
المركز الفلسطيني للإعلام
لم تكن المياه الفلسطينية يوماً مسألة خدمات عامة أو خللاً فنياً عابراً. إنها عنوان يومي لمنظومة استعمارية تتحكم بالمصدر والكمية والبنية التحتية، ثم تقدم عطش الفلسطينيين وكأنه نتيجة طبيعية لندرة الموارد. في الضفة الغربية وقطاع غزة، يتحول الماء إلى أداة إخضاع: يُقيّد وصول الفلسطيني إلى بئره، وتُستنزف طبقاته الجوفية، ويُدفع إلى شراء جزء من حقه بأسعار باهظة، بينما تتسع المستوطنات وتُمدّ بالمياه على حساب الأرض وأهلها.
المياه الفلسطينية: حق تحت الاحتلال
تملك فلسطين مصادر مائية محدودة وحساسة، لكنها ليست معدومة كما تحاول الرواية الإسرائيلية تصويرها. فالأحواض الجوفية في الضفة الغربية، ونهر الأردن، والمياه السطحية والينابيع، تشكل أساساً طبيعياً يمكن أن يدعم حياة السكان والزراعة والتنمية. غير أن الاحتلال الإسرائيلي فرض منذ عام 1967 سيطرة مباشرة على هذه الموارد، وأخضع حفر الآبار وإصلاح الشبكات ومدّ خطوط المياه لنظام تصاريح عسكري طويل ومعقّد.
المشكلة ليست في قلة المطر وحدها، ولا في تغير المناخ وحده، رغم خطورة العاملين. المشكلة أن الفلسطيني لا يملك حرية إدارة مياهه ولا حق التخطيط المستقل لمستقبله المائي. كثير من القرى الفلسطينية تواجه صيفاً قاسياً مع انخفاض الضخ أو انقطاعه، بينما تبقى مشاريع تطوير الشبكات أو إنشاء الخزانات رهينة الموافقة الإسرائيلية، خصوصاً في المناطق المصنفة ج التي تشكل المساحة الأكبر من الضفة الغربية.
هذه السيطرة تخالف أبسط مبادئ العدالة. فالماء مورد مشترك وحق إنساني، لكنه في الواقع الفلسطيني يُدار بمنطق القوة: من يسيطر على الأرض يسيطر على الحوض المائي، ومن يسيطر على الصنبور يستطيع أن يفرض على الناس حدود بقائهم.
أحواض الضفة الغربية تحت الاستنزاف
تعتمد الضفة الغربية بصورة أساسية على الحوض الجبلي، وهو نظام مائي جوفي يمتد في مناطق عدة من الضفة. لكن إسرائيل تستحوذ على الحصة الأكبر من مياهه، سواء عبر شركة المياه الإسرائيلية أو من خلال الآبار التي تخدم المستوطنات. وفي المقابل، تُفرض قيود مشددة على الفلسطينيين في حفر آبار جديدة أو تعميق الآبار القديمة، حتى حين تنخفض إنتاجيتها أو تتضرر بفعل الجفاف والاستنزاف.
لا تقتصر المعاناة على كمية المياه المتاحة للفرد، بل تشمل التفاوت الصارخ في توزيعها. المستوطنات المقامة بصورة غير قانونية على الأرض الفلسطينية تحظى غالباً بإمداد منتظم يخدم الاستخدام المنزلي والزراعي، فيما تضطر تجمعات فلسطينية قريبة منها إلى نقل المياه بالصهاريج. وهذه المياه المنقولة أعلى كلفة وأقل استقراراً، ما يضاعف العبء على العائلات الفقيرة والمزارعين والرعاة.
وحين يهدم الاحتلال خزانات تجميع مياه الأمطار أو يصادر صهاريج المياه في الأغوار والمناطق الرعوية، فهو لا يهدم منشأة فقط. إنه يستهدف قدرة الفلسطيني على الثبات في أرضه، ويدفعه تدريجياً إلى الرحيل القسري. لذلك فإن الدفاع عن المياه هو دفاع عن الوجود الفلسطيني نفسه، لا ملف خدمي منفصل عن معركة الأرض والسيادة.
غزة: مياه ملوثة وحصار يطيل الكارثة
في قطاع غزة، تبدو المأساة أكثر حدة. يعتمد القطاع بصورة رئيسية على خزان جوفي ساحلي تعرض على مدى سنوات لاستنزاف شديد وتسرب مياه البحر والملوثات إليه. ومع الحصار الإسرائيلي الخانق، تصبح معالجة المياه وتحديث محطات التحلية والصرف الصحي مهمة شاقة، لأن إدخال المعدات والوقود وقطع الغيار يخضع لقيود إسرائيلية متواصلة.
الحروب والاعتداءات المتكررة فاقمت هذا الوضع إلى مستوى كارثي. فالقصف الذي يستهدف شبكات المياه ومحطات الضخ وخطوط الكهرباء لا يعطل الخدمة في لحظة الهجوم فحسب، بل يخلق سلسلة أزمات تمتد إلى المستشفيات والمخابز ومراكز الإيواء والمنازل. عندما تتوقف المضخات بسبب انقطاع الكهرباء أو نقص الوقود، لا يعود الأمر متعلقاً بالراحة اليومية، بل يصبح تهديداً مباشراً للصحة والحياة.
يُجبر كثير من سكان غزة على الاعتماد على مياه محلاة تجارياً أو مياه منقولة في خزانات، في ظل شكوك مستمرة حول الجودة والقدرة على تحمل الكلفة. وتتزايد خطورة الأمراض المرتبطة بالمياه الملوثة، خصوصاً على الأطفال والنازحين وكبار السن. وفي ظروف النزوح الواسع، يصبح الحصول على كمية كافية للشرب والنظافة الشخصية تحدياً يومياً لا ينبغي أن يكون مقبولاً في أي مكان في العالم.
لا يمكن فصل أزمة غزة المائية عن الحصار. التحلية تحتاج طاقة ومواد تشغيل وصيانة مستمرة، وكل ذلك يتحول تحت الحصار إلى ورقة ضغط. ثم يأتي الخطاب الإسرائيلي ليختزل الكارثة في ضعف البنية التحتية، متجاهلاً أن إعادة بناء هذه البنية وتطويرها تُعاقَب وتُعرقَل وتُستهدف مراراً.
من أوسلو إلى التبعية المفروضة
كرّست ترتيبات المياه في اتفاق أوسلو واقعاً انتقالياً لم ينتهِ، ومنحت إسرائيل قدرة واسعة على تعطيل أي تطوير فلسطيني مستقل. فقد جرى التعامل مع الحقوق المائية الفلسطينية باعتبارها ملفاً مؤجلاً للتفاوض، بينما استمر الاحتلال في توسيع السيطرة الفعلية على الأرض والآبار والمصادر. وهكذا تحول المؤقت إلى بنية دائمة للتبعية.
تظهر هذه التبعية في اضطرار جهات فلسطينية إلى شراء المياه من الشركة الإسرائيلية ذاتها التي تستفيد من السيطرة على الأحواض الفلسطينية. قد يخفف الشراء بعض العجز في فترات معينة، لكنه لا يعالج أصل المشكلة. بل إنه يثبت علاقة غير عادلة يكون فيها الشعب الواقع تحت الاحتلال مستهلكاً لمورد يُفترض أن يكون له نصيب أصيل فيه.
لا يعني ذلك أن الإدارة المحلية معفاة من واجباتها. تقليل الفاقد في الشبكات، وحماية مصادر المياه من التلوث، وتطوير أنظمة حصاد مياه الأمطار، وتحسين الرقابة على جودة المياه، كلها خطوات ضرورية. لكنها تظل محدودة الأثر ما دامت إسرائيل تملك سلطة المنع والتدمير والتحكم بالكميات. لا يجوز استخدام الحاجة إلى إصلاح داخلي ذريعة لإخفاء المسؤولية الأولى للاحتلال.
الزراعة الفلسطينية في مواجهة العطش
المزارع الفلسطيني هو من أوائل من يدفعون ثمن السيطرة على الماء. الزراعة تحتاج إمداداً يمكن التنبؤ به، لا كميات متقطعة وأسعاراً متقلبة وتصاريح مؤجلة. في الأغوار ومسافر يطا ومناطق واسعة من الضفة، يواجه المزارعون والرعاة قيوداً على الآبار والبرك وشبكات الري، بالتزامن مع توسع استيطاني يستولي على الأراضي الخصبة والمصادر المحيطة بها.
النتيجة ليست تراجع محصول واحد، بل ضرب الاقتصاد الريفي وتقليص قدرة العائلات على البقاء. وحين تعجز الأسرة عن ري أرضها أو سقي مواشيها، تصبح أكثر هشاشة أمام سياسات التهجير. لهذا يحمل كل خزان مياه يُهدم، وكل بئر يُغلق، وكل خط يُمنع، معنى سياسياً يتجاوز قيمته الهندسية.
ما الذي يتطلبه استرداد الحق المائي؟
استرداد الحق في المياه يحتاج إلى مسار سياسي وقانوني وميداني متكامل. البداية هي تسمية الواقع باسمه: لا توجد أزمة مياه فلسطينية منفصلة عن الاحتلال، بل توجد سيطرة إسرائيلية ممنهجة على مورد فلسطيني. إنصاف الفلسطينيين يقتضي وقف التدمير والقيود على المنشآت، وضمان حرية الوصول إلى الأحواض والينابيع، وحماية البنية التحتية المدنية من الاستهداف، وإنهاء التمييز في توزيع المياه بين الفلسطينيين والمستوطنين.
وفي الميدان، تحتاج المجتمعات المحلية إلى دعم مشاريع التخزين والحصاد المائي ومعالجة التلوث وإصلاح الشبكات، خاصة في المناطق المهمشة. لكن هذه المشاريع لا ينبغي تسويقها كبديل عن الحق السيادي. الصهريج قد ينقذ عائلة اليوم، والخزان قد يخفف أزمة قرية، أما العدالة الحقيقية فتبدأ عندما يصبح الفلسطيني قادراً على إدارة مياهه دون إذن من المحتل.
الماء في فلسطين ليس تفصيلاً تقنياً في هامش الأخبار. إنه امتحان واضح للعدالة الدولية ولصدقية كل من يتحدث عن الحقوق الإنسانية. وبين بئر يمنع الاحتلال حفره وصنبور يجف في غزة، يبقى الإصرار الفلسطيني على الحياة فوق أرضه أبلغ من كل محاولات تحويل العطش إلى قدر.

