مرح عوض.. حين يصبح التنكيل بصحفيي فلسطين مادة لتباهي جنود الاحتلال

مرح عوض.. حين يصبح التنكيل بصحفيي فلسطين مادة لتباهي جنود الاحتلال

لم تعد الانتهاكات الإسرائيلية بحق الصحفيين الفلسطينيين تقتصر على إطلاق النار والإصابة والاعتقال ومنع التغطية الصحفية، بل امتدت إلى مشاهد التنكيل والإذلال والتباهي باحتجاز الإعلاميين، في ممارسات تتواصل وسط غياب المساءلة الدولية، وتثير مخاوف متزايدة على سلامة الطواقم الصحفية وقدرتها على نقل حقيقة ما يجري في الأراضي الفلسطينية.

وفي أحدث هذه الانتهاكات، فجّر نشر صورة الصحفية الفلسطينية مرح محمد زعاقيق (عوض)، مكبلة اليدين ومعصوبة العينين بشريط لاصق، عقب اعتقالها من منزلها في بلدة بيت أمر شمالي الخليل، موجة غضب واستنكار واسعة في الأوساط الصحفية والحقوقية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، بعدما أقدم أحد جنود الاحتلال على نشر الصورة عبر حسابه الشخصي، في مشهد اعتبره ناشطون تباهياً بالتنكيل بالصحفيين وتحويل معاناتهم إلى مادة للاستعراض.

وتكتسب هذه الواقعة دلالتها في ضوء الأرقام المتصاعدة للانتهاكات بحق الإعلاميين؛ إذ وثقت لجنة الحريات التابعة لنقابة الصحفيين الفلسطينيين 50 انتهاكاً خلال أيلول/سبتمبر 2026، شملت 9 حالات اعتقال، و22 حالة احتجاز ومنع من العمل، و11 حالة عرض على المحاكم، إلى جانب حالتي مصادرة، وحالتي استدعاء وتحقيق، وحالتي تهديد بالسلاح، وإصابة دامية، وتحطيم معدات صحفية.

وفي تقرير منفصل، رصد المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية “مدى” 48 انتهاكاً للحريات الإعلامية في الضفة الغربية وقطاع غزة خلال الشهر ذاته، بينها 47 انتهاكاً إسرائيلياً، توزعت على 44 انتهاكاً في الضفة الغربية و3 في قطاع غزة، فيما سُجل انتهاك فلسطيني واحد، بما يعكس استمرار القيود المفروضة على العمل الإعلامي وعرقلة التغطية الميدانية.

وعلى مستوى قطاع غزة منذ بدء حرب الإبادة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وثّق مركز حماية لحقوق الإنسان، في تقرير صدر مطلع تشرين الأول/أكتوبر 2026، نحو 1120 انتهاكاً بحق الصحفيين والعاملين في المؤسسات الإعلامية ومقارها ومعداتها، بينها استشهاد 261 صحفياً وإعلامياً وإصابة 575 صحفياً، واعتقال 39 آخرين، فضلاً عن تدمير عشرات المقرات والمؤسسات الصحفية.

وتعود تفاصيل الحادثة إلى اقتحام قوات الاحتلال منزل الصحفية مرح عوض في بلدة بيت أمر، قبل اعتقالها واقتيادها مكبلة ومعصوبة العينين، فيما أظهرت الصورة المتداولة جندياً ملثماً ومسلحاً يمسك بقيودها خارج المنزل خلال ساعات الليل.

وأفاد مكتب إعلام الأسرى بأن أحد جنود الاحتلال نشر الصورة عبر حسابه الشخصي، في خطوة أثارت تساؤلات بشأن مدى استهتار الجنود الإسرائيليين بالقوانين والأعراف الدولية، ووصل الأمر إلى التباهي العلني بمشاهد اعتقال الفلسطينيين والتنكيل بهم.

وفي تطورات القضية، قررت محكمة الاحتلال تأجيل النظر في محاكمة عوض إلى الأربعاء الموافق 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، بينما لا تزال المعلومات المتعلقة بمكان احتجازها وظروف اعتقالها غير واضحة، وسط مخاوف بشأن سلامتها والضمانات القانونية المتاحة لها.

وتعمل عوض في توثيق اعتداءات قوات الاحتلال والمستوطنين في منطقة الخليل، الأمر الذي أعاد طرح المخاوف من توظيف تهم فضفاضة، من بينها التحريض، لملاحقة الصحفيين واحتجازهم، في مسعى لتقييد نشاطهم الإعلامي ومنعهم من نقل الانتهاكات الميدانية.

وأثارت الصورة موجة من التفاعلات الغاضبة بين الصحفيين والإعلاميين والنشطاء، الذين اعتبروا أن نشر جندي الاحتلال صورة امرأة فلسطينية مكبلة ومعصوبة العينين يمثل نموذجاً صارخاً للتعامل المهين مع الأسرى والمعتقلين، ويكشف حجم الاستهتار بالحقوق الإنسانية.

وعبّر الناشط حسين جاد عن غضبه من المشهد، معتبراً أن الاحتلال لا يستقوي إلا على النساء والعُزّل، مستحضراً صورة اعتقال مرح عوض إلى جانب مشاهد أخرى لنساء فلسطينيات تعرضن للتنكيل خلال اعتقالهن في مناطق مختلفة من محافظة الخليل، ومختتماً منشوره بالدعاء لهن بالفرج والخلاص.

من جانبه، ركز الناشط محمد إحدوش على خطورة تحويل الاعتقال إلى مادة للتباهي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، معتبراً أن نشر مثل هذه الصور يعكس حالة الإفلات من العقاب التي تشجع جنود الاحتلال على الاستعراض بانتهاكاتهم دون خشية من المحاسبة.

كما أعادت الناشطة ريمان الحجاج نشر صورة الصحفية عوض، مسلطة الضوء على التناقض بين التباهي بمشهد اعتقالها وبين الالتزامات القانونية والإنسانية التي يفترض أن تحكم التعامل مع المعتقلين، ولا سيما الصحفيين الذين يؤدون عملاً مهنياً في توثيق الأحداث ونقلها.

وفي السياق ذاته، عبّر الناشط فيصل مطلق عن استيائه من المشهد، قائلاً إن النساء الفلسطينيات يُقتدن بهذه الصورة التي تقهر كل حر، في إشارة إلى مشهد عوض وهي مكبلة اليدين ومعصوبة العينين، وما يحمله من دلالات على الإذلال والتنكيل.

وتساءل ناشط آخر عن واقع النساء الفلسطينيات وما يتعرضن له من انتهاكات، موجهاً نداءً إلى العرب والمسلمين لنصرة النساء الفلسطينيات، في تعبير عن حالة الغضب والعجز التي أثارتها الصورة المتداولة.

ولم يقتصر الاستنكار على التعليقات الفردية، بل امتد إلى تساؤلات أوسع في الأوساط الصحفية بشأن ما يمكن أن يفعله الصحفيون في ظل استنفاد الاحتلال، بحسب تعبيرهم، مختلف أساليب القمع والملاحقة بحقهم، وصولاً إلى توثيق عمليات اعتقالهم ونشرها بصورة استعراضية.

وتعيد قضية مرح عوض تسليط الضوء على واقع الصحفيين الفلسطينيين الذين يواجهون الاعتقال والاحتجاز والاعتداء الجسدي ومنع التغطية ومصادرة المعدات، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى وجود إعلام ميداني قادر على نقل الوقائع وتوثيق الانتهاكات.

وبينما تتواصل المطالبات بمحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات بحق الإعلاميين وتوفير الحماية الدولية لهم، تكشف صورة الصحفية الفلسطينية مكبلة ومعصوبة العينين عن جانب من المعاناة التي تواجهها الصحفيات الفلسطينيات، وتطرح مجدداً تساؤلات بشأن جدوى المواثيق الدولية إذا ظلت الانتهاكات تمر دون مساءلة حقيقية.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest