مستقبل أونروا في غزة.. استبعاد معلن واتصالات تثير مخاوف التفكيك التدريجي

أونروا

المركز الفلسطيني للإعلام

تتجه الأنظار إلى مستقبل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” في قطاع غزة، في ظل اتصالات واجتماعات مغلقة جرت بين قيادة الوكالة ومسؤولين في “مجلس السلام”، بالتزامن مع إعلان المجلس استبعاد الوكالة من ترتيباته المعلنة للمرحلة المقبلة، مقابل إبقاء الباب مفتوحًا أمام الاستفادة من بعض برامجها وموظفيها.

وتثير هذه الاتصالات تساؤلات بشأن مصير الدور الذي تؤديه “أونروا” في القطاع، خصوصًا في ظل امتلاكها شبكة واسعة من الموظفين والمنشآت والخدمات في مجالات التعليم والصحة والإغاثة والمياه وإدارة النفايات، فيما يحذر مسؤول إعلامي سابق في الوكالة من أن تتحول هذه الاتصالات إلى مسار لنقل وظائفها تدريجيًا إلى هياكل بديلة.

استبعاد الوكالة والاستفادة من خبراتها

وكشف المفوض العام السابق لـ”أونروا” فيليب لازاريني عن لقاءات جرت خلف الكواليس بين مسؤولين في الوكالة وأعضاء في “مجلس السلام”، إلى جانب اتصالات مع اللجنة الفلسطينية التكنوقراطية المعنية بترتيبات إدارة قطاع غزة.

وأكد مسؤول في المجلس عقد اجتماعات عدة مع مسؤولي الوكالة، موضحًا أن النقاشات تناولت طريقة عمل برامج “أونروا” وبنيتها التشغيلية، وإمكانية استمرار بعض خدماتها وموظفيها ضمن ترتيبات مختلفة في المستقبل.

لكن المجلس شدد، في المقابل، على أنه لا يرى دورًا مستقبليًا للوكالة بصورتها الحالية.

وقال المجلس، في بيان نشره عبر منصة “إكس”، إن سياسته بشأن مشاركة “أونروا” في غزة “لم تتغير”، وإنه سيعمل فقط مع ما وصفهم بـ”الشركاء الموثوقين”، زاعمًا أن الوكالة لا تستوفي المعايير التي وضعها.

وربط المجلس موقفه بنهج قال إنه يهدف إلى تقليص ما وصفه بـ”الاعتماد الدائم” على المساعدات، ودفع قطاع غزة نحو اقتصاد قادر على الاستمرار ذاتيًا.

شبكة يصعب تجاوزها

في المقابل، تبرز أهمية “أونروا” في حجم حضورها الميداني داخل قطاع غزة، إذ تمتلك نحو 11 ألف موظف فلسطيني، وتقدم خدمات صحية وتعليمية ومائية وإغاثية لشرائح واسعة من السكان.

وبحسب معطيات، كانت طواقم الوكالة تنفذ نحو 14 ألف معاينة واستشارة طبية يوميًا، إلى جانب خدمات المياه وإدارة النفايات لأكثر من مليون فلسطيني.

كما تعد الوكالة من أبرز مقدمي الرعاية الصحية الأولية في القطاع، إذ نفذت نحو 80 ألف استشارة طبية أسبوعيًا في حزيران/يونيو الماضي، إلى جانب خدمات التطعيم والتغذية وفحص المياه ومكافحة الآفات.

وفي المجال التعليمي، تواصل “أونروا” برامجها رغم الدمار الواسع الذي أصاب البنية التعليمية في غزة، وتستخدم أدوات رقمية لتوفير أنشطة القراءة والحساب لأكثر من 280 ألف طفل، بمشاركة نحو 7500 معلم، فيما استفاد نحو 60 ألف طفل من مساحات التعلم المؤقتة التابعة لها خلال فترات مختلفة من العام الجاري.

مخاوف من نقل الوظائف تدريجيًا

ويرى سامي مشعشع، الناطق الرسمي ومدير المكاتب الإعلامية السابق في “أونروا”، أن الكشف عن هذه اللقاءات يثير أسئلة جدية حول مستقبل الوكالة، خاصة أن اللاجئين الفلسطينيين وموظفي “أونروا” واتحاداتهم، بحسب قوله، لم يكونوا على علم بهذه الاتصالات.

ويقول مشعشع إن قيادة الوكالة ربما تعاملت مع الاجتماعات باعتبارها محاولة سياسية لاحتواء الضغوط والحفاظ على وجود “أونروا”، لكنه يخشى أن يكون الطرف الآخر قد نظر إليها باعتبارها فرصة للتعرف بصورة دقيقة إلى هيكل الوكالة الإداري والمالي وآليات تقديم خدماتها، والاستفادة من خبرة موظفيها في إنشاء هياكل بديلة.

ويضيف: “أخشى أن تكون هذه الاجتماعات بمثابة مرحلة انتقالية يجري خلالها التعرف إلى كيفية عمل الوكالة وخبرتها المتراكمة في غزة، تمهيدًا لنقل بعض وظائفها تدريجيًا إلى أجسام أخرى”.

وبحسب هذه القراءة، فإن الخطر لا يتمثل بالضرورة في توقف الخدمات بصورة فورية، وإنما في انتقالها تدريجيًا من المؤسسة الأممية إلى جهات أخرى، بالتزامن مع تقلص حضور “أونروا” ودورها.

القدس والضفة.. مؤشرات سابقة

ويستند مشعشع في تحذيراته إلى ما يقول إنه تراجع سابق في حضور “أونروا” في مناطق أخرى، وفي مقدمتها القدس المحتلة، حيث أغلقت مقرات ومدارس ومراكز صحية تابعة للوكالة، وانتقلت بعض الخدمات التي كانت تقدمها إلى جهات أخرى.

ويلفت كذلك إلى مركز التدريب المهني في قلنديا، باعتباره منشأة ذات أهمية تاريخية وجغرافية ودور في تدريب اللاجئين الفلسطينيين، ويرى أن الضغوط التي تواجهها الوكالة تندرج ضمن مسار أوسع يهدد قدرتها على الحفاظ على مؤسساتها وحضورها.

كما يشير إلى مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس شمالي الضفة الغربية، حيث تعطلت خدمات الوكالة لفترات طويلة نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية والتهجير، ما دفع اللاجئين، وفق حديثه، إلى البحث عن بدائل لتلبية احتياجاتهم الأساسية.

أزمة تتجاوز الخدمات

ويحذر مشعشع من أن “أونروا” تعيش فعليًا، بحسب توصيفه، مرحلة من “التآكل التدريجي”، نتيجة تزامن الأزمة المالية والضغوط السياسية والهجمات التي تستهدف موظفي الوكالة وشرعية وجودها، مع محاولات إيجاد بدائل لخدماتها في عدد من مناطق عملياتها.

ولا تقتصر تداعيات هذا المسار على قطاع غزة، بل تمتد إلى اللاجئين الفلسطينيين في أقاليم عمليات الوكالة الأخرى، بما فيها لبنان وسوريا والأردن والضفة الغربية، في ظل تزايد مستويات الفقر والعوز وتراجع القدرة على توفير الخدمات التعليمية والصحية الأساسية.

ويخلص مشعشع إلى أن مستقبل “أونروا” لا يتعلق فقط باستمرار تقديم خدمات إنسانية أو تعليمية أو صحية، وإنما يرتبط أيضًا بالمكانة القانونية والسياسية للوكالة وصلتها بقضية اللاجئين الفلسطينيين.

وبينما يعلن “مجلس السلام” استبعاد “أونروا” من ترتيباته المعلنة، تكشف الاجتماعات والاتصالات عن بحث متواصل في كيفية الاستفادة من بنيتها وخبراتها وموظفيها؛ وهو ما يضع مستقبل الوكالة أمام مسار غير محسوم، تتقاطع فيه الحاجة إلى خدماتها على الأرض مع ضغوط سياسية تسعى إلى إعادة صياغة الجهة التي تتولى تقديم تلك الخدمات.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest