بين حصار المنازل ومنع العودة إليها.. الاحتلال يحوّل الضفة أقفاصًا لفرض التهجير

المركز الفلسطيني للإعلام

لا يحتاج الفلسطيني في الضفة الغربية إلى أن يُهدم منزله حتى يشعر بأنه مهدد بفقدانه؛ فقد يكفي أن تُغلق الطريق المؤدية إليه، أو تُنصب بوابة حديدية عند مدخل قريته، أو يُمنع من عبور حاجز عسكري للوصول إلى أسرته وأرضه.

هكذا تتحول الحركة اليومية إلى معركة، ويصبح الوصول إلى البيت امتيازاً يحتاج إلى تصريح، فيما تتسع دائرة العزل التي تقطع القرى والبلدات عن محيطها وتدفع سكانها إلى مواجهة حياة تزداد ضيقاً يوماً بعد يوم.

في منطقة رأس العين ببلدة قصرة جنوب نابلس، يعيش ثلاثة منازل فلسطينية حصاراً متواصلاً لليوم الثامن عشر، بعد إعلان الاحتلال أنّ المنطقة عسكرية مغلقة، في إجراء حوّل البيوت إلى مساحات معزولة ومنع سكانها من الدخول إليها أو مغادرتها.

يروي لؤي أبو ريدة، أحد سكان المنازل المحاصرة، أن ثلاث نقاط عسكرية تحيط بالمكان، إحداها أمام منزله مباشرة، وأخرى عند المدخل الرئيسي للبلدة، وثالثة فوق قمة الجبل، ما جعل خروج السكان من منازلهم أو وصول الآخرين إليهم أمراً شبه مستحيل.

ويقول أبو ريدة إن خمسة أشخاص يقيمون في منزله، بينما يعيش أربعة في منزل جاره يوسف حسان، وثلاثة آخرون في منزل رزق، مشيراً إلى أن السكان باتوا يعيشون ما وصفه بـ”حصار داخل حصار”، بعدما مُنعوا من استخدام المداخل الرئيسية والتواصل المباشر بين المنازل.

ويؤكد أن الاحتلال يبرر إجراءاته بالقول إنها تهدف إلى حماية المواطنين وإزالة بؤرة استيطانية، إلا أن الواقع الذي يعيشه السكان، وفق شهادته، يتمثل في تشديد الخناق عليهم ومنعهم من الخروج، في وقت يواصل فيه المستوطنون الوصول إلى محيط المنازل دون أن يواجهوا القيود ذاتها.

ويقول أبو ريدة إن المستوطنين كانوا يظهرون يومياً قرب المنازل، بينما لم تكن قوات الاحتلال تمنعهم أو تتعامل معهم، مضيفاً أن ما يجري في قصرة ليس حالة منفردة، بل جزء من معاناة يعيشها فلسطينيون في مناطق مختلفة من الضفة الغربية.

لا تتوقف سياسة العزل عند حصار المنازل، بل تمتد إلى منع الفلسطينيين من الوصول إلى قراهم وبيوتهم، كما يحدث في قرى شمال غرب القدس المحتلة، حيث شددت سلطات الاحتلال إجراءاتها العسكرية وفرضت قيوداً جديدة على حركة السكان في النبي صموئيل وبيت إكسا وحي الخلايلة.

وتفرض سلطات الاحتلال على سكان هذه التجمعات الحصول على تصاريح خاصة للتنقل من وإلى مناطق سكنهم، في خطوة تزيد من عزلهم عن محيطهم، وتحوّل الوصول إلى المنزل والعمل والأرض إلى رحلة مرتبطة بموافقة عسكرية.

كما أوقفت سلطات الاحتلال تصاريح دخول أفراد عائلة المواطن الحاج شريف عوض الله عبر حاجز الجيب العسكري، رغم إقامتهم في منزلهم بالحي الشرقي من قرية قلنديا ضمن حدود بلدية القدس، ما حرم أفراد العائلة من الوصول إلى منزلهم وممارسة حياتهم بصورة طبيعية.

وفي بيت إكسا، مُنع نحو عشرة مواطنين من الوصول إلى منازلهم، بذريعة عدم امتلاك التصاريح المطلوبة أو وجود ما يسمى “منع أمني” بحقهم، لتجد عائلات فلسطينية نفسها أمام خيار صعب: البقاء بعيداً عن البيت، أو محاولة عبور الحاجز وتحمل تبعات المنع والاعتقال.

يقول المواطن محمد زايد إن بيت إكسا، شأنها شأن قرى شمال غرب القدس، تقع خلف حاجز عسكري وتعيش منذ سنوات تحت نظام متشدد للتحكم بحركة سكانها، مشيراً إلى اعتماد بطاقات ممغنطة خاصة تتيح الدخول إلى المنطقة، ما أوجد عائقاً إضافياً أمام الأسرى المحررين وغيرهم ممن تفرض عليهم سلطات الاحتلال ما تسميه “المنع الأمني”.

ويضيف زايد أن المواطنين فوجئوا بإغلاق الحاجز لأكثر من ست ساعات قبل إعادة فتحه في ساعات الفجر، ثم أُبلغ عدد منهم بأن دخولهم إلى القرية أصبح ممنوعاً، وأن أسماءهم شُطبت من القوائم المعتمدة على الحاجز.

ومنذ ذلك الحين، بقي نحو عشرة مواطنين ممنوعين من العودة إلى منازلهم، ينتظرون السماح لهم بالعبور والوصول إلى قريتهم، في مشهد يختصر جانباً من واقع بات فيه الفلسطيني بحاجة إلى إذن عسكري كي يعود إلى بيته.

تكشف المعطيات الأممية حجم منظومة القيود التي تحاصر حركة الفلسطينيين في الضفة الغربية؛ إذ وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” 925 عائقاً للحركة حتى كانون الأول/ديسمبر 2025، تقيد بصورة دائمة أو متقطعة حركة نحو 3.4 مليون فلسطيني في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية.

وتشمل هذه العوائق 89 حاجزاً دائماً، و218 حاجزاً جزئياً، و232 بوابة طرق، و114 إغلاقاً خطياً، إضافة إلى 167 سداً ترابياً و105 حواجز طرق، فيما شكلت الحواجز والبوابات وحدها قرابة 60% من إجمالي عوائق الحركة الموثقة.

وتشير البيانات إلى أن ما لا يقل عن 459 عائقاً يقطع أو يعرقل الوصول بين البلدات والقرى الفلسطينية والطرق الرئيسية، فيما تؤثر نحو 20% من هذه العوائق في الحركة على مستوى محافظات بأكملها أو بين عدة محافظات، الأمر الذي يدفع الفلسطينيين إلى استخدام طرق أطول وأكثر صعوبة للوصول إلى أعمالهم وخدماتهم ومنازلهم.

وسجلت الأمم المتحدة في عام 2026 استمرار ارتباط القيود على الحركة بعمليات التهجير؛ إذ أدى عنف المستوطنين وعمليات الهدم المرتبطة بعدم الحصول على تراخيص، إلى جانب القيود على الوصول، إلى تهجير أكثر من 3200 فلسطيني خلال العام حتى تموز/يوليو، بمعدل 17 شخصاً يومياً، وهو ضعف المعدل اليومي خلال السنوات الثلاث السابقة.

تتجاوز آثار هذه الإجراءات مسألة الانتقال من مكان إلى آخر، لتطال تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين، من الوصول إلى المدارس والمستشفيات وأماكن العمل، إلى رعاية الأراضي الزراعية والتواصل بين أفراد العائلة الواحدة.

وتؤكد الأمم المتحدة أن القيود المتزايدة على الحركة في الضفة الغربية تؤدي إلى عزل التجمعات الفلسطينية، وتعرقل الوصول إلى الخدمات الأساسية وسبل العيش، فيما أسهمت القيود والاعتداءات وعمليات الهدم في دفع مزيد من السكان نحو النزوح.

وفي بعض المناطق، وصل أثر الإغلاق إلى داخل الأحياء السكنية نفسها؛ فقد وثقت الأمم المتحدة إغلاق مداخل عدد من المباني السكنية في منطقة H2 بمدينة الخليل، ما أثر في 18 عائلة تضم 104 أشخاص، بينهم 49 طفلاً، وأجبر السكان على الوصول إلى منازلهم عبر بيوت مجاورة وأراضٍ مفتوحة وتسلق الجدران، كما عرقل وصول الأطفال إلى التعليم وبعض السكان إلى الرعاية الصحية.

وبذلك لا يعود الحصار مجرد حاجز على طريق أو بوابة حديدية عند مدخل قرية، وإنما يصبح منظومة تضيق مساحة الحياة نفسها، وتدفع الفلسطيني إلى السؤال عن قدرته على البقاء في منزل لا يستطيع الوصول إليه، أو أرض لا يستطيع الوصول إليها، أو قرية قد يحتاج إلى تصريح عسكري كي يدخلها.

يرى الفلسطينيون الذين يعيشون هذه الإجراءات أن الهدف لا يقتصر على تنظيم الحركة كما تدعي سلطات الاحتلال، بل يتصل بواقع أوسع يقوم على تفتيت الجغرافيا الفلسطينية وتحويل القرى والبلدات إلى جزر منفصلة، وإضعاف قدرة السكان على ممارسة حياتهم الطبيعية في أرضهم.

وتتزامن القيود على الحركة مع التوسع الاستيطاني واعتداءات المستوطنين وعمليات الهدم ومصادرة الأراضي، وهي عوامل وثقت الأمم المتحدة ارتباطها المتزايد بالنزوح في الضفة الغربية. وفي النصف الأول من عام 2026، وثقت الأمم المتحدة أكثر من 2300 فلسطيني تعرضوا للتهجير بسبب اعتداءات المستوطنين والقيود المرتبطة بها.

وفي قصرة وبيت إكسا والنبي صموئيل وحي الخلايلة وغيرها من المناطق، يبدو المشهد أكثر وضوحاً: منزل يُحاصر، وطريق تُغلق، وبوابة تُقفل، وتصريح يُسحب، وقرية تُعزل عن محيطها. ومع تراكم هذه الإجراءات، يصبح الضغط على الفلسطيني ليس فقط في مكان إقامته، بل في قدرته على الاستمرار في العيش فيه.

ويبقى الخوف الأكبر لدى السكان أن تتحول هذه القيود المؤقتة إلى واقع دائم، وأن يصبح التضييق المتواصل وسيلة لدفعهم إلى ترك منازلهم وأراضيهم طوعاً تحت وطأة ظروف صُنعت حولهم، بما يفتح الطريق أمام توسيع المستوطنات وفرض وقائع جديدة على الأرض، في واحدة من أخطر صور التهجير الصامت في الضفة الغربية.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest