الموت الصامت في غزة.. الجوع ونقص الدواء يفتكان بالمرضى وسط حصار الاحتلال

الموت الصامت في غزة.. الجوع ونقص الدواء يفتكان بالمرضى وسط حصار الاحتلال

المركز الفلسطيني للإعلام

يواجه آلاف المرضى والجرحى في قطاع غزة معركة يومية من أجل البقاء، في ظل النقص الحاد في الغذاء والأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية، وتراجع قدرة المنظومة الصحية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة للسكان المحاصرين. ولم تعد معاناة المرضى مقتصرة على الإصابات المباشرة، بل امتدت إلى صعوبة الحصول على العلاج، وسط استمرار العدوان الإسرائيلي وتدهور الأوضاع الإنسانية في مختلف مناطق القطاع.

وتعيش عائلات المرضى داخل المستشفيات حالة من القلق والترقب الدائم، خشية استهداف قوات الاحتلال للمرافق الصحية أو إجبارها على الإخلاء القسري، فيما يتمسك المرضى بما تبقى من خدمات طبية محدودة. وتتضاعف المخاطر التي تواجه الجرحى والمرضى مع تعطل إجراءات الإجلاء الطبي وتراجع الإمكانات العلاجية.

وتتجسد مأساة القطاع الصحي في قصص إنسانية مؤلمة، من بينها قصة الطفل أحمد السحلوب، الذي يعاني مشكلات جينية وسوء تغذية حادًا منذ ولادته. وتخوض والدته روند الرملاوي رحلة شاقة بين المستشفيات، في محاولة لإنقاذ حياته، بعدما دخل العناية المركزة عدة مرات، وسط نقص الإمكانات الطبية والتهديدات المستمرة للمستشفيات.

وتقول الرملاوي إن الخوف من الإخلاء والتهديدات التي يطلقها جيش الاحتلال يلاحقانها داخل غرف العلاج، في ظل عدم وجود بديل طبي يمكن اللجوء إليه بسبب الحصار المفروض على القطاع. وتناشد الأم إصدار تحويلة طبية عاجلة لطفلها لتلقي العلاج خارج غزة، مؤكدة أن المستشفى بات الملاذ الأخير الذي تخشى فقدانه في أي لحظة.

من جانبه، أكد المتحدث باسم مستشفى شهداء الأقصى، الدكتور خليل الدقران، أن المنظومة الصحية تتعرض لاستهداف ممنهج منذ بداية العدوان، ما أدى إلى خروج 19 مستشفى عن الخدمة من أصل 38.

وأوضح الدقران أن المستشفيات التي لا تزال تعمل تقدم خدماتها بالحد الأدنى من الإمكانات، وتعاني نقصًا حادًا في الأجهزة والمختبرات والكوادر الطبية المتخصصة.

وأشار إلى أن نحو 20 ألف مريض وجريح بحاجة ماسة إلى السفر لتلقي العلاج خارج القطاع، محذرًا من أن تأخر حصولهم على الرعاية الطبية اللازمة يؤدي إلى استشهاد العديد من المرضى يوميًا. ودعا المنظمات الدولية إلى زيارة المستشفيات والضغط على سلطات الاحتلال للسماح بإدخال الأدوية والمعدات الطبية الضرورية، والعمل على إعادة إعمار المرافق الصحية المتضررة.

وفي السياق، حذر الباحث الحقوقي باسم أبو جري من تصاعد التحريض في إعلام الاحتلال ضد ما تبقى من المرافق الصحية في غزة، معتبرًا أن ذلك يمهد لاستهدافات جديدة. وأكد أن الادعاءات التي يسوقها جيش الاحتلال لتبرير اقتحام المستشفيات لم تثبت صحتها، مشددًا على أن هذه الهجمات تقوض فرص نجاة المدنيين الفلسطينيين.

ولفت أبو جري إلى أن القيود المفروضة على دخول الأدوية، ومنع وصول البعثات الدولية والصحفيين الأجانب، يزيدان صعوبة توثيق حجم الكارثة الصحية. وأوضح أن القانون الدولي الإنساني يفرض حماية خاصة للمستشفيات والجرحى، ويلزم القوة القائمة بالاحتلال بتيسير وصول الإمدادات الطبية إلى السكان دون عوائق.

وتكشف البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات الصحية في غزة عن حجم الكارثة التي يعيشها القطاع، حيث يتعرض أكثر من 2.4 مليون نسمة لسياسات التجويع والتطهير العرقي. ووفق الإحصائيات الواردة في التقرير، استشهد 43% من مرضى الكلى خلال فترة العدوان، فيما يواجه مئات المرضى خطر الموت نتيجة نقص أجهزة غسيل الكلى.

كما سجلت المصادر الطبية استشهاد 2027 مريضًا أثناء انتظارهم فتح المعابر المغلقة للإجلاء الطبي، في حين تعرضت مرافق الرعاية الصحية لأكثر من 793 هجومًا مباشرًا. ويؤدي منع دخول مئات آلاف الشاحنات المحملة بالمساعدات والوقود، بحسب التقرير، إلى شلل شبه كامل في سلاسل الإمداد الطبية والغذائية الضرورية للحياة.

وتتفاقم المخاطر التي تهدد الأطفال في ظل استمرار سوء التغذية وانعدام الأمن الغذائي، إذ تشير التحذيرات الواردة في التقرير إلى أن نحو 650 ألف طفل يواجهون خطر الموت نتيجة سوء التغذية الحاد. ويحتاج أكثر من 5200 طفل إلى إجلاء طبي فوري لإنقاذ حياتهم، وسط نقص الحليب والمكملات الغذائية الضرورية لنمو الرضع، الذين يواجهون ظروفًا قاسية في مراكز النزوح.

ولا يقتصر الموت في غزة على القصف والصواريخ، بل يمتد إلى الحصار الذي يحرم المرضى من الأدوية وجلسات العلاج الكيميائي وغسيل الكلى، ويحول الأمراض التي يمكن علاجها إلى تهديد مباشر للحياة. وتتزايد المعاناة مع دخول فصل الشتاء، إذ يفاقم البرد أوضاع الجرحى والمرضى الذين يفترشون الأرض في خيام النزوح، أو ينتظرون العلاج داخل المستشفيات المكتظة.

وتعكس الشهادات الميدانية حجم المأساة الإنسانية التي تعيشها العائلات الفلسطينية، إذ تقف وراء كل رقم قصة أسرة تتشبث بالأمل في ظروف بالغة القسوة. ويظل تأمين ممرات آمنة للإجلاء الطبي وتوفير الوقود اللازم لتشغيل غرف العمليات من أبرز التحديات التي تحدد فرص بقاء آلاف المرضى على قيد الحياة.

ويستدعي إنقاذ المنظومة الصحية في غزة تحركًا دوليًا عاجلًا لوقف العدوان ورفع الحصار عن الأدوية والمستلزمات الطبية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون قيود، إلى جانب حماية المستشفيات والطواقم الطبية والمرضى، وإلزام الاحتلال باحترام قواعد القانون الدولي الإنساني.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest