
المركز الفلسطيني للإعلام
بعد أشهر من إطلاقه بوصفه إطارًا دوليًا للإشراف على المرحلة الانتقالية في قطاع غزة، يواجه ما يسمى مجلس السلام أسئلة متزايدة بشأن حصيلة عمله وقدرته على تحقيق أهدافه المعلنة، في وقت تتواصل فيه الانتهاكات الإسرائيلية، ويستمر سقوط الشهداء، بينما لا تزال إعادة الإعمار تراوح مكانها.
ومع تصاعد الانتقادات الفلسطينية، حذرت حركة حماس من أن صمت المجلس وممثله نيكولاي ملادينوف إزاء جرائم الاحتلال وخرقه اتفاق وقف إطلاق النار، لا يقتصر على كونه موقفًا سياسيًا، بل يمهد، لاستمرار الانتهاكات في قطاع غزة.
وفي مراجعة لسجل المجلس، قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إن الهيئة فشلت، بعد ثمانية أشهر من بدء عملها، في تحقيق أهدافها المتعلقة بوقف الإبادة والجوع وتحسين الأوضاع الإنسانية، معتبرًا أن الفارق بين الوعود المعلنة والواقع الميداني يطرح تساؤلات جدية حول جدوى الدور الذي أنشئ المجلس لأدائه.
من تثبيت وقف إطلاق النار إلى استمرار الانتهاكات
وقال المتحدث باسم حركة حماس حازم قاسم إن صمت مجلس السلام وملادينوف عن جرائم الاحتلال وعدم تحميله مسؤولية خرق الاتفاق يجعلهما مسؤولين عما يجري في القطاع.
واعتبر قاسم أن استمرار هذا الموقف يجعل أيدي المجلس وممثله ملطخة بدماء أطفال ونساء غزة، محذرًا من أن التغاضي عن الانتهاكات يفتح الباب أمام استمرار التصعيد بدل تثبيت التهدئة وحماية المدنيين.
وكان ملادينوف قد قال في أواخر سبتمبر/أيلول إن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة صمد، وإن بصورة هشة، وهو ما رفضته حماس، مؤكدة أن هذا التوصيف لا يعكس الواقع الميداني، في ظل استشهاد أكثر من 1400 فلسطيني منذ بدء التهدئة، إلى جانب استمرار تدمير المنازل وإغلاق المعابر وتقييد دخول المساعدات.
وفي السابع من سبتمبر/أيلول، انتقدت الحركة تصريحات أخرى لملادينوف قال فيها إن غزة لا تزال بعيدة عن الإعمار، معتبرة أن ذلك يمثل تراجعًا عن خارطة الطريق التي جرى الاتفاق عليها مع الوسطاء والجانب الأميركي لإنهاء الحرب.
أرقام ثقيلة.. وواقع إنساني يتدهور
تكشف أرقام المرصد الأورومتوسطي حجم الفجوة بين الأهداف التي أعلن المجلس العمل على تحقيقها والواقع الذي يعيشه سكان القطاع؛ إذ ارتفع عدد الشهداء الفلسطينيين منذ بدء سريان وقف إطلاق النار من 477 في 22 يناير/كانون الثاني إلى 1402 حتى 23 سبتمبر/أيلول، بزيادة بلغت 925 شهيدًا.
وبالتوازي، بقيت الأزمة الإنسانية في مستويات خطيرة، إذ لم تتجاوز المساعدات الغذائية نصف الحد الأدنى للاحتياجات، فيما واجه ثلثا سكان القطاع جوعًا حادًا بمستوى الأزمة أو أسوأ.
أما القطاع الصحي، فلم يعد يعمل بصورة جزئية سوى 19 مستشفى من أصل 36، وسط نقص حاد في الأدوية والمعدات والوقود، بينما تعرض نحو 90% من بنية المياه والصرف الصحي للضرر أو الدمار، وواجهت 91% من الأسر انعدام الأمن المائي، ولم تحصل 70% منها سوى على نحو ستة لترات من المياه للفرد يوميًا.
وتأتي هذه الأوضاع في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية للعام الثالث، والتي خلفت، وفق المعطيات الواردة، 74 ألفًا و243 شهيدًا و175 ألفًا و232 مصابًا، فضلًا عن دمار واسع طال المنازل والمرافق الصحية والتعليمية والبنية التحتية.
إعادة إعمار بلا إعمار.. وخطة لم تجد طريقها إلى التنفيذ
كان مجلس السلام قد أُعلن تشكيله في يناير/كانون الثاني 2026، بمبادرة وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بهدف الإشراف على المرحلة الانتقالية في قطاع غزة، وتثبيت وقف إطلاق النار، وإدارة التعافي، وتنسيق المساعدات، وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار.
وطرح المجلس نفسه إطارًا دوليًا لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، يقوم على حشد التمويل وتنفيذ مشاريع البنية التحتية والخدمات الأساسية ودعم الاستقرار الأمني والاقتصادي، إلا أن هذه الأهداف اصطدمت باستمرار الحرب وتعثر تنفيذ الترتيبات على الأرض.
وأكد المرصد الأورومتوسطي أن إعادة إعمار غزة لم تبدأ، رغم تقدير احتياجات التعافي واستعادة الخدمات الأساسية بنحو 71.4 مليار دولار، بينما أعلن المجلس بعد ثمانية أشهر خطة بقيمة 2.45 مليار دولار تشمل 66 مشروعًا، من دون توفير التمويل اللازم لتنفيذها.
كما أثار المرصد مسألة تضارب المصالح المتعلقة بعضو المجلس جاريد كوشنر، مشيرًا إلى ارتباط شركاته باستثمارات بمليارات الدولارات في شركات لها صلات بالصناعات العسكرية الإسرائيلية.
بين الوعود والمساءلة.. ماذا أنجز المجلس؟
تضع هذه المعطيات مجلس السلام أمام اختبار يتجاوز إعلان الخطط إلى القدرة على تنفيذها وحماية المدنيين ووقف الانتهاكات وضمان وصول المساعدات وبدء إعادة إعمار القطاع.
وفي الوقت الذي تواصل فيه حماس انتقاد المجلس بسبب عدم تحميل إسرائيل مسؤولية خروقات الاتفاق، يرى المرصد الأورومتوسطي أن الحصيلة الإنسانية بعد أشهر من عمله لا تعكس نجاحًا في تحقيق الأهداف المعلنة.
وتعزز الانتقادات الأسئلة حول ما إذا كان المجلس قد تمكن بالفعل من الانتقال من مرحلة التخطيط والوعود إلى ممارسة تأثير فعلي على الأرض، خصوصًا في ظل استمرار القتل والجوع وتدهور الخدمات الأساسية وتعطل إعادة الإعمار.
كما يأتي ذلك بالتزامن مع انتقاد حماس لبيان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في ذكرى السابع من أكتوبر، معتبرة أنه تضمن روايات ومغالطات تخالف، بحسب الحركة، ما كشفته تحقيقات صحفية وتقارير حقوقية بشأن أحداث ذلك اليوم.
وبينما يفترض أن يكون مجلس السلام أحد الأطر الرئيسية لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، تبقى حصيلته حتى الآن محكومة بسؤال أساسي: هل تمكن من حماية وقف إطلاق النار وفتح الطريق أمام التعافي وإعادة الإعمار، أم أن استمرار القتل والجوع والدمار جعل منه شاهدًا على أزمة لم ينجح في وقفها؟

