
لندن – المركز الفلسطيني للإعلام
في سبسطية، شمال غربي نابلس، لا يواجه الفلسطينيون خطر خسارة موقع أثري فحسب، بل احتمال اقتلاعهم من أراضٍ تتداخل فيها مصادر رزقهم مع ذاكرتهم العائلية.
فخلف العنوان الإسرائيلي المعلن عن “حماية الآثار وتطويرها”، تمتد أوامر المصادرة إلى بساتين الزيتون والأراضي المحيطة بالبلدة، في مسار يكشف تحقيق لصحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية ارتباطه بتوسيع السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية وتمهيد الطريق لضمها.
ويضع التقرير المبررات الإسرائيلية في مواجهة شهادات علماء آثار وباحثين وسكان، يرون أن ما يجري يتجاوز متطلبات الترميم والحفاظ على المواقع التاريخية، إلى استخدام التراث لإعادة تشكيل العلاقة بين الأرض وأصحابها، وتقديم رواية انتقائية للمكان تمنح الاحتلال غطاءً للاستيلاء عليه.
وتبرز سبسطية نموذجا لهذا المسار، بعدما أصدرت سلطات الاحتلال، في وقت سابق من العام الجاري، أمرا بمصادرة أكثر من ألفي دونم من الأراضي المحيطة بها، بذريعة تطوير الموقع الأثري على قمة التلة، وبحسب التقرير، تُعدّ الخطوة أكبر عملية استيلاء على أراضٍ مرتبطة بالآثار منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967.
المصادرة أوسع من الموقع الأثري
ورغم أن المحكمة العليا الصهيونية جمّدت القرار إثر طعن قدمه السكان، فإن خطر فقدان الأراضي لا يزال حاضرا، في ظل تمسك السلطات بمبررات التطوير والحماية.
ويعترض السكان ومختصون على امتداد المصادرة خارج حدود الآثار، معتبرين أن اتساع المساحة المستهدفة يكشف الفجوة بين الغرض المعلن والنتائج الفعلية على الأرض.
ونقلت الصحيفة عن رئيس منظمة “إيميك شافيه” الإسرائيلية المعنية بحماية التراث، ألون أراد، رفضه القرار من النواحي القانونية والمهنية والأخلاقية.
ويرى “أراد” أن هذه المصادرة تكشف بوضوح تحويل علم الآثار والتراث إلى أداة في برنامج للضم، عوضا عن التعامل مع المواقع بوصفها ممتلكات تاريخية مشتركة ينبغي الحفاظ عليها.
وتتضح تداعيات القرار في الأرقام التي أوردها رئيس بلدية سبسطية، محمد عازم، فالأراضي المستهدفة، مضافا إليها ما استُولي عليه سابقا، تشكل نحو 55% من أراضي البلدة، وتطال ممتلكات قرابة 560 عائلة، وتضم أكثر من ستة آلاف شجرة زيتون يعتمد عليها السكان في تأمين دخلهم، وبذلك، يمتد أثر المشروع المعلن لحماية موقع تاريخي إلى أراضٍ منتجة وممتلكات عائلية واسعة.
ويربط “عازم” استهداف سبسطية بموقعها الاستراتيجي بين نابلس وجنين وطولكرم، معتبرا أن السيطرة عليها تندرج ضمن مساعي الاحتلال إلى تمزيق أوصال الضفة وفرض مزيد من الوقائع على أرضها.
أيّ تاريخ يريد الاحتلال حمايته؟
ويطرح التحقيق سؤالًا آخر يتجاوز مساحة الأراضي المصادرة إلى طبيعة التاريخ الذي تختار سلطات الاحتلال إبرازه، فالموقع المرتبط بمدينة السامرة القديمة يضم آثارا تعود إلى الحضارات الهيلينية والرومانية والبيزنطية والإسلامية، بما يجعله شاهدا على تعاقب حضارات وثقافات، لا على مرحلة واحدة يمكن فصلها عمّا سبقها أو تلاها.
غير أن علماء الآثار الذين تحدثوا للصحيفة يتهمون السلطات بالتركيز على الصلات اليهودية بالمواقع، وتهميش التاريخ المتعدد الذي تحمله.
ويحذّر “أراد” من أن انتقاء مواقع بعينها والاستثمار المكثف فيها يخلق انطباعا بأن المنطقة يهودية حصرا، بينما تختفي من المشهد روايات وآثار أخرى.
ومن هذه الزاوية، يصبح الخلاف متعلقا بكيفية تقديم الماضي واستخدامه في الحاضر، فاختزال الموقع في طبقة تاريخية واحدة، وفق الانتقادات الواردة في التقرير، يتيح توظيف العمل الأثري لتبرير السيطرة السياسية، وإضعاف حضور الفلسطينيين في رواية المكان رغم حياتهم المتواصلة حوله وارتباطهم بأرضه.
كذلك، يرفض المختصون اتهام الإدارة المدنية الإسرائيلية السلطة الفلسطينية بإهمال سبسطية، مشيرين إلى أن معظم أجزاء الموقع تخضع أصلا للسيطرة الإسرائيلية، وهو ما يضع ادعاء الحاجة إلى المصادرة من أجل إنقاذ الآثار أمام سؤال المسؤولية عن أوضاع الموقع في ظل السيطرة القائمة عليه.
من قرارات متفرقة إلى سياسة أوسع
ولا يعرض التقرير ما يجري في سبسطية بوصفه حالة معزولة، إذ يشير إلى أن سلطات الاحتلال بدأت مصادرة الأراضي لأغراض أثرية خلال ثمانينيات القرن الماضي، لكن محللين يرون أن حكومة بنيامين نتنياهو نقلت استخدام هذا الملف في ترسيخ السيطرة على الضفة إلى مستوى غير مسبوق.
ومنذ تولي الحكومة مهامها عام 2022، شملت إجراءات الاستيلاء أراضي في محيط مواقع أخرى، بينها هيروديون وقرية النبي صموئيل الفلسطينية، ضمن سياسة متكاملة للسيطرة على الأراضي.
وبالتوازي، منحت الحكومة بصورة أحادية وحدة الآثار التابعة للإدارة المدنية صلاحيات للعمل في مناطق تخضع اسميا لإدارة السلطة الفلسطينية، وخصصت، وفق التقرير، 113 مليون شيكل لتطوير 70 موقعا أثريا في الضفة.
ويكتسب توسيع الصلاحيات أهمية تتجاوز التمويل، إذ يوسّع نطاق التدخل الإسرائيلي تحت عنوان إدارة الآثار، وفي هذا السياق، قال “يوناتان مزراحي”، الذي يتابع التوسع الاستيطاني لدى منظمة “السلام الآن”، إن علم الآثار أصبح في ظل الحكومة الحالية أداة رئيسية لضم الضفة الغربية.
خسارة الأرض أبعد من خسارة الدخل
وخلف الأوامر والميزانيات، يروي التحقيق علاقة شخصية بالأرض من خلال زيد الأزهري، الباحث في التراث وعضو المجلس المحلي، الذي تتوارث عائلته بساتين الزيتون المحيطة بسبسطية منذ أجيال، وقد ساعده دخلها على الالتحاق بالجامعة، فيما ارتبطت طرقها وأشجارها بمحطات من حياته.
ويصف الأزهري تهديد فقدان الأرض بألم يشبه خسارة أحد أفراد العائلة، فالمصادرة، بالنسبة إليه، لا تنتزع موردا اقتصاديا فقط، بل تمسّ الانتماء إلى المكان والعلاقة التي نسجتها الأجيال معه.
وتمنح هذه الشهادة معنى ملموسا للأرقام، فخلف كل مساحة مستهدفة عائلات بنت جزء من حياتها على زراعة الأرض والبقاء قربها، ولذلك، يتداخل الخوف من ضياع الدخل مع القلق على مستقبل البلدة وأبنائها، خصوصا حين تترافق المصادرة مع قيود تعطل الوصول إلى الحقول.
ويأتي ذلك في وقت تعاني فيه سبسطية انهيارا اقتصاديا منذ اندلاع الحرب على غزة عام 2023، مع تراجع الحركة السياحية واعتداءات المستوطنين التي حالت دون وصول كثير من السكان إلى أراضيهم. وبحسب التقرير، أصبح عدد كبير من الأهالي عاجزا عن تسديد فواتير البلدية.
ورصدت الصحيفة موقف سيارات خاليا من الزوار قرب الموقع الأثري، وإغلاق متجر للهدايا ومعظم المقاهي، فيما لم يستقبل أصحاب المقاهي المفتوحة أي سائح طوال اليوم.
واستعاد صاحب مقهى، نايف عقل، سنوات كان المكان يعجّ خلالها بالزوار، مقابل واقع بات فيه يتمنى وصول زبون واحد.
وفي مواجهة خطط الاستيلاء، أشار التقرير إلى إدراج اليونسكو سبسطية على قائمة التراث العالمي وقائمة التراث العالمي المعرض للخطر، بعد مطالبات فلسطينية استمرت سنوات، لكن الاعتراف بقيمة الموقع لا يبدد وحده مخاوف السكان على أراضيهم ومواردهم.
وهنا تتكثف المفارقة التي يكشفها التحقيق، تُرفع لافتة حماية التراث، بينما يواجه المجتمع الذي يعيش حوله خطر فقدان أرضه ومصادر بقائه، أما الأزهري، فيرى أن السيطرة الإسرائيلية على المياه والكهرباء والطرق والحدود، وصولًا إلى البساتين، تجعل الحديث عن الضم بوصفه مشروعا مستقبليا متأخرا إلى واقع يعيشه الفلسطينيون بالفعل.

