في غزة.. حتى الهاتف صار رفاهية: اقتصاد رقمي بلا أجهزة ولا بنية تحتية

المركز الفلسطيني للإعلام

في قطاع غزة، لم تعد الحرب الاقتصادية تُقاس فقط بنقص الغذاء وارتفاع أسعار السلع الأساسية، بل امتدت إلى أدوات أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية؛ هاتف محمول للتواصل، وحاسوب للدراسة، وجهاز إلكتروني لإجراء المعاملات المالية.

وبينما يتجه العالم نحو الاقتصاد الرقمي والدفع الإلكتروني والخدمات الإلكترونية، يجد الغزيون أنفسهم أمام أزمة مختلفة: أجهزة مفقودة أو متضررة، أسعار مرتفعة، نقص في قطع الغيار، وصعوبة في إدخال الإلكترونيات، إلى جانب بنية تحتية منهكة من انقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت.

“أريد حاسوبًا لأدرس”

يقول الطالب الجامعي محمد مهنا، الذي يدرس الهندسة المدنية: منذ عامين وأنا أحاول توفير جهاز حاسوب حتى أتمكن من متابعة دراستي، لكن الأسعار مرتفعة، والأجهزة المتوفرة إما قديمة أو تحتاج إلى صيانة.

ويضيف في تصريح لمراسلنا: “في السابق كان الحاسوب شيئًا أساسيًا للطالب، لكنه كان متاحًا ويمكن شراؤه أو استعارته بسهولة. الآن أصبح الحصول عليه مشكلة بحد ذاتها”.

ويشير مهنا إلى أنه يضطر في بعض الأحيان إلى استخدام هاتفه لإنجاز مهام كان يحتاج فيها إلى حاسوب، قائلًا: “هناك ملفات وبرامج وأبحاث لا يمكن التعامل معها بسهولة من الهاتف”.

هاتف قديم لكل شيء

ولا تختلف الصورة كثيرًا بالنسبة للهواتف المحمولة، يقول المواطن محمود أبو مهادي “هاتفي قديم، والبطارية لا تدوم طويلًا، والشاشة مكسورة، لكنني لا أستطيع شراء هاتف جديد بسبب ارتفاع الأسعار”.

ويضيف لمراسلنا أن الهاتف لم يعد مجرد وسيلة للاتصال: “أستخدمه للتواصل مع عائلتي، ومتابعة الأخبار، وتحويل الأموال والدفع عندما تتوفر الخدمة. لذلك عندما يتعطل الهاتف تصبح أمور كثيرة في حياتي متوقفة”.

الدفع الإلكتروني يحتاج إلى هاتف أولًا

ومع توسع الاعتماد على الخدمات المالية الإلكترونية، أصبح الهاتف الذكي جزءًا من الأدوات الأساسية لإدارة الحياة اليومية.

يقول بلال سعدة، وهو موظف في مول تجاري:”أحيانًا أحتاج إلى تحويل مبلغ أو تسديد دفعة إلكترونيًا، لكن المشكلة تبدأ عندما لا يكون لديك جهاز مناسب أو إنترنت مستقر”.

ويضيف لمراسلنا: “الخدمة قد تكون موجودة، لكن كيف ستستخدمها إذا كان الهاتف لا يعمل أو البطارية فارغة أو الإنترنت مقطوعًا؟”.

“نصلح بدل أن نشتري”

في سوق إصلاح الأجهزة، تبدو الأزمة أكثر وضوحًا، يقول فني صيانة الهواتف والحواسيب عبد الله جمعة “الناس لم تعد تسأل كثيرًا عن شراء جهاز جديد، معظم الزبائن يسألون: هل يمكن إصلاح الجهاز الموجود؟”.

ويشير لمراسلنا ارتفاع أسعار قطع الغيار وصعوبة الحصول عليها، موضحًا أن بعض القطع يجري الحصول عليها من أجهزة قديمة أو متضررة وإعادة استخدامها.

ويقول: “أحيانًا نحتاج إلى قطعة بسيطة، لكن عدم توفرها يجعل إصلاح الجهاز صعبًا أو مكلفًا”.

“اقتصاد الركام” يصل إلى الإلكترونيات

ويصف الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر ما يجري بأنه جزء من “إبادة اقتصادية” يعيشها قطاع غزة بالتوازي مع الحرب العسكرية.

ويقول أبو قمر لمراسلنا إن القيود المفروضة على إدخال السلع، بما فيها الإلكترونيات والأجهزة الحديثة، تؤثر مباشرة في قدرة السكان على الوصول إلى أدوات الاقتصاد الرقمي.

ويوضح أن نجاح الاقتصاد الرقمي يحتاج أولًا إلى الوسيلة التي تسمح للمواطن باستخدامه، سواء كان هاتفًا محمولًا أو حاسوبًا محمولًا، مشيرًا إلى أن غياب هذه الأدوات يجعل الحديث عن اقتصاد رقمي متكامل أمرًا بالغ الصعوبة.

ويضيف أن الأزمة دفعت إلى ظهور ما يمكن وصفه بـ”اقتصاد الركام”، من خلال استخراج قطع إلكترونية من الأجهزة الموجودة تحت الركام أو الأجهزة المتضررة، ثم إعادة استخدامها وإصلاح أجهزة أخرى.

الشمول المالي أمام اختبار غزة

ويرى أبو قمر أن التحول نحو الدفع الإلكتروني لا يمكن أن ينجح دون توفير الوسائل التقنية والبنية التحتية اللازمة، مشددًا على أن خطط الشمول المالي تحتاج إلى أجهزة واتصالات وإنترنت وكهرباء.

ويقول إن ارتفاع أسعار الأجهزة وقطع الغيار يزيد من صعوبة الوصول إلى الخدمات الرقمية، في وقت أصبحت فيه هذه الخدمات جزءًا أساسيًا من النشاط الاقتصادي اليومي.

ويضيف أن تحسين البنية التحتية، خصوصًا الكهرباء والإنترنت، يمثل شرطًا أساسيًا لإنجاح أي تحول نحو الاقتصاد الرقمي في القطاع.

الطالب والتاجر والمواطن.. أزمة واحدة

بين طالب يبحث عن حاسوب لمواصلة دراسته، ومواطن يحاول الحفاظ على هاتفه القديم، وتاجر يحتاج إلى جهاز واتصال بالإنترنت لإتمام معاملاته، تتضح صورة أوسع للأزمة.

في غزة، لم يعد امتلاك هاتف ذكي أو حاسوب محمول أمرًا مرتبطًا بالرفاهية أو التطور التقني، بل أصبح مرتبطًا بالتعليم والعمل والتواصل والوصول إلى الخدمات المالية.

وبينما تتسارع دول العالم في التحول نحو الاقتصاد الرقمي، يواجه سكان القطاع سؤالًا أكثر بدائية: هل نملك أصلًا الجهاز الذي يسمح لنا بالدخول إلى هذا الاقتصاد؟

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest