مليشيات العملاء في غزة .. أداة احتلال مؤقتة أم مشروع لإعادة تشكيل المجتمع؟

عصابات الاحتلال

خاص المركز الفلسطيني للإعلام

في المناطق الشرقية لقطاع غزة، حيث خفّ الوجود الأمني الفلسطيني التقليدي تحت وطأة حرب الإبادة الجماعية المتواصلة، برزت ظاهرة لافتة: مليشيات مسلحة محلية تتمركز في هذه المساحات وتتحرك بحماية إسرائيلية مباشرة.

لم تولد هذه التشكيلات من فراغ، بل صنعها الاحتلال الإسرائيلي بعناية ليستخدمها كأداة رخيصة الكلفة تؤدي عنه مهامًا لا يريد تحمّل أعبائها الأمنية والسياسية والأخلاقية، من فرض السيطرة وبث الفوضى إلى ملاحقة المقاومين وعناصر الأمن.

لكن السؤال الذي يطرحه محللون ومتابعون لا يتوقف عند وصف هذه المجموعات بأنها أدوات احتلال؛ بل يمتد إلى استشراف مصيرها: هل هي مجرد وسيلة عسكرية وأمنية مؤقتة تستهلك وترمى بانتهاء الحرب أو مهمتها؟، أم أن إسرائيل تسعى من خلالها إلى إحداث تحوّل أعمق في بنية المجتمع الفلسطيني، عبر إنتاج قوى محلية قابلة للتوظيف في ترتيبات الحكم والأمن مستقبلاً؟

هذا التقرير يحاول الإجابة عبر قراءتين تحليليتين متكاملتين، إضافة إلى معطيات ميدانية وبحثية حول طبيعة الدعم الذي تحصل عليه هذه المجموعات وحدود دورها.

خلفية: كيف نشأت هذه المليشيات ولمن تتبع؟

تشكلت هذه المجموعات خلال حرب الإبادة الجماعية المستمرة على قطاع غزة، بدعم مباشر من الاحتلال شمل السلاح والتدريب والمساندة اللوجستية والمعلومات الاستخبارية.

وقد بدأت بعض هذه التشكيلات، وفق المعطيات المتوفرة، بتنفيذ عمليات فعلية داخل مناطق مختلفة من القطاع، لا سيما في المناطق القريبة من “الخط الأصفر” الذي يفصل مناطق السيطرة الإسرائيلية، إضافة إلى نشاط مسجَّل في مناطق أخرى مثل خان يونس وشمال غزة.

ويصف محللون تركيبة هذه المجموعات بأنها تضم خليطًا من الأطراف، من بينهم أشخاص لهم سوابق جنائية أو ملاحقات قضائية داخل غزة، إلى جانب عناصر تعرّضت للملاحقة السابقة على خلفية قضايا تخابر وعمالة للاحتلا. وهذا التنوع في التركيبة، بحسب الخبراء، هو أحد أسباب الرفض المجتمعي الواسع الذي تواجهه هذه التشكيلات، ما يحد من قدرتها على اكتساب أي شرعية شعبية.

الرأي الأول: تفكيك المجتمع من الداخل

يرى الكاتب والمحلل السياسي عادل شديد أن الهدف الاستراتيجي للاحتلال من إنشاء هذه المليشيات يرتبط بطبيعة أي قوة احتلال تسعى إلى إحكام السيطرة على الشعب الواقع تحت نيرها.

وأوضح في تصريحات خاصة للمركز الفلسطيني للإعلام أن الاحتلال يسعى لتحقيق ذلك، أي تفكيك المجتمع وتفتيته واختراقه من الداخل، وأن تشكيل هذه المجموعات المتعاونة هو أحد أبرز أشكال هذه السياسة، بهدف خلق البلبلة وافتعال الأزمات الداخلية.

عادل شديد

وأضاف شديد أن الاحتلال يطبّق النهج ذاته في الضفة الغربية كما في غزة، عبر استهداف البنية الاجتماعية الفلسطينية لإضعافها وتفكيكها بما يمكّنه من السيطرة والتحكم، مشددًا على أن لهذه السياسة بعدًا أمنيًا واستخباراتيًا واضحًا، وأن تحوّل هذه المجموعات إلى أدوات أمنية فعلية للاحتلال أمر مؤكّد، بل إن بعضها تحوّل بالفعل إلى هذا الدور.

غير أن شديد يربط قدرة هذه المجموعات على النجاح بعامل حاسم هو متانة البنية الأمنية لحركة حماس، والتي يصفها بأنها لا تزال قوية رغم الضربات التي تلقّتها خلال ثلاث سنوات من الحرب؛ فقد تضررت وارتبكت في مراحل معينة، لكنها لم تنهَر ولم تنتهِ.

ويحدد شديد ثلاثة عوامل رئيسية تتحكم في قدرة هذه المجموعات على فرض واقع جغرافي وأمني جديد في غزة:

  • استمرار الدعم والحماية الإسرائيلية، وهو العامل الأكثر حسمًا برأيه، إذ إن توقفه سيعني نهاية هذه المجموعات حتمًا.
  • بقاء المقاومة وقدرتها على إفشال هذه المحاولات، مؤكدًا أنها لا تزال حاضرة في الوعي الفلسطيني داخل القطاع.
  • مدى لحمة الفصائل الفلسطينية مع الشارع، إذ إن قوة هذه العلاقة تحدد مدى قدرة المليشيات على فرض نفسها كواقع بديل.

ويخلص شديد إلى أن مستقبل هذه المجموعات لا يتوقف على قدراتها الذاتية فحسب، بل على قرار إسرائيل بشأن جدوى استخدامها، وعلى قدرة الفصائل والمقاومة والشارع الفلسطيني على إفشال محاولات فرضها كواقع أمني واجتماعي جديد.

الرأي الثاني: محاولة لصناعة بديل محلي فاشل

من جانبه، يرى الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا أن إنشاء إسرائيل لهذه المجموعات جاء متأخرًا نسبيًا، وبرز بوضوح أكبر خلال السنة الثانية من حرب الإبادة؛ بهدف إحداث خلخلة في الوضع الداخلي الفلسطيني.

وقال القرا للمركز الفلسطيني للإعلام إن إسرائيل سعت من خلال هذه المجموعات إلى إيجاد جهة فلسطينية بديلة يمكن تقديمها أمام العالم كبديل عن حكم حماس أو الحكومة في غزة.

د.إياد القرا

ويشير القرا إلى أن إسرائيل حاولت توظيف هذه المجموعات في مهام متعددة، أبرزها محاولات اغتيال وقتل باءت غالبيتها بالفشل، فيما نجحت في بعض حالات الاختطاف، لكن المحصلة العامة، بتقديره، تشير إلى فشل التجربة.

ويرى أن أحد أبرز أسباب هذا الفشل هو أن هذه المجموعات “منبوذة مجتمعيًا”، ما يصعّب حصولها على حضور حقيقي داخل المجتمع الفلسطيني، ويحد بالتالي من قدرتها على لعب أي دور سياسي أو التحول إلى طرف يُعتمد عليه في مفاوضات أو ترتيبات مستقبلية.

ويؤكد القرا أن إسرائيل نفسها لم تتمسك بهذه العصابات كثيرًا، لأنها تعتبرها “مشروعًا فاشلاً”، ويصفها بأنها أقرب إلى “عملاء أو مرتزقة” يؤدون دورًا محدودًا لجيش الاحتلال الإسرائيلي، دون أن يرقوا إلى مستوى قوة عسكرية بديلة يمكن التعويل عليها في مهام كبرى. ويضيف أن أي بقاء لها، في حال التوصل إلى اتفاق وتنفيذه، سيكون خارج إطار هذا الاتفاق وبموافقة إسرائيلية ضمنية، وهو ما ثبت فعليا في خارطة كلادينوف التي تحدثت بصراحة عن تفكيك هذه المليشيات وتسليم سلاحها.

ورغم تأكيده على محدودية دورها العسكري، يحذّر القرا من خطورة أخرى تتعلق بكون أفراد هذه المليشيات جزءًا من نسيج المجتمع الفلسطيني نفسه، ما يمنح إسرائيل قدرة على الاستفادة من معرفتهم بالبيئة المحلية خاصة وسط الوضع الكارثي الناجم عن الإبادة؛ لتنفيذ مهام أمنية دقيقة يصعب تنفيذها بشكل مباشر.

كما يرى أن إسرائيل يمكنها توظيف وجود هذه المجموعات كظاهرة سلبية داخل المجتمع، لاستخدامها كوسيلة ضغط دائم وإحداث حالة من الاضطراب الداخلي، حتى لو ظل دورها العسكري المباشر محدودًا بفعل فشلها المتكرر.

معطيات ميدانية: السلاح والمعلومات والغطاء الإسرائيلي

تسند تحليلات بحثية هذه القراءات؛ إذ تحدث تحليل لمنظمة ACLED المتخصصة برصد النزاعات عن مجموعات مسلحة مناهضة لحماس تنشط في مناطق تخضع للسيطرة الإسرائيلية، وأشار إلى أشكال من الدعم تشمل الأسلحة والإمدادات اللوجستية والمعلومات الاستخبارية والتدريب، إلى جانب إسناد جوي إسرائيلي في بعض المواجهات. وهذا يعكس أن هذه المجموعات لا تتحرك بصورة مستقلة، بل ترتبط بدرجات متفاوتة بمنظومة الدعم والحماية الإسرائيلية.

كما يرتبط نشاط بعض هذه المجموعات بمناطق قريبة من طرق المساعدات والمعابر، ما يمنحها أهمية إضافية، إذ يمكن للسيطرة على طرق الحركة ونقاط توزيع المساعدات أن تتحول إلى مصدر نفوذ على السكان. غير أن قدرتها على تحويل هذا الحضور إلى نفوذ مستدام تظل مرتبطة بثلاثة عوامل متشابكة: حجم الدعم الإسرائيلي، وقدرتها على مواجهة الرفض المجتمعي، وقدرة الفصائل والمقاومة على إفشال محاولات تمددها.

المواجهة المجتمعية: دور النخب والمثقفين

في السياق ذاته، يرى الصحفي الاستقصائي المتخصص في كشف الميليشيات، محمد عثمان، أن دور المثقفين والنخب الفلسطينية تجاه هذه المجموعات يجب أن يقوم على الكشف والفضح والتجريم.

وأوضح عثمان في حديث للمركز الفلسطيني للإعلام أن النخب -من مثقفين وصحفيين وأطباء- هي الأقدر على توعية المجتمع، وأن تصدرها لمواجهة قضايا الميليشيات والعملاء يمنحها مصداقية أكبر ويجعلها قدوة تعزز الرفض المجتمعي لهذه الظاهرة.

الصحفي محمد عثمان
الصحفي محمد عثمان

وأشار عثمان إلى أن حالة من الخوف لا تزال حاضرة في المجتمع نتيجة تخويف هذه الميليشيات للناس، ما يجعل كثيرين يترددون في الحديث عنها علنًا أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، رغم أن الأصوات الرافضة لها بدأت ترتفع بصورة محدودة.

وشدد على ضرورة أن تتناول النخب هذه القضية بعقلانية ومنطق الإقناع، عبر الإجابة عن أسئلة مثل: لماذا يجب مواجهة هذه الميليشيات؟ ولماذا توصف بأنها أدوات للاحتلال؟ خصوصًا في ظل وجود من يرى فيها مجرد أطراف معارضة لا أكثر.

قراءة من منظور أمني.. اللواء سمير عباهرة

من جانبه، قال الخبير في الشؤون الأمنية سمير عباهرة إن إسرائيل حاولت خلال الحرب على قطاع غزة وبعدها خلط الأوراق وإعادة تشكيل المشهد الأمني والسياسي في القطاع، عبر إنشاء ودعم مليشيات فلسطينية مسلحة تعمل بالتوازي مع جيش الاحتلال وتحت إشراف أجهزته الأمنية.

وأوضح في تصريح لمراسل المركز الفلسطيني للإعلام أن إسرائيل كانت تراهن على هذه المجموعات لتولي إدارة غزة وملء الفراغ الأمني في مرحلة ما بعد الحرب، مستغلة حالة الحرب والدمار لتجنيد عناصر جديدة.

وأشار عباهرة إلى أن حقيقة هذه المليشيات بدأت بالانكشاف بعد تصريحات أفيغدور ليبرمان، التي كشف فيها أن إسرائيل تسلح مجموعات فلسطينية في غزة بأوامر مباشرة من بنيامين نتنياهو، دون عرض الأمر على المجلس الوزاري المصغر.

ويرى عباهرة أن هذا المشروع فشل بسبب غياب الحاضنة الشعبية لهذه المجموعات، وانكشاف ارتباطها بالاحتلال، إضافة إلى رفض المجتمع الفلسطيني منحها الشرعية أو القبول بها كبديل سياسي وأمني.

وقال إن إسرائيل كانت تراهن كذلك على تقسيم قطاع غزة إلى مناطق منفصلة تسيطر عليها هذه المليشيات، بما يسهل التحكم بكل منطقة على حدة، وإحداث فصل جغرافي وسياسي بين محافظات القطاع، إلا أن هذا المخطط لم ينجح.

وأضاف أن الهدف الإسرائيلي كان يتجاوز الجانب الأمني إلى محاولة إخراج غزة من حاضنتها الفلسطينية والقومية، وفرض ترتيبات سياسية جديدة لمرحلة ما بعد الحرب، من بينها إدارة مدنية تحت إشراف دولي واستبعاد “حماس” من حكم القطاع.

وبحسب عباهرة، فإن الرفض الفلسطيني أفشل أيضًا محاولات فرض وصاية دولية على غزة أو إعادة إنتاج صيغة الانتداب، مؤكدًا أن مستقبل القطاع يجب أن يكون ضمن الإطار الوطني الفلسطيني.

وأشار إلى أن أي ترتيبات انتقالية، بما فيها تشكيل لجنة فلسطينية لإدارة الشؤون اليومية، يجب أن تكون مؤقتة إلى حين إنهاء الاحتلال والانسحاب الإسرائيلي الكامل، وصولًا إلى غزة محررة وجزءًا من الدولة الفلسطينية.

اللواء سمير عباهرة

مستقبل معلّق على ثلاثة أطراف

تكشف قراءة الخبراء أن هذه المليشيات المحلية ليست مجرد أداة عسكرية لمواجهة حماس، بل يمكن النظر إليها ضمن محاولة أوسع لإعادة تشكيل البيئة الفلسطينية من الداخل: فشديد يضعها في إطار استراتيجية الاحتلال لتفكيك المجتمع واختراق بنيته الاجتماعية والأمنية، بينما يرى القرا أن إسرائيل حاولت من خلالها إيجاد بديل فلسطيني تقدمه أمام العالم عوضًا عن حكم حماس.

ويتفق التقديران، رغم اختلاف زاويتيهما، على أن قدرة هذه المجموعات على فرض واقع جديد ليست مطلقة، وأن استمرارها مرتبط بصورة مباشرة بثلاثة أطراف: الدعم والحماية الإسرائيلية التي تمثل شرط بقائها الأول، والمقاومة والفصائل التي تسعى لإفشال تمددها، والمجتمع الفلسطيني الذي يحدد بدرجة كبيرة مدى قدرتها على اكتساب أي شرعية أو حضور حقيقي.

فبينما يرى شديد أن توقف الدعم الإسرائيلي سيعني نهايتها حتمًا، يذهب القرا إلى أن تجربتها حتى الآن أثبتت محدودية قدراتها، وأن فشلها المتكرر جعل إسرائيل أكثر حذرًا في الاعتماد عليها في العمليات المهمة. لكن استمرار وجودها، ولو في نطاق محدود، يبقي السؤال الأكبر مفتوحًا: هل تريد إسرائيل استخدامها كأداة مؤقتة تستهلك بانتهاء الحرب، أم كوسيلة لإحداث تغيير طويل الأمد في البنية الأمنية والاجتماعية والسياسية لقطاع غزة؟ إجابة هذا السؤال ستتضح أكثر مع شكل أي اتفاق مقبل وطبيعة ترتيبات الحكم والأمن في غزة.

- Advertisement -spot_img

Read More

Latest