مجزرة الأصالة.. مسلمون ومسيحيون تحت القصف: دم واحد ومصير واحد بغزة

مجزرة الأصالة.. مسلمون ومسيحيون تحت القصف: دم واحد ومصير واحد بغزة

المركز الفلسطيني للإعلام

لم يفرّق القصف الإسرائيلي الذي استهدف شقة سكنية في عمارة “الأصالة” غربي مدينة غزة بين مسلم ومسيحي؛ خمس أرواح ارتقت في المكان ذاته، بينها أم وابنتها من أبناء الطائفة المسيحية، وأم وابنتها مسلمتان، إلى جانب شاب فلسطيني، في مشهد أعاد إلى الواجهة صورة غزة التي يتقاسم فيها المسلمون والمسيحيون الألم والنزوح والقتل، كما يتقاسمون الأرض والتاريخ والمصير.

وفجر السبت، استشهدت ماري حافظ أبو داوود وابنتها ميساء أبو داوود، ضمن خمسة فلسطينيين، بينهم أربع نساء، إثر قصف إسرائيلي استهدف شقة سكنية مأهولة غربي مدينة غزة.

وفي الجهة الأخرى من المشهد، كانت الدكتورة ياسمين البوبو ووالدتها حلوم البوبو، إلى جانب الشهيد بلال خليل عودة، ضحايا للقصف ذاته، لتلتقي أسماء الضحايا في حصيلة واحدة، قبل أن تتوزع مراسم تشييعهم وفق الطقوس الدينية، فيما ظل وجع الفقد فلسطينيًا واحدًا.

أم وابنتها مسيحيتان.. وأم وابنتها مسلمتان

في عمارة “الأصالة”، لم يكن الدين هو الفارق الذي يحدد مصير الضحايا؛ فالأم المسيحية وابنتها كانتا داخل منزل فلسطيني، كما كانت الأم وابنتها المسلمتان، قبل أن يحول القصف الجميع إلى ضحايا لجريمة واحدة.

وفي هذا المشهد، بدت غزة كما هي في واقعها الاجتماعي: مجتمع فلسطيني تتجاور فيه العائلات المسيحية والمسلمة، وتتقاطع حياتها اليومية، وتتشارك في الأفراح والأحزان، كما تتقاسم اليوم آثار الحرب والنزوح والحصار.

ولم تتوقف وحدة المصير عند لحظة الاستهداف، إذ امتد المشهد إلى مراسم الوداع؛ ففي كنيسة القديس بورفيريوس للروم الأرثوذكس، شيّعت الطائفة المسيحية ماري وميساء أبو داوود، فيما شيّع أهالي غزة بقية الشهداء المسلمين، في جنازات مختلفة الطقوس، لكنها واحدة في الحزن والهوية والمأساة.

حنا: آلام المسيحيين جزء من آلام شعبنا

وفي أعقاب المجزرة، شدد رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس في القدس، المطران عطا الله حنا، على أن المسيحيين في غزة وفي فلسطين عمومًا مكوّن أصيل من الشعب الفلسطيني، مؤكدًا أن معاناتهم ليست منفصلة عن معاناة بقية أبناء الشعب.

وقال حنا، في حديث لوكالة “سند”، معزيًا بشهداء القصف الأخير: “إننا نعزي أسرهم وأسر كل الشهداء، ونقول إن المسيحيين في غزة، كما وفي كل فلسطين، هم مكون أساسي من مكونات هذا الشعب”، مؤكدًا أن “معاناتهم هي معاناة شعبنا، وآلامهم وأحزانهم هي آلام وأحزان شعبنا”.

وأشار إلى أن أبناء القطاع يعيشون معًا في السراء والضراء، قائلًا إن “هذا هو ألم الجميع وحزن الجميع”، مطالبًا بوقف الحرب والعدوان على قطاع غزة.

وتأتي تصريحات حنا في أعقاب استشهاد ماري وميساء أبو داوود، لتؤكد أن ما يطال المسيحيين في القطاع لا ينفصل عن المشهد العام الذي يعيشه الفلسطينيون في غزة منذ اندلاع الحرب.

مسيحيو غزة.. جزء من جرح القطاع

وخلال الحرب، لم يقتصر الثمن الذي دفعه المسيحيون في غزة على سقوط أفراد منهم، بل طال أيضًا دور العبادة والمؤسسات التعليمية والثقافية التابعة للكنائس.

وبحسب متابعات المركز الفلسطيني للإعلام، أسفرت الحرب عن استشهاد 30 فلسطينيًا مسيحيًا في قطاع غزة، وفق معطيات وبيانات صادرة عن التجمع الوطني للقبائل والعشائر والعائلات الفلسطينية.

كما أشارت إلى محو عائلات بأكملها من السجل المدني، ومن بينها عائلة “آل الصوري” التي قالت إن أفرادها قضوا جراء استهداف منزلهم.

ولم تسلم الكنائس من آثار الحرب؛ فقد تعرضت كنيسة القديس بورفيريوس، إحدى أقدم كنائس غزة، لقصف في أكتوبر/تشرين الأول 2023، عندما لجأ إليها نازحون فلسطينيون من المسلمين والمسيحيين بحثًا عن الأمان.

كما تعرضت كنيسة العائلة المقدسة، وهي الكنيسة الكاثوليكية الوحيدة في مدينة غزة، للقصف والأضرار، وطالت الاعتداءات عددًا من المؤسسات التعليمية والثقافية المرتبطة بالكنائس، من بينها مدرسة العائلة المقدسة ومدرسة راهبات الوردية والمركز الثقافي الأرثوذكسي.

كنائس تحولت إلى ملاجئ للجميع

ولعل المفارقة الأكثر دلالة أن بعض الأماكن التي تمثل الوجود المسيحي في غزة لم تكن ملاجئ للمسيحيين وحدهم؛ فقد فتحت أبوابها أمام عائلات مسلمة نزحت من مناطق القصف، كما لجأ مسيحيون إلى أماكن النزوح ذاتها التي لجأ إليها المسلمون.

وهكذا، امتزجت تجربة الطائفتين في الحرب: النزوح واحد، والخوف واحد، والبحث عن مأوى واحد، والانتظار أمام أبواب المستشفيات واحد، فيما لم تكن الصواريخ التي تستهدف المنازل تضع فاصلًا بين هوية دينية وأخرى.

وفي أعقاب استشهاد ماري وميساء، نعت كنيسة الروم الأرثوذكس الشهيدتين، مؤكدة أن دماءهما تعكس وحدة المصير والوجع الفلسطيني المشترك، ومشددة على تمسك أبناء الطائفة المسيحية بالبقاء إلى جانب إخوانهم المسلمين في غزة.

30 شهيدًا.. وثمن الحرب لا يتوقف عند الأرواح

وتشير المعطيات التي أوردتها تقارير إلى أن فاتورة الدم المسيحي في غزة بلغت 30 شهيدًا منذ بدء الحرب، فيما امتدت الخسائر إلى الممتلكات والمؤسسات والمقدسات.

وبذلك، لا تبدو مأساة مسيحيي غزة قصة منفصلة عن المأساة الفلسطينية الأوسع؛ فهم يعيشون في القطاع ذاته، ويتعرضون للقصف والنزوح والحصار إلى جانب بقية السكان.

ويقول المطران عطا الله حنا إن المسيحيين في غزة “مكون أساسي” من الشعب الفلسطيني، وإن آلامهم وأحزانهم هي آلام وأحزان الشعب كله، في تأكيد على وحدة التجربة الفلسطينية بين أبناء الطائفتين.

في غزة.. اختلاف الطقس ووحدة المصير

في مشهد مجزرة “الأصالة”، اختلفت طقوس التشييع، لكن لم يختلف الوجع، أم وابنتها وُوريتا الثرى وفق الطقوس المسيحية، وأم وابنتها وشاب فلسطيني شيّعهم المسلمون، لكن الشهداء الخمسة خرجوا جميعًا من منزل واحد استهدفه القصف، وحملوا جميعًا الاسم ذاته الذي يجمع أبناء غزة: فلسطينيون.

وفي مدينة أنهكتها الحرب، تتجاوز قصة هؤلاء الشهداء حدود المجزرة نفسها؛ فهي تروي، في لحظة واحدة، حكاية مجتمع فلسطيني يعيش فيه المسلم والمسيحي جنبًا إلى جنب، ويتقاسم الاثنان الأرض والذاكرة والخوف والمصير.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest