
المركز الفلسطيني للإعلام
تكشف المقابلة التي أجراها رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خليل الحية مع التلفزيون العربي، وهي الأولى منذ توليه منصبه، عن محاولة لرسم ملامح سياسية جديدة لمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة مع التصعيد في الضفة الغربية، وتتقاطع فيها المفاوضات مع مستقبل الحكم الفلسطيني، فيما يتسع نطاق التداعيات الإقليمية للحرب.
ولم تقتصر مضامين حديث الحية على ملف وقف إطلاق النار والمفاوضات، بل امتدت إلى الانتخابات الفلسطينية، وإعادة بناء المؤسسات، والعلاقة مع السلطة الفلسطينية، والاتصالات مع الجانب الأميركي، إضافة إلى طرح الحركة نفسها في موقع الساعي إلى الوساطة في أزمات إقليمية، بما يعكس رغبة في تقديم أجندة سياسية تتجاوز إدارة المواجهة العسكرية المباشرة.
وتأتي هذه المواقف في وقت تصف فيه الأمم المتحدة الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة بأنه يواجه ضغوطاً إنسانية وسياسية واقتصادية شديدة، مع استمرار هشاشة وقف إطلاق النار في غزة وتدهور الأوضاع الإنسانية فيها كما في الضفة الغربية، بما في ذلك تصاعد جرائم الاحتلال وعنف المستوطنين وملف الاستيطان والتهجير القسري للفلسطينيين.
وقف العدوان.. الأولوية التي تتقدم على بقية الملفات
وضع الحية وقف العدوان على رأس أولويات حماس، قبل الوحدة الوطنية، رابطاً ذلك بضرورة استكمال مسار الاتفاق والانتقال إلى المرحلة الثانية منه.
وقدم موافقة الحركة على خريطة الطريق التي قال إنها طُرحت من الوسطاء ومجلس السلام باعتبارها رزمة متكاملة، تبدأ بوقف العدوان واستكمال المرحلة الأولى وتنتهي، وفق طرحه، بإقامة دولة فلسطينية.
سياسياً، يعكس هذا الطرح محاولة لتثبيت وقف إطلاق النار باعتباره مدخلاً إلى معالجة الملفات الأخرى، بدلاً من التعامل معه كترتيب أمني مؤقت.
ويضع ذلك الوسطاء والجهات الراعية أمام اختبار الانتقال من إدارة الهدنة إلى ضمان تنفيذ الالتزامات المرتبطة بها.
ويكتسب هذا الطرح وزناً إضافياً في ظل استمرار هشاشة الوضع الميداني؛ فالتقرير الأممي الصادر في 24 أيلول/سبتمبر أشار إلى استمرار الضربات والعمليات العسكرية لجيش الاحتلال في غزة، وبقاء أجزاء واسعة من القطاع غير متاحة أو خاضعة لقيود الاحتلال الشديدة، مع عدم تحقق التعافي للقطاع كما هو مفترض.
وفي هذا السياق، وجّه الحية رسالة واضحة إلى الوسطاء، ولا سيما نيكولاي ملادينوف، مفادها أن الجهد السياسي لا ينبغي أن يتوقف عند صياغة المقترحات، بل يجب أن يتحول إلى آليات إلزام لدولة الاحتلال وضمان لتنفيذ الاتفاق.
الوحدة الفلسطينية من شعار سياسي إلى اختبار عملي
ومن أبرز ما حملته المقابلة داخلياً كان دعوة الحية رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إلى الجلوس معاً لوضع أسس برنامج وطني وتحقيق وحدة فلسطينية حقيقية، معتبراً أن الوفاق الوطني يمثل مدخلاً لإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية، بدءاً من منظمة التحرير.
ولا تبدو هذه الدعوة منفصلة عن حديثه عن الانتخابات، إذ أكد أن حماس تستعد للمشاركة فيها من خلال تحالف وطني مفتوح أمام القوى الفلسطينية، مشيراً إلى أن الحركة اقترحت خوض الاستحقاق بقائمة واحدة مع مختلف الفصائل، بما فيها حركة فتح.
وتطرح هذه المواقف الانتخابات باعتبارها أكثر من مجرد استحقاق انتخابي؛ إذ يقدمها الحية كأداة محتملة لإعادة ترتيب النظام السياسي الفلسطيني وتوحيد غزة والضفة والقدس سياسياً وجغرافياً.
وفي المقابل، فإن نجاح هذا التصور يظل مرتبطاً بقدرة القوى الفلسطينية على تجاوز الخلافات المتعلقة بالتمثيل والبرنامج السياسي وشكل المؤسسات وآليات اتخاذ القرار.
أما في حال تأجيل الانتخابات، فقد شدد الحية على ضرورة ألا يتحول التأجيل إلى إبقاء الوضع القائم، بل أن يكون مدخلاً لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني واستمرار التحالف الذي تعمل الحركة على تشكيله.
وتتزامن هذه الدعوة مع أزمة أوسع في قدرة المؤسسات الفلسطينية على العمل، إذ حذرت الأمم المتحدة في تقريرها الأخير من أزمة مالية ومؤسسية حادة تواجه السلطة الفلسطينية، وانعكاسات ذلك على تقديم الخدمات والاستقرار الاقتصادي والمؤسساتي.
من المفاوضات إلى اختبار الدور الأميركي
كما يكشف حديث الحية عن لقاءاته مع مسؤولين أميركيين، بينهم جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، عن مسار اتصالات تقول حماس إنها استخدمته لعرض رؤيتها للقضية الفلسطينية ومناقشة السلوك الإسرائيلي وعدم تنفيذ الاتفاقات.
ويحاول الحية، من خلال هذه الإشارة، تثبيت فكرة أن الاتصالات السياسية لا تعني بالضرورة تغييراً في مواقف الحركة، وإنما وسيلة لعرض المطالب الفلسطينية مباشرة على الطرف الأميركي، ولاختبار مدى استعداد واشنطن للانتقال من الاستماع والتفهم، بحسب وصفه، إلى ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل.
وتكمن أهمية هذا الجزء من المقابلة في أن الحية وضع معياراً واضحاً للحكم على الدور الأميركي، يتمثل في الأفعال وليس الاتصالات وحدها.
ومن هذه الزاوية، تتحول واشنطن في خطابه من طرف وسيط أو داعم لمسار التفاوض إلى طرف يُفترض أن يستخدم نفوذه لضمان تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.
وفي المقابل، يبقى هذا المسار مرهوناً بمدى قدرة الإدارة الأميركية والوسطاء على التأثير في مواقف الحكومة الإسرائيلية، خصوصاً في ظل استمرار الخلافات بشأن المرحلة التالية من اتفاق غزة ومستقبل القطاع وترتيبات الأمن والحكم فيه.
الضفة وغزة في معادلة واحدة والدم الفلسطيني ليس وقودات للانتخابات الإسرائيلية
لم يفصل الحية بين ما يجري في غزة وما تواجهه الضفة الغربية والقدس، بل قدم المشهد الفلسطيني باعتباره ساحة واحدة تتعرض فيها القضية لضغوط متزامنة.
ورفض، في هذا السياق، التعامل مع استمرار الاحتلال باعتباره أمراً دائماً، مؤكداً تمسك الفلسطينيين بأرضهم ورفض محاولات التهجير.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية في ظل ما تصفه الأمم المتحدة بتدهور سريع في الضفة الغربية، مع استمرار الاستيطان والعدوان الذي ينفذه المستوطنون وجيش الاحتلال والنزوح والقيود على الحركة، إلى جانب التداعيات المتواصلة لحرب الإبادة الإسرائيلية في غزة.
كما وثقت الأمم المتحدة تهجير سكان فلسطينيين من ثلاثة مخيمات للاجئين في شمال الضفة، وعدم السماح لهم بالعودة حتى الآن.
ومن منظور سياسي، يعني جمع الحية بين غزة والضفة والقدس أن الحركة لا تنظر إلى وقف الحرب في القطاع باعتباره نهاية للصراع، بل باعتباره جزءاً من مسار أوسع يتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية وشكل السلطة والسيادة والتمثيل السياسي.
كما أن حديثه عن عدم قبول أن يكون الدم الفلسطيني وقوداً للانتخابات الإسرائيلية يضع الانتخابات الإسرائيلية في سياق أوسع من المنافسة الداخلية، باعتبار أن نتائجها وسياساتها تنعكس، وفق رؤيته، مباشرة على الفلسطينيين.
الوساطة في اليمن.. توسيع هامش الحركة إقليمياً
فتح الحية ملف الوساطة في اليمن بُعداً إقليمياً جديداً في المقابلة، إذ كشف عن عرض حماس الوساطة بين الأطراف المتنازعة، مؤكداً وجود اتصالات مع عدد من الدول، ومقدماً المبادرة ضمن مساعي الحركة لوقف الصراعات في المنطقة.
ولا تقتصر دلالة هذا الطرح على الأزمة اليمنية نفسها، بل تشير إلى رغبة الحركة في تقديم علاقاتها الإقليمية باعتبارها أداة سياسية يمكن توظيفها في خفض التوترات، مع تأكيد الحية أن الحركة لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول وأن علاقاتها السياسية تقوم، بحسب قوله، على التوازن وتوسيع العلاقات بما يخدم القضية الفلسطينية.
وذكر الحية سورية ولبنان والأردن واليمن ودول الخليج والعراق ضمن الدائرة التي تعني الحركة، داعياً دول المنطقة وشعوبها إلى تجاوز الخلافات والعمل على المصالح المشتركة.
وفي هذا السياق، تأتي الوساطة المقترحة كجزء من محاولة ربط القضية الفلسطينية بمشهد إقليمي أوسع، لا سيما مع حديثه عن تأثير الحروب وتعطيل إمدادات الطاقة على استقرار المنطقة.
إعادة تعريف موقع حماس في المرحلة المقبلة
يمكن قراءة المقابلة باعتبارها محاولة من قيادة حماس لتقديم تصور متعدد المسارات للمرحلة المقبلة: وقف العدوان وتثبيت الاتفاق في غزة، الضغط من أجل الانتقال إلى المرحلة الثانية، إعادة ترتيب البيت الفلسطيني، المشاركة في الانتخابات، والانفتاح على قنوات اتصال إقليمية ودولية.
وفي الوقت نفسه، حافظ الحية على ثوابت الخطاب السياسي للحركة، وفي مقدمتها رفض التهجير والتمسك بحقوق الفلسطينيين، مع تقديم الوحدة الوطنية بوصفها ضرورة سياسية لمواجهة المرحلة المقبلة.
وتكشف المقابلة، في مجملها، عن معادلة تضعها حماس بين مسارين متلازمين: مسار فلسطيني داخلي يقوم على إعادة بناء المؤسسات وتحقيق التوافق، ومسار خارجي يركز على وقف الحرب والضغط على إسرائيل وضمان تنفيذ الاتفاقات.
لكن تحويل هذه الطروحات إلى واقع سيبقى مرتبطاً بعدة اختبارات عملية، أبرزها قدرة الفصائل الفلسطينية على إنتاج توافق سياسي قابل للتنفيذ، وإمكانية إجراء الانتخابات في بيئة آمنة وموحدة، ومدى قدرة الوسطاء والولايات المتحدة على ضمان تنفيذ التفاهمات، فضلاً عن مستقبل الوضع في غزة والضفة والقدس.
وبذلك، لا تقدم مقابلة الحية مجرد مواقف من التطورات الجارية، بل تطرح تصوراً لموقع حماس في المرحلة المقبلة: طرفاً في المفاوضات، وقوة سياسية تسعى إلى التأثير في الانتخابات وإعادة بناء النظام الفلسطيني، وفاعلاً إقليمياً يريد توسيع شبكة علاقاته، مع إبقاء القضية الفلسطينية ووحدة ساحاتها في مركز هذا التصور.

