة والأكثر حاجة إلى الاستبدال والصيانة.

في غزة، تزداد هذه القيود بسبب واقع لا يواجهه كثير من مستخدمي الطاقة الشمسية في أماكن أخرى. إدخال الألواح والعاكسات والبطاريات وقطع الغيار ليس مساراً تجارياً عادياً، كما أن تدمير المباني أو تهجير سكانها قد يحول منظومة جرى تركيبها بشق الأنفس إلى معدات مفقودة أو متضررة. وحتى حين تبقى الألواح سليمة، قد يعطل تلف الأسلاك أو العاكس أو البطارية النظام كله.

هناك أيضاً مسألة العدالة. الأسر الأشد فقراً، والنازحون، وسكان المساكن المتضررة، هم غالباً الأكثر حاجة إلى الكهرباء البديلة والأقل قدرة على تحمل كلفتها. وإذا تركت المنظومات بالكامل لمنطق القدرة الشرائية، فإنها قد تخفف معاناة فئة وتترك أخرى في العتمة. لهذا ينبغي أن تُعامل مشاريع الطاقة الشمسية، خصوصاً للملاجئ والمراكز الصحية وشبكات المياه، بوصفها أولوية إغاثية وحقاً عاماً.

من المنزل إلى المستشفى: أين تكون الأولوية؟

في الظروف الطبيعية، يمكن ترتيب المشاريع وفق الجدوى الاقتصادية والعائد الاستثماري. أما في غزة، فإن الأولوية يجب أن تبدأ من الوظائف التي تحمي الحياة. تشغيل مضخات المياه، وحفظ الأدوية، وإنارة مراكز الإيواء، وربط العيادات بالاتصالات، ودعم التعليم في أماكن النزوح، كلها استخدامات تتقدم على الاستهلاك غير الضروري.

وتحتاج المنظومات المنزلية إلى تصميم واقعي لا إلى وعود مبالغ فيها. السؤال الأول ليس: كم لوحاً يمكن وضعه على السطح؟ بل: ما الأجهزة التي لا يمكن الاستغناء عنها، وكم ساعة يجب أن تعمل، وهل المساحة آمنة، وهل تتحمل البنية السطحية الوزن؟ بناء النظام على الأحمال الأساسية يقلل الكلفة ويمنع استنزاف البطاريات في تشغيل أجهزة لا يحتملها النظام.

البطاريات والصيانة جزء من المعركة اليومية

كثير من الناس يركزون على عدد الألواح، لكن القدرة الفعلية ليلاً وفي الأيام الغائمة تتوقف على التخزين وإدارة الاستهلاك. البطاريات الرديئة أو غير المناسبة قد تتحول إلى خسارة سريعة، فيما تتطلب بعض الأنواع تهوية وحماية ومتابعة أكثر من غيرها. لا تكفي المنظومة الجيدة عند التركيب إن غابت الصيانة أو تعذر الحصول على قطع الغيار لاحقاً.

كما أن السلامة ليست تفصيلاً. التوصيلات غير المدروسة، والبطاريات الموضوعة قرب مصادر حرارة، أو الأحمال التي تتجاوز قدرة العاكس، قد تخلق أخطاراً إضافية في بيئات سكن مكتظة ومتضررة. يحتاج السكان إلى تركيب مهني كلما أمكن، وإلى معرفة بسيطة بحدود النظام، وفصل الأجهزة غير الضرورية عند انخفاض الشحن، والحفاظ على الأسلاك والمكونات من الرطوبة والعبث.

الاحتلال يستهدف البنية ويقيد بدائلها

لا يمكن فصل الحديث عن الطاقة عن السياسة. عندما تُقصف المنشآت المدنية وتُقطع الإمدادات ويُمنع أو يُعاق إدخال مواد الإصلاح، تصبح كل منظومة بديلة محاصرة هي الأخرى. الصورة التي تختزل غزة في ألواح شمسية فوق أسطح مهدمة تتجاهل الحقيقة: الفلسطينيون لا يختارون التقشف الطاقي من باب التفضيل، بل يبتكرون وسائل للبقاء لأن حقهم في الخدمات الأساسية يُنتزع باستمرار.

وحتى المشاريع الممولة خارجياً تحتاج إلى استمرارية، لا إلى صور افتتاحية. الدعم المفيد هو الذي يغطي التقييم الفني، والتركيب، والتدريب، والصيانة، والبطاريات البديلة، ويضع احتياجات المجتمع المحلي في المقدمة. أما المبادرات التي تتعامل مع غزة كسوق لتصريف معدات رخيصة أو كمادة دعائية، فلن تصمد أمام واقع القطاع ولا أمام احتياجات الناس.

من واجب المؤسسات الإنسانية والحقوقية أن تدافع عن إدخال معدات الطاقة وقطع غيارها بلا قيود، وعن حماية العاملين في إصلاح الشبكات والمنشآت المدنية. فالطاقة ليست امتيازاً يمكن حجبه في الحرب، بل شرط مباشر للحق في الماء والعلاج والكرامة.

ما الذي يجعل المشروع الشمسي مفيداً فعلاً؟

المشروع الأكثر نفعاً في غزة هو الذي يبدأ من حاجة واضحة ويخطط لما بعد التركيب. في بيت صغير، قد تعني الأولوية إنارة موفرة وشحن الهواتف وتشغيل ثلاجة للأدوية. وفي مركز إيواء، قد تكون الأولوية للإنارة والاتصالات ونقاط شحن منظمة. وفي منشأة صحية أو مائية، يلزم تقييم هندسي أدق، مع مصادر احتياطية وخطة لصيانة الأعطال لا تعتمد على توافر السوق بشكل دائم.

كذلك لا بد من حماية المنظومات من الاستخدام العشوائي. وجود شخص أو فريق محلي يعرف مؤشرات الأعطال، وينظف الألواح عند الإمكان، ويتابع حالة البطاريات، يطيل عمر المعدات ويمنع توقفها في أكثر الأوقات حساسية. الاستثمار في المعرفة المحلية ليس أقل أهمية من ثمن اللوح أو العاكس.

غزة لا تحتاج إلى أن تتأقلم مع العتمة، بل إلى أن تستعيد حقها في طاقة مستقرة وبنية مدنية محمية. إلى أن يتحقق ذلك، تظل كل منظومة شمسية تعمل فوق بيت أو عيادة أو بئر ماء رسالة عملية: الحياة الفلسطينية لن تتوقف لأن المحتل أراد لها أن تُحاصر في الظلام.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest