
خاص المركز الفلسطيني للإعلام
لم يبدأ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 من فراغ، ولم تكن فلسطين قبل ذلك التاريخ تعيش واقعًا مستقرًا انقلب فجأة إلى حرب.
فعلى مدى أكثر من قرن، تراكمت فوق الأرض الفلسطينية طبقات متتالية من الاقتلاع والتهجير والاحتلال والاستيطان ومصادرة الأرض والحصار، فيما بقيت الأسئلة الأساسية للقضية الفلسطينية، وفي مقدمتها الأرض والقدس واللاجئون والحدود والسيادة، معلقة من دون حل.
ومن منظور فلسطيني، لم يكن “طوفان الأقصى” حدثًا منفصلًا عن هذا السياق الطويل، بل جاء بعد عقود من انسداد الأفق السياسي، وتراجع فرص إقامة دولة فلسطينية، واتساع المشروع الاستيطاني، وتصاعد الاعتداءات على الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس، واستمرار الحصار على قطاع غزة.
فغزة لم تدخل السابع من أكتوبر وهي تقف على أرضٍ مستقرة، ولم تكن المواجهة وليدة صباح واحد.
كانت المدينة المحاصرة قد أمضت سنوات طويلة تحت حصار خانق، وحروب متكررة، وقصف متواصل، وفقدان للأرواح والمنازل ومقومات الحياة، فيما كان الاحتلال يفرض على أكثر من مليوني فلسطيني واقعًا مغلقًا بلا أفق سياسي واضح.
وفي الضفة الغربية والقدس، كان الاستيطان والاقتحامات والاعتقالات والتهجير ومصادرة الأراضي تتسع، بينما يتراجع الأمل بإمكان الوصول إلى حل ينهي الاحتلال ويمنح الفلسطينيين حقوقهم.
لهذا، فإن اقتطاع السابع من أكتوبر من هذا السياق لا يفسّر الحدث بقدر ما يعيد إنتاج الرواية التي تختزل الفلسطيني في اللحظة الأخيرة من القصة، وتتجاهل ما راكمته العقود السابقة من ظلم واقتلاع وحصار.
أما غزة، فقد كانت تحمل في ذاكرتها سنوات من الحروب والحصار والدمار، قبل أن تتحول في 7 أكتوبر إلى ساحة مواجهة أعادت الصراع الفلسطيني إلى واجهة العالم، بعد سنوات من محاولات تهميشه وإبقائه خارج دائرة الاهتمام الدولي.
من وعد بلفور إلى النكبة.. بداية التحول الكبير
تعود جذور التحول الحديث في فلسطين إلى مرحلة الانتداب البريطاني، ولا سيما بعد صدور وعد بلفور عام 1917، الذي أيد إقامة “وطن قومي للشعب اليهودي” في فلسطين، في وقت كانت فيه البلاد مأهولة بغالبية عربية فلسطينية.
وخلال سنوات الانتداب، تصاعدت الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وتزايدت التوترات والصدامات حول الأرض والهجرة ومستقبل البلاد، وصولًا إلى قرار التقسيم عام 1947، ثم حرب 1948 التي انتهت بقيام دولة الاحتلال الإسرائيلي وتهجير مئات آلاف الفلسطينيين من مدنهم وقراهم.
وهكذا لم تكن النكبة بالنسبة إلى الفلسطينيين مجرد حدث عسكري انتهى بانتهاء الحرب، بل تحولت إلى واقع مستمر: لاجئون خارج وطنهم، قرى مدمرة، أراضٍ مصادرة، وعائلات مشتتة ما زالت قضية عودتها حاضرة حتى اليوم.
1967.. الاحتلال يوسع دائرة الصراع
بعد حرب عام 1967، احتلت إسرائيل الضفة الغربية بما فيها “القدس الشرقية” وقطاع غزة، لتدخل القضية الفلسطينية مرحلة جديدة اتسمت باستمرار السيطرة العسكرية الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية.
ومنذ ذلك الحين، لم يعد الصراع بالنسبة للفلسطينيين متعلقًا فقط بمأساة اللجوء التي خلقتها النكبة، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بحياة يومية تحت الاحتلال: حواجز عسكرية، اعتقالات، مصادرة أراضٍ، هدم منازل، توسع استيطاني، واقتحامات متكررة.
ومع مرور العقود، أصبح الاستيطان أحد أكثر الملفات تأثيرًا في شكل الصراع، إذ تمددت المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، فيما تآكلت المساحة المتاحة أمام الفلسطينيين لإقامة دولة مستقلة قابلة للحياة.
وفي رأي استشاري أصدرته محكمة العدل الدولية في يوليو/تموز 2024، خلصت المحكمة إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وأن السياسات والممارسات الإسرائيلية، بما فيها الاستيطان والضم، تعوق حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.
الانتفاضة الأولى.. الاحتلال ينفجر من داخله
في ديسمبر/كانون الأول 1987، اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الأولى في قطاع غزة والضفة الغربية، في واحدة من أبرز محطات المقاومة الشعبية الفلسطينية ضد الاحتلال.
خرج الفلسطينيون إلى الشوارع في مواجهة الاحتلال، وبرزت الإضرابات والمظاهرات والمقاطعة والعصيان المدني، فيما واجهت إسرائيل الانتفاضة بالقمع والاعتقالات والإجراءات العسكرية.
وفي تلك المرحلة، تأسست حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، التي أصبحت لاحقًا أحد أبرز الفاعلين في الساحة الفلسطينية.
ولم تكن الانتفاضة مجرد مواجهة أمنية؛ فقد أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي، وأكدت أن الاحتلال لم ينتج استقرارًا دائمًا، وأن بقاء القضية الفلسطينية بلا حل لا يعني اختفاءها.
أوسلو.. أمل الدولة الذي لم يكتمل
في تسعينيات القرن الماضي، انتقل الصراع إلى مسار سياسي جديد مع اتفاقيات أوسلو، التي دشنت مرحلة من المفاوضات بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، وأنشأت السلطة الفلسطينية في أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة.
لكن الاتفاقات لم تحسم الملفات الأساسية للصراع: القدس، واللاجئون، والمستوطنات، والحدود، والأمن، والسيادة.
وبينما انتظر الفلسطينيون أن تكون المرحلة الانتقالية طريقًا نحو إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة، استمر التوسع الاستيطاني، وظلت السيطرة الإسرائيلية قائمة على مساحات واسعة من الضفة الغربية، فيما بقيت القضايا الجوهرية مؤجلة.
وهكذا تحوّل الأمل الذي حملته أوسلو تدريجيًا إلى شعور متزايد لدى قطاعات فلسطينية بأن المسار السياسي لم ينجح في إنهاء الاحتلال، بل أعاد ترتيب طريقة إدارته.
الانتفاضة الثانية.. انهيار الثقة
مع فشل مفاوضات كامب ديفيد عام 2000، وتصاعد التوتر في القدس، اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية.
وكانت تلك المرحلة أكثر دموية من الانتفاضة الأولى، وشهدت عمليات عسكرية إسرائيلية واسعة في الضفة الغربية، إلى جانب هجمات فلسطينية داخل إسرائيل.
وأعادت الانتفاضة إنتاج دائرة العنف، بينما تراجعت الثقة بالمسار التفاوضي بصورة كبيرة.
ومنذ ذلك الوقت، أصبحت فكرة التسوية السياسية أكثر ضعفًا في الشارع الفلسطيني، في وقت واصلت فيه إسرائيل تعزيز قبضتها الأمنية والعسكرية في الأراضي المحتلة.
2005.. الانسحاب من داخل غزة لا ينهي الصراع
في عام 2005، نفذت إسرائيل خطة فك الارتباط وانسحبت من المستوطنات داخل قطاع غزة، لكنها أبقت سيطرتها على مجالات أساسية مرتبطة بالقطاع، فيما ظل القطاع محاصرًا من البر والبحر والجو بدرجات مختلفة.
وبعد فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006، ثم سيطرتها على قطاع غزة عام 2007، دخل القطاع مرحلة جديدة من الانقسام والحصار.
ومنذ ذلك الوقت، أصبح أكثر من مليوني فلسطيني في غزة يعيشون في مساحة جغرافية صغيرة تحت حصار طويل، مع قيود واسعة على حركة الأشخاص والبضائع، وتدهور متواصل في قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والاقتصاد.
غزة.. من الحصار إلى الحروب المتكررة
بين عامي 2008 و2023، شهد قطاع غزة جولات عسكرية متكررة، كان أبرزها حروب 2008-2009، و2012، و2014، ثم جولات التصعيد اللاحقة.
وفي كل مرة كانت الحرب تنتهي باتفاق تهدئة مؤقت، فيما تبقى الأسباب الأعمق للصراع دون معالجة.
كان الفلسطيني في غزة يخرج من الحرب إلى الحصار، ومن الحصار إلى حرب جديدة، فيما تتراكم آثار الدمار والفقر والبطالة وتدهور البنية التحتية.
وبذلك لم تعد غزة بالنسبة إلى الفلسطينيين مجرد جبهة عسكرية، بل تحولت إلى رمز لواقع سياسي وإنساني مغلق، يشعر فيه ملايين الفلسطينيين بأنهم محاصرون داخل مساحة محدودة، من دون أفق سياسي واضح.
2021.. القدس والأقصى يعودان إلى قلب المواجهة
في عام 2021، انفجرت المواجهة مجددًا من القدس، بعد التوترات المرتبطة بحي الشيخ جراح والاقتحامات الإسرائيلية للمسجد الأقصى.
وانتقلت المواجهة سريعًا إلى قطاع غزة، لتدخل إسرائيل وحماس في جولة عسكرية جديدة.
وأظهرت أحداث ذلك العام أن القدس والمسجد الأقصى لم يكونا ملفين منفصلين عن الصراع، بل بقيا في قلب الوعي الفلسطيني، وأن أي تغيير في الوضع القائم في القدس يمكن أن يشعل مواجهة واسعة تتجاوز حدود المدينة.
2022 و2023.. الضفة الغربية على صفيح ساخن
قبل السابع من أكتوبر، كانت الضفة الغربية تعيش واحدة من أكثر مراحل التصعيد منذ سنوات.
فقد تصاعدت الاقتحامات والاعتقالات والاغتيالات، بالتزامن مع ارتفاع اعتداءات المستوطنين ومصادرة الأراضي وتوسيع المستوطنات.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، شهد عام 2023 عددًا قياسيًا من حوادث عنف المستوطنين التي طالت الفلسطينيين وممتلكاتهم، مقارنة بما وثقته الأمم المتحدة منذ بدء تسجيل هذه البيانات عام 2006.
وفي القدس، ظل المسجد الأقصى في قلب التوتر، بينما تكررت الدعوات الإسرائيلية اليمينية لتغيير الواقع القائم في المسجد ومحيطه.
وفي الوقت نفسه، كانت حكومة إسرائيلية هي الأكثر يمينية في تاريخها تقريبًا تتولى السلطة، وتضم وزراء أعلنوا صراحة مواقف داعمة للاستيطان وتوسيع السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية.
حكومة يمينية.. والاستيطان يتقدم
لم يكن التصعيد قبيل أكتوبر 2023 أمنيًا فقط، بل كان سياسيًا أيضًا.
فالحكومة الإسرائيلية التي تشكلت نهاية 2022 ضمت شخصيات يمينية متطرفة تبنت مواقف أكثر تشددًا تجاه الفلسطينيين، ودعمت توسيع الاستيطان وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية.
وفي المقابل، تراجع الحديث عن تسوية سياسية حقيقية إلى هامش المشهد.
وبينما كانت القيادة الفلسطينية تتحدث عن انسداد سياسي وتآكل حل الدولتين، كان الواقع على الأرض يتحرك في الاتجاه المعاكس: مستوطنات تتوسع، وأراضٍ تصادر، واعتداءات تتزايد، ومدينة القدس تتعرض لمزيد من محاولات فرض الوقائع الجديدة.
وهكذا بدا أن الاحتلال لا يدير الأزمة فقط، بل يعيد إنتاجها بصورة أكثر عمقًا.
قبيل 7 أكتوبر.. تراكم بلا انفراج
في الأشهر التي سبقت السابع من أكتوبر، كان المشهد الفلسطيني يحمل مؤشرات متزايدة على الانفجار.
غزة تحت حصار طويل، والضفة الغربية تحت ضغط عسكري واستيطاني متصاعد، والقدس والأقصى في قلب التوتر، والأفق السياسي شبه غائب، فيما تواصلت الاعتقالات والاقتحامات والقتل والتهجير.
ولذلك فإن السؤال الذي طرح نفسه فلسطينيًا لم يكن فقط: لماذا وقع السابع من أكتوبر؟
بل كان أيضًا: كيف كان يمكن لهذا الواقع أن يستمر من دون أن ينتج انفجارًا جديدًا؟
هذه القراءة لا تلغي مسؤولية أي طرف عن أفعاله، لكنها تضع الحدث داخل سياقه بدل اقتطاعه من التاريخ.
7 أكتوبر.. نقطة تحول لا بداية القصة
في صباح السابع من أكتوبر 2023، نفذت كتائب القسام عملية عسكرية واسعة انطلقت من قطاع غزة، وتمكنت خلالها من اختراق السياج الفاصل ومهاجمة مواقع عسكرية وبلدات إسرائيلية.
وأدت الهجمات إلى مقتل إسرائيليين، بينهم مدنيون، وأسر عدد من الإسرائيليين، قبل أن تتحول المنطقة إلى حرب شاملة.
وفي اليوم نفسه، أعلنت إسرائيل حربًا واسعة على قطاع غزة، لتبدأ واحدة من أكثر المراحل دموية وتدميرًا في التاريخ الفلسطيني الحديث.
وبالنسبة إلى الفلسطينيين، شكّل السابع من أكتوبر لحظة كسر لمعادلة استمرت سنوات: حصار في غزة، وسيطرة عسكرية واستيطانية في الضفة، وتصعيد في القدس، وانسداد سياسي مزمن.
أما على المستوى الإقليمي والدولي، فقد كان الحدث نقطة تحول كبرى أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمي بعد سنوات من محاولات تهميشها وإدارة الصراع بدل حله.
ما الذي صنع الطريق إلى السابع من أكتوبر؟
لم يصنع حدث واحد الطريق إلى السابع من أكتوبر، فخلفه يقف تاريخ طويل بدأ بالنكبة، ثم الاحتلال عام 1967، والاستيطان، واستمرار قضية اللاجئين، وفشل اتفاقيات التسوية في إنهاء الاحتلال، والانتفاضتان، والانقسام الفلسطيني، والحصار على غزة، والحروب المتكررة، وتصاعد الاعتداءات في الضفة، والتوتر حول القدس والمسجد الأقصى.
وإذا كان السابع من أكتوبر قد غيّر شكل الصراع، فإن جذور الصراع لم تتغير: شعب فلسطيني يطالب بالحرية وتقرير المصير وإنهاء الاحتلال، ودولة إسرائيلية تواصل فرض وقائع عسكرية واستيطانية على الأرض.
فلسطين التي لم تختفِ
على امتداد أكثر من قرن، تغيرت الحكومات والحدود والاتفاقيات والجبهات، لكن القضية الفلسطينية بقيت حاضرة.
فاللاجئ لم يتخل عن حق العودة، والقدس بقيت في قلب الوعي الفلسطيني، والضفة الغربية ظلت تحت الاحتلال، وغزة بقيت محاصرة، والاستيطان واصل التمدد، فيما فشلت المسارات السياسية المتعاقبة في الوصول إلى حل ينهي الاحتلال ويضمن للفلسطينيين حقوقهم الوطنية.
لهذا، فإن فهم السابع من أكتوبر يبدأ قبل السابع من أكتوبر بوقت طويل، فهو ليس بداية الحكاية الفلسطينية، بل محطة مفصلية في تاريخ أطول من الصراع؛ تاريخٍ بدأت فصوله مع اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم، واستمر مع الاحتلال والاستيطان والحصار، وصولًا إلى لحظة انفجار أعادت القضية الفلسطينية إلى واجهة العالم.

