حقيبته لم تفارق ظهره.. الاحتلال يقتل الطفل محمد أبو حماد في طريق عودته من المدرسة

حقيبته لم تفارق ظهره.. الاحتلال يقتل الطفل محمد أبو حماد في طريق عودته من المدرسة

المركز الفلسطيني للإعلام

استشهد الطفل محمد رياض أبو حماد (14 عامًا)، اليوم السبت، إثر استهداف إسرائيلي لتجمع من المواطنين في شارع البركة بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، فيما أُصيب أربعة آخرون، بينهم طفلة، في جريمة حوّلت عودة طالب من مدرسته إلى مشهد من الدم والفقد، تاركةً حقيبته ودفاتره شاهدًا على استهداف الأطفال في تفاصيل حياتهم اليومية.

وكان محمد قد عاد لتوّه من مدرسته، ولم يكن قد خلع زيه المدرسي أو وضع حقيبته جانبًا، حين استهدفت طائرة مسيّرة إسرائيلية تجمعًا للمواطنين في شارع البركة، وفق ما أورده شهود عيان في روايتهم للواقعة.

وفي لحظات، انقلبت عودة الطفل إلى منزله إلى فاجعة، بعدما أصابه القصف، ليسقط شهيدًا وتتناثر متعلقاته المدرسية في المكان، فيما أُصيب أربعة مواطنين آخرين، بينهم طفلة.

«ما خلع حقيبته».. أب ينتظر عودة ابنه

لم يكن والد محمد ينتظر سوى عودة ابنه إلى المنزل، ليواصل معه تفاصيل الحياة اليومية والعمل الذي اعتاد أن يشاركه فيه لمساعدة الأسرة، لكن خبر استشهاده باغته، وحوّل الانتظار إلى صدمة يصعب استيعابها.

وعلى وقع الفاجعة، ارتمى الأب على جثمان نجله، يقبّله ويحتضنه، مرددًا بوجع: «يا رب يا رب ابني محمد.. الله يرضى عليك يا حبيبي»، في مشهد تختلط فيه صدمة الفقد بعجز الأب عن تصديق أن طفله الذي خرج إلى المدرسة لن يعود إلى منزله مجددًا.

أما الأم، فودّعت نجلها بكلمات يختصر وقعها حجم المأساة التي حلّت بالعائلة، وهي تناجيه: «خليك عندي يا يما، والله كنت إلي المريحني».

وكان محمد، إلى جانب دراسته، يساعد والده في العمل لتوفير احتياجات الأسرة، وهو ما جعل رحيله خسارة مضاعفة لعائلته التي فقدت طفلها وسندًا كان يشاركها أعباء الحياة القاسية.

وفي حديثه عن اللحظات الأخيرة، قال عم الطفل، إبراهيم حماد، إن محمد كان يقف إلى جواره قرب باب المنزل عندما سقط الصاروخ، مضيفًا: «صاروخ زنانه ضربوه علينا وإحنا واقفين باب الدار، وكان محمد جنبي، مباشر ضرب الصاروخ طفل».

واستعاد العم تفاصيل المشهد بمرارة، مؤكدًا أن الطفل كان عائدًا من المدرسة ولم يخلع حقيبته بعد، وكان والده قد خرج لقضاء مشوار يتعلق بتأمين رزق الأسرة.

وتساءل بحرقة: «ما خلع حقيبة المدرسة لسه، جاي بيشتري وأبوه راح مشوار بده يكمل رزقتهم.. لما قتلوه؟».

بين الخيام والجوع.. لا يسلم الأطفال من القصف

لم تتوقف مأساة العائلة عند فقدان محمد، بل امتدت إلى السؤال عن مصير أطفال غزة الذين يعيشون بين النزوح والفقر وشحّ الاحتياجات الأساسية، في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية وما تخلّفه من ضحايا ودمار.

وعبّر العم إبراهيم عن غضبه إزاء استمرار هذه المعاناة، متسائلًا عن جدوى استهداف طفل لم يكن يحمل سوى حقيبته المدرسية وأحلامه البسيطة، وقال: «يكفي عايشونا بخيم وبجوع وبفقر، بتقتلونا ليش؟ إيش بدكم في الطفل تقتلوه؟!».

وتكشف جريمة استشهاد محمد عن الوجه الأكثر قسوة للحرب على قطاع غزة؛ إذ لم تعد حياة الأطفال مرتبطة بالمخاطر داخل المنازل أو في أماكن النزوح وحدها، بل باتت أبسط تفاصيل يومهم، من الذهاب إلى المدرسة والعودة منها، محفوفة بخطر القصف والاستهداف.

فالحقيبة التي يفترض أن تحمل الكتب والأقلام، والدفاتر التي يخطّ عليها الأطفال أحلامهم وخطواتهم الأولى نحو المستقبل، تحوّلت في مشهد استشهاد محمد إلى متعلقات ملطخة بالدماء، تختصر المسافة التي تفصل الطفل الفلسطيني بين يوم دراسي عادي وفقدان الحياة.

التعليم والطفولة تحت وطأة الحرب

وتأتي هذه الجريمة في سياق الخسائر الواسعة التي لحقت بالأطفال والطلبة والمنظومة التعليمية في قطاع غزة منذ بدء الحرب الإسرائيلية، بعدما طالت الهجمات المدارس والمنشآت التعليمية، وحُرم آلاف الأطفال من انتظامهم الدراسي، فضلًا عن سقوط أعداد كبيرة من الشهداء والجرحى في صفوف الطلبة والعاملين في التعليم.

ووفق البيانات التي أوردتها وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية، تجاوز عدد الطلبة الذين استشهدوا في قطاع غزة منذ بدء الحرب 19 ألف طالب مدرسي، إلى جانب آلاف الطلبة الجامعيين، فيما أُصيب عشرات الآلاف، بعضهم بإعاقات دائمة.

ولا تقتصر تداعيات هذه الخسائر على أعداد الضحايا أو حجم الدمار الذي أصاب المباني التعليمية، بل تمتد إلى مستقبل جيل كامل، يواجه الحرمان من التعليم وفقدان أفراد الأسرة والاضطرابات النفسية الناجمة عن القصف والنزوح المتكرر.

وفي حالة محمد، تتجسد هذه المأساة في طفل خرج من مدرسته، حاملًا حقيبته، وعاد إلى محيط منزله قبل أن يقتله صاروخ إسرائيلي، تاركًا خلفه عائلة مفجوعة ودفاتر لن يستكمل الكتابة فيها.

وبينما تتوالى مشاهد استشهاد الأطفال في قطاع غزة، تظل الأسئلة التي يطرحها ذوو الضحايا أكبر من أن تختصرها بيانات النعي أو أرقام الشهداء: كيف يمكن لطفل أن يُقتل في طريق عودته من المدرسة؟ وما الذي تبقى من أبسط مقومات الأمان حين لا يضمن الوصول إلى المنزل النجاة؟

لقد انتهت رحلة محمد المدرسية قبل أن يضع حقيبته جانبًا، وبقيت متعلقاته شاهدًا على فاجعة عائلته وعلى واقع يهدد حياة أطفال غزة وحقهم في التعليم والحياة والأمان، وسط مطالبات متواصلة بتحرك دولي فعلي لحمايتهم ومحاسبة المسؤولين عن استهداف المدنيين.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest