
المركز الفلسطيني للإعلام
لم يعد خطر المباني المتضررة في قطاع غزة يقتصر على مشهد الخراب الذي خلّفته الحرب، بل تحوّل إلى تهديد يومي يلاحق الفلسطينيين الذين اضطروا إلى الاحتماء داخل منشآت أصابها القصف وأضعف أساساتها، في ظل غياب البدائل السكنية واستمرار النقص الحاد في أماكن الإيواء.
وفي أحدث الوقائع، تمكنت طواقم الدفاع المدني الفلسطيني، السبت، من إنقاذ شاب بعد انهيار جزء من مبنى عليه في مدينة غزة، في حادث هو الثالث من نوعه خلال أربعة أيام، وفق ما أفاد به جهاز الدفاع المدني في القطاع.
وقال الدفاع المدني إن طواقمه في محافظة غزة تمكنت من إخراج الشاب من المكان، مشيراً إلى أنه كان بحالة جيدة عقب عملية الإنقاذ، فيما أعادت الحادثة إلى الواجهة المخاطر المتصاعدة التي يواجهها السكان جراء الإقامة في مبانٍ تضررت بفعل القصف خلال سنوات الحرب.
ثلاثة حوادث خلال أربعة أيام
ويأتي انهيار المبنى الأخير بعد حادثتين سبقتاه خلال أيام قليلة، في مؤشر على حجم المخاطر التي باتت تشكلها الأبنية المتضررة على حياة السكان.
ففي الأربعاء الماضي، انهارت “عمارة السعادة” في منطقة الصناعة غربي مدينة غزة، بعدما كانت تؤوي عائلات نازحة، ما أسفر عن استشهاد 21 فلسطينياً، بينهم 12 طفلاً و5 نساء، وإصابة 45 آخرين.
وبحسب جهاز الدفاع المدني، كان نحو 100 شخص، بينهم قرابة 50 طفلاً، يقيمون في المبنى قبل انهياره، في مشهد يعكس حجم الاكتظاظ الذي يعيشه النازحون واضطرارهم إلى السكن في أماكن تفتقر إلى شروط الأمان الأساسية.
ولم تكن تلك الحادثة معزولة؛ إذ شهد حي الصبرة جنوبي مدينة غزة، الجمعة، انهياراً جزئياً لمبنى سكني متضرر من القصف الإسرائيلي خلال الحرب، ما أدى إلى إصابة خمسة أطفال بجراح طفيفة، وفق ما أعلنه المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل.
وهكذا، جاءت حادثة السبت لتكون الثالثة خلال أربعة أيام، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من خطورة الأبنية التي أصابها القصف وأصبحت أجزاء واسعة منها غير صالحة للسكن، لكنها ما تزال مأهولة بسبب عدم توفر بدائل.
أساسات متصدعة.. وسكان بلا بديل
تكشف هذه الحوادث عن وجه آخر من تداعيات الحرب؛ فالأضرار التي لحقت بآلاف المباني لم تنتهِ بانتهاء القصف على تلك المنشآت، وإنما بقيت آثارها قائمة، مع تصدعات وانهيارات جزئية وأساسات ضعفت بفعل الضربات السابقة.
وكان مبنى “السعادة” مثالاً واضحاً على ذلك، إذ تعرضت أساساته لأضرار جراء قصف إسرائيلي سابق، قبل أن تظهر عليه علامات التصدع وهبوط أجزاء منه، فيما اضطرت الأسر النازحة إلى البقاء داخله رغم المخاطر، بسبب عدم وجود مساكن بديلة.
وفي قطاع يعيش أزمة سكن غير مسبوقة، لا يبدو خيار مغادرة المبنى المتضرر متاحاً لكثير من العائلات، خصوصاً مع تدمير مساحات واسعة من المساكن، وشح الخيام الملائمة، وعدم توفر مساكن مؤقتة كافية تستوعب أعداد النازحين.
وهنا يتحول المبنى المتضرر من مأوى مؤقت إلى خطر مؤجل؛ فالسقف الذي يحمي العائلة من المطر والشمس قد يصبح في أي لحظة كتلة من الإسمنت والحجارة فوق رؤوسها.
61 شهيداً جراء انهيارات المباني
وتشير بيانات وزارة الصحة في غزة إلى أن انهيار “عمارة السعادة” رفع إجمالي عدد الشهداء الذين قضوا جراء انهيارات المباني المتضررة من الحرب الإسرائيلية إلى 61 شهيداً.
ويعكس هذا الرقم جانباً من الخسائر التي لا ترتبط مباشرة بالقصف لحظة وقوعه، وإنما تستمر في حصد الأرواح بعد تضرر المنشآت وتحولها إلى أبنية مهددة بالانهيار.
فالخطر لا يتوقف عند المبنى الذي تعرض لضربة مباشرة، وإنما يمتد إلى الأبنية المحيطة والمنشآت التي أصيبت أجزاؤها الأساسية بأضرار قد لا تكون ظاهرة للسكان، قبل أن يؤدي ضعفها الإنشائي إلى انهيار مفاجئ.
وقف إطلاق النار لم ينهِ خطر المباني
ومنذ سريان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، انهارت عشرات المباني التي كانت قد تضررت جراء القصف الإسرائيلي على رؤوس سكانها، بحسب المادة المنشورة، في ظل استمرار أزمة الإيواء وعدم قدرة كثير من الأسر على الانتقال إلى أماكن أكثر أمناً.
وبذلك، فإن توقف القصف لا يعني بالضرورة توقف الأخطار المرتبطة بالدمار؛ فالمباني التي بقيت واقفة بعد الضربات العسكرية قد تكون مهددة بالسقوط في أي وقت، بينما يواصل السكان استخدامها نتيجة غياب الخيارات الأخرى.
وتزداد خطورة الوضع مع شح الخيام الملائمة، إلى جانب منع إدخال المنازل المؤقتة “الكرفانات” إلى القطاع، الأمر الذي يضيّق مساحة الخيارات أمام الأسر التي فقدت منازلها أو لم تعد قادرة على السكن فيها بأمان.
مطالب متكررة دون استجابة
وفي مواجهة هذه المخاطر، طالبت مؤسسات فلسطينية حكومية وجهات دولية وأممية مراراً بإدخال مستلزمات الإيواء إلى قطاع غزة، لتوفير بدائل للسكان ومنع اضطرارهم إلى البقاء داخل مبانٍ متضررة وآيلة للسقوط.
وتأتي هذه المطالب في وقت لا تقتصر فيه أزمة الإيواء على خطر انهيار المباني، بل تشمل كذلك الظروف القاسية التي يعيشها النازحون داخل الخيام، حيث سبق أن شهد القطاع خلال فصول الشتاء حالات غرق للخيام، إلى جانب تسجيل وفيات مرتبطة بالبرد.
وبين مبنى متصدع لا يؤمن سلامة سكانه، وخيمة لا توفر الحماية الكافية من الظروف الجوية، يجد آلاف الفلسطينيين أنفسهم أمام خيارات شديدة القسوة، فيما تبقى الحاجة إلى أماكن إيواء آمنة واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في القطاع.
خطر يتجدد كل يوم
الحادثة الأخيرة، وإن انتهت بإنقاذ الشاب وخروجه بحالة جيدة، لا تنهي الخطر الذي يهدد عشرات وربما مئات المباني المتضررة في غزة، ولا تبدد المخاوف من وقوع انهيارات جديدة.
فخلال أربعة أيام فقط، سجل القطاع ثلاث حوادث انهيار، كان أكثرها دموية انهيار “عمارة السعادة” الذي خلف 21 شهيداً وعشرات المصابين، فيما أصيب خمسة أطفال في حادث آخر، قبل أن ينتهي حادث السبت بإنقاذ شاب.
وفي ظل استمرار أزمة السكن، تصبح معالجة ملف المباني المتضررة مرتبطة بشكل مباشر بتوفير مأوى بديل وآمن للسكان، إلى جانب توفير الإمكانات اللازمة لتقييم الأبنية المتضررة وتأمين المناطق الخطرة.
أما استمرار بقاء العائلات داخل منشآت متضررة، فيعني أن خطر الحرب لا يزال قائماً فوق رؤوسها، حتى في الأماكن التي لا تشهد قصفاً مباشراً؛ إذ يمكن أن يتحول جدار متصدع أو سقف ضعيف أو أساس متضرر إلى مأساة جديدة في أي لحظة.

