في خيام غزة.. أمهات يبتكرن حلولًا بسيطة لمواجهة صيف لا يرحم

خيام النازحين

المركز الفلسطيني للإعلام

في خيمةٍ لا تقي من لهيب الشمس، تبدأ معاناة الأمهات في غزة مع ساعات النهار الأولى؛ حرارة تتسلل إلى أقمشة المأوى، وهواء ثقيل يرهق الأطفال، وذباب وحشرات تزيد من صعوبة البقاء في مكان يفترض أن يوفر الحد الأدنى من الحماية.

ومع اشتداد الصيف، تتحول الخيمة إلى مساحة خانقة، فتبدأ الأمهات رحلة البحث عن حلول بسيطة من المتاح، لا لتوفير الراحة، وإنما لتأمين لحظات يستطيع فيها أطفالهن النوم أو الجلوس بعيدًا عن أشعة الشمس والحرارة.

ساعات طويلة داخل خيمة ساخنة

بالنسبة إلى الأمهات، تبدو ساعات النهار طويلة داخل الخيام، خصوصًا عندما ترتفع درجات الحرارة وتصبح حركة الهواء محدودة.

وفي ظل غياب أجهزة التبريد ووسائل العزل المناسبة، تضطر العائلات إلى استخدام ما يتوفر لديها من عصي وأغطية وقطع بلاستيكية، إلى جانب فتح جوانب الخيام وصناعة ظلال إضافية حولها.

وتقول إيمان زعرب إن ارتفاع الحرارة يجعل البقاء داخل الخيمة خلال ساعات النهار أمرًا صعبًا، ما يدفعها وغيرها من النازحين إلى تغيير طريقة استخدام المأوى بما يسمح بمرور الهواء ويخفف تعرض الخيمة المباشر للشمس.

وتوضح زعرب، لمراسلنا، أن النازحين لا يملكون أجهزة تبريد أو وسائل عزل مناسبة، لذلك يلجؤون إلى الإمكانات البسيطة المتاحة، مثل العصي والأغطية وفتح جوانب الخيام وصناعة ظلال إضافية حولها.

وتضيف أن هذه الوسائل لا توقف الحرارة، لكنها تمنح العائلات بعض الحركة للهواء، وتخفف انتقال أشعة الشمس بصورة مباشرة إلى أماكن الجلوس والنوم.

شادر مرفوع.. وفراغ يصنعه النازحون

من الطرق التي تعتمدها العائلات رفع الشادر الخارجي فوق سقف الخيمة بواسطة عصا، بدلًا من تركه ملاصقًا للقماش الداخلي.

ويترك هذا الترتيب فراغًا بين الغطائين، يسمح بحركة الهواء ويخفف من انتقال حرارة الشادر الساخن مباشرة إلى داخل الخيمة، خصوصًا عندما تبقى بعض الجوانب مفتوحة.

لكن هذه الطريقة لا تخلو من الصعوبات؛ فهي تعتمد على الأدوات المتوفرة، وعلى قدرة الأسرة على تثبيت الشادر بشكل جيد، كما تتأثر باتجاه الرياح وقوتها.

الماء.. محاولة لتبريد مأوى لا يحتمل الحرارة

وتلجأ بعض العائلات إلى رش المياه على الشادر الخارجي في محاولة لتخفيف حرارته، وهي وسيلة بسيطة لكنها ليست سهلة في ظل شح المياه، وندرتها.

وتتحول كل كمية من الماء إلى مورد ثمين، إذ تحتاج العائلات إليه للشرب والطهي والنظافة، ومع ذلك تحاول بعض الأمهات استخدام جزء منه لتقليل حرارة الخيمة ولو لفترة محدودة.

وتظهر هذه المحاولات في تفاصيل يومية مثل ما تقوم به ياسمين، التي ترش الماء على شادر ساخن بحثًا عن بعض الانخفاض في الحرارة، في مشهد يلخص حجم ما تضطر إليه العائلات من حلول بدائية لمواجهة ظروف قاسية.

فتح الخيمة بين الحاجة إلى الهواء والخوف من الحشرات

ولا تتوقف محاولات التخفيف من الحرارة عند سقف الخيمة، إذ تفتح العائلات بعض الجوانب للسماح بدخول الهواء.

لكن هذا الحل يحمل مشكلة أخرى، إذ قد يسمح بدخول الذباب والحشرات والغبار، لتجد الأمهات أنفسهن أمام خيارين صعبين: إغلاق الخيمة فيزداد الحر، أو فتحها فيدخل الهواء ومعه الحشرات.

وتحاول لينا الاحتماء بما يتوفر من ظل وحركة للهواء، في وقت تصبح فيه أبسط المساحات البعيدة عن أشعة الشمس ملاذًا مؤقتًا للأطفال.

صينية بلاستيكية تتحول إلى وسيلة للتهوية

وفي واحدة من أكثر صور التكيف مع الواقع قسوة، تتحول الأدوات المنزلية البسيطة إلى وسائل بديلة لمواجهة الحرارة.

فالصينية البلاستيكية، التي يفترض أن تكون أداة للاستخدام اليومي، تصبح في يد إحدى الأمهات وسيلة لتحريك الهواء وطرد الذباب عن طفلتها الرضيعة، في محاولة لمنحها بعض الهدوء والنوم.

هذه التفاصيل الصغيرة تختصر جانبًا من حياة النازحين؛ إذ لم تعد الأدوات تُستخدم وفق وظيفتها الأصلية، بل وفق الحاجة الأكثر إلحاحًا في اللحظة.

حلول للبقاء لا للراحة

بالنسبة إلى الأمهات، لا تمثل هذه الوسائل محاولة للحصول على رفاهية أو صيف أكثر برودة، وإنما بحثًا عن الحد الأدنى الذي يسمح للأطفال بالنوم والجلوس بعيدًا عن الحر والحشرات.

رش الماء، رفع الشادر، فتح أطراف الخيمة، صناعة ظل إضافي، وتحريك الهواء بوسائل بدائية، كلها تفاصيل أصبحت جزءًا من يوميات النزوح.

لكن هذه الحلول تبقى مؤقتة؛ فرش الماء على الشادر يحتاج إلى مصدر مياه، ورفع الغطاء يحتاج إلى أدوات تثبيت، وفتح الخيمة قد يسمح بدخول الحشرات والغبار، فيما لا تستطيع هذه الإجراءات معالجة مشكلة مأوى صُمم أساسًا للإقامة المؤقتة بينما امتد النزوح لأشهر وسنوات.

عندما يصبح الظل أمنية

في غزة، لا تبحث الأمهات عن صيف بارد، ولا عن خيمة مريحة؛ كل ما يردنه هو ظل لا تحرقه الشمس، وهواء يتحرك داخل مأوى خانق، وطفل يستطيع أن ينام دون أن يوقظه الحر أو الذباب.

وبين قطرات الماء التي ترشها ياسمين على شادر ساخن، ومحاولات لينا الاحتماء بما تبقى من هواء وظل، وصينية أمٍّ تتحول إلى وسيلة لتحريك الهواء لطفلة رضيعة، تواصل العائلات يومها في مواجهة صيف قاسٍ.

أما أمنة زعرب، فتلخص المشهد بما تفعله الأسر يوميًا: حلول بسيطة من أدوات محدودة، في محاولة لجعل الخيمة أقل قسوة على الأطفال.

هي ليست حلولًا للحرارة، بقدر ما هي حلول للبقاء؛ محاولات صغيرة تصنعها الأمهات بأيديهن، في انتظار مأوى يحميهن من الشمس بدلًا من أن يتحول إلى مصدر آخر للمعاناة.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest